صدى الشام _ جلال بكور/
دمّرت طائرات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية مدينة الرقة بحجة محاربة الإرهاب. هذه المدينة التي عُرف أهلها بالكرم؛ العروس المنصوبة على كتف نهر الفرات العذب، والمنطقة التي فضلها العباسيون عن غيرها بسبب نسيمها.
لا توجد حصيلة رسمية ومؤكدة عن عدد الضحايا الذين قتلهم طيران التحالف تحديداً في مدينة الرقة وريفها أيضاً، ولكن المؤكد أنهم بالآلاف، وما يقوم به التحالف تعدّى “محاربة الإرهاب” إلى ما يجب وصفه بمجزرة العصر، وقد فاق إجرام التحالف إجرام نظام الأسد بحق السوريين.
تظهر الصور القادمة من مدينة الرقة دمار المدينة بنسبة تتجاوز السبعين بالمئة، ومع استمرار المعركة من المرجح دمار المدينة بشكل كامل، لكن ما مصلحة التحالف من ذلك الإجرام التي صمتت عنه معظم وسائل الإعلام العالمية والمحليّة، ولم يصدر عن المنظمات التابعة للأمم المتحدة سوى بيانات خجولة بعد فوات الأوان، في حين تتغنى وسائل إعلام النظام ومن لف لفيفه بانتصارات وهمية على “داعش”؟
التقديرات تقول أن مقاتلي تنظيم “داعش” في مدينة الرقة لا يتجاوز عددهم ألفي مقاتل، في حين أن ميليشيات “قوات سورية الديمقراطية” المدعومة من التحالف يتجاوز عددهم الخمسين ألف مقاتل، وهم مدعومون بكافة أنواع الطيران الحديث والمتطوّر، فما الداعي لتدمير المدينة؟
لو كان هناك مجرم يحتجز عشرين رهينة في مركز تجاري، وعند عملية تحرير الرهائن تمّ قتل تسعة عشر منهم برصاص الشرطة، بينما قتل أيضاً عشرة من عناصر الشرطة برصاص المجرم خلال العملية، أو لنفترض أن الشرطة قامت بحرق مكان احتجاز الرهائن لاجبار المجرم على ترك الرهائن، هل تعتبر تلك العملية ناجحة؟ أم هي عملية غير مدروسة وتمت بشكل غبي؟
لو قتل رهينة واحد لقلنا أنه كان نتيجة خطأ حصل خلال العملية أو أن ظروف العملية استدعت ذلك، بينما لو قتل تسع عشرة رهينة من أصل عشرين، ولا نريد أن نصف تلك العملية بالغبيّة، فهناك حتماً نية لقتل الرهائن من أجل استغلال الحدث لغايات أخرى في نفس من خطط لعملية تحرير الرهائن.
إنّ المثال الذي ذكرته ربّما ينطبق إلى حد كبير على ما يحصل في الرقة من قتل للمدنيين بحجة أن داعش اتّخذهم دروعاً بشرية، وتدمير المدينة، فهناك مركز بأكمله كان يلجأ له خمسون شخصاً من الأطفال والنساء في حي حارة البدو، دمّره التحالف فوق ساكنيه تماماً ولا تزال جثث الضحايا تحت أنقاض المبنى، مع العلم أن المبنى بعيد عن جبهة القتال.
ما يحدث يؤكد أن للتّحالف بقيادة واشنطن غايات كثيرة من إطالة المعركة في منطقة شمال شرق سوريا وتحديدا الرقة، ومنها غايات اقتصادية عبر تضخيم فاتورة المعركة والسيطرة على منابع النّفط، وسياسية لإحداث تغيير ديموغرافي في بنية المدينة والمنطقة بشكل عام لإنشاء دولة لحلفائه، واستنزاف القوى المتصارعة في المنطقة لتصفيتها واحداً تلو الآخر.
لم يكن اختيار المنطقة الشمالية الشرقية من سورية لانتشار المنظمات الإرهابية محض صدفة وذلك بعد خمسين عاماً من التجهيل والتفقير الذي مارسه نظام عائلة الأسد والبعث، بل هو مدروس بتمعن، فتلك المنطقة لم تعرف الفقر والجهل إلا في عصر عائلة الأسد وتحديداً منطقة حوض الفرات، فطبيعة المنطقة البسيطة وما قام به النظام جعلها لقمة سائغة لتنظيم “داعش”.
و”داعش” اليوم أكمل المهمة كونه ورقة الحجة التي يستخدمها التحالف لإكمال جريمة من أكبر جرائم العصر الحديث الذي يتغنى فيه دعاة مكافحة الإرهاب بالحقوق والحرية للبشر، وما إلى ذلك من شعارات أخرى.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث