الرئيسية / رأي / يوم رَحلتْ داريا

يوم رَحلتْ داريا

صدى الشام _ محمود الطويل/

بعد حصارٍ تامِّ الأركان، ومحاولات اقتحامٍ دامتْ ثلاث سنوات وعشرة أشهر، دون خطوط إمداد للثوار، صمدتْ مدينة داريا أمام نظام الأسد والميليشيات الشيعية (العراقية واللبنانية) وميليشيات المرتزقة مختلفة الجنسيات والمذاهب، وكل الدعم الإيراني والروسي المقدم لاقتحام هذه المدينة، حتى أصبحت البراميل كُتلًا من الإسفنج وأصبحت الدباباتُ أرانبَ والرصاص قطعَ حلوى توزّع على الناس وصارت مواعيد الصواريخ والغارات مواعيد غرامية لعشاق الحرية، إلى أنْ رحلتْ عنا هذه المدينة في الـ 25 من آب الأسود عام 2016، حيث عُقد اتفاقٌ بين كل تلك القوى الاستعمارية و700 مقاتلٍ من الثوار على أن يخرجوا إلى الشمال السوري بسلاحهم وأهليهم، وللمفارقة فإن المجزرة الكُبرى في هذه المدينة التي ارتكتبها قوات الأسد عام 2012 وراح ضحيتها أكثر من 500 مدني كانت في الـ 20 من آب أيضًا، ولذلك يُعتبر هذا الشهر هو الأسوأ بالنسبة للمدينة.

قدمتْ هذه المدينة تجربة ثورية فريدة بكل أقسامها: المدنية والسياسية والعسكرية، المجتمعية والفردية، الانتصار والتخاذل، الميثاق الأخلاقي والانتماء الوطني والبُعد الديني، التنسيق والتعاون والمرجعية، وفي ذات الوقت كانت تعاني كما كل المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، من كل المشاكل التي ورثها الناس عن نظامٍ حكمهم طيلة خمسة عقود، فالناس على دين ملوكهم حتى ينتفضوا عليهم.

استطاع ثوار هذه المدينة تقديم نماذجهم كلها، من يوم كانت مظاهراتهم غايتها الإصلاح السياسي والاجتماعي وضبط علاقة السلطة بالمجتمع، إلى أن أصبح مقاتلوهم يضعون (الحشوات المتفجرة) في فوهة دبابات الأعداء وضع اليد، فقد أصبحت أسلحة الجيش “الوطني” عليهم لا لهم، لحماية السلطة لا لحماية الناس، وعندها سيدمّر الناسُ هذه الأسلحة ولو بأسنانهم وأظافرهم وهم الذين دفعوا ثمنها من جهدهم وخيرات بلادهم، لكنّ دماءهم وكرامتهم أغلى عندهم.

رسموا على جدران مدينتهم كأنهم يرسمون على جفونهم، تظاهروا ورفعوا اللافتات وأعلنوا مواقفهم واضحة لا اشتباه فيها، دفنوا شهداءهم بين (الغارة والغارة)، وزرعوا أسطحَ منازلهم كأنهم باقون للأبد، اعتنوا بالتشكيلات الإدارية والمجتمعية ونظّموا أنفسهم كأن المعارك وهمٌ وأخبارٌ كاذبة وكأن الحياة مستقرة وناعمة.

جاعوا، تشققتْ شفاهُهم، بيوتهم تحت الأرض فالشمس تُعلن بدء الغاراتِ عليهم، خنادق ثوارهم ونقاط الرابط صارت محارِيْبَهم يصلّون ويعشقون ويقاتلون ويدفنون فيها، أطفالهم لم يروا غير القتال، بدؤوا معاركهم في هذه الدنيا باكرًا جدًا، (عندما التقيتُ أحد الأطفال الخارجين بداية التهجير لم يعرف ما هي البسكوتة) يستطيعون تمييز نوع الصواريخ ونوع الطائرات التي تقصفهم.

لا ماء، لا غذاء، لا مأوى، يقاتلون كل الطغاة والمجرمين، بالسلاح والأخلاق والمواقف والمبادرات، ولا تملك أيديهم إلا تراب أرضهم، حققوا كل الشروط الإنسانية والأخلاقية التي تجعل أبعدَ إنسانٍ وأحقر إنسانٍ ينتفض لأجلهم وينتصر لهم، ولم تنتصر لمظلوميتهم لا الأمم المتحدة ولا القانون الدولي ولا الدول الشقيقة والرفيقة والصديقة والمسلمة والكافرة والفاجرة .. حتى قادة الفصائل المجاورة، تركوهم لمصيرهم فُرادى.

القهر الحقيقي، أنه بعد أقل من عامٍ على رحيل داريا، رَحلَت القابون، وبعد عامٍ إلّا بضعة أيامٍ من رحيل داريا، وقّعت الغوطة الشرقية هدنتها (المثقوبة جدًا)، كانت داريا أصعب معادلات الثورة، التي بدأت تتفكك عُرى كفاحها المسلح بشكله الحالي المتبلور منذ نهاية عام 2013 حتى 2016.

هناك زوايا معتمة في رحيل داريا، أتمنى أن تُكشف قريبًا، التقيتُ ببعض الخارجين منها “قادةً ومقاتلين”، ولديهم رواية تشابه رواية المناطق التي تُسلّم على “غفلة”، يقولون (صحونا وإذ بالكل يخرج، فخرجنا)، كما كانت هناك زوايا أقل إعتامًا في رحيل القابون، ثم كان الموضوع أكثر وضوحًا مع الغوطة، التي انتظر النظام حتى ينتهي معرضه (الدولي) وعاد إلى خرق الهدنة ومحاولات اقتحام عين ترما وجوبر.

هل من يعلمون ما الذي يحدث، وإلى أين تُساق الناس وثورتهم لديهم الجرأة أن يقولوا لنا (هذا ما حدث، وذلك ما سيحدث) أم أنهم “على قلوبٍ أقفالُها”!؟

بعد عامٍ على خروج الثوار وتدمير النظام لـ داريا كما يُهرَسُ قالب حلوى، لم يرجع الناسُ ـ الذين لم يزعجوا النظام ـ إلى بيوتهم كما ادّعى، بل لعل داريا تسير على خطى حمص، بتمليك الشيعة وجعل أعزة أهلها إذلة، لإنجاز تغيير ديموغرافي في طوق دمشق كما يُنجزُ حاليًا في قلبها.

بعد عامٍ من العزّاء والتغنّي بصمود المدينة وتجربتها، أحداثٌ كثيرةٌ أصابت أهلها وثوارها، فمجموعاتٌ من مقاتليها تم توقيفهم وسلب سلاحهم من مجموعات مسلحة أخرى، ومجموعات منهم أجبرت على الانضمام إلى حركات وكتائب لتوفّر ذخيرتها، والقائد العسكري لثوارها أبو جعفر الحمصي (كابوس الحرس الجمهوري) يغرق في بحيرة  عين الزرقاء في ريف إدلب بقصة غريبة عجيبة، معتقلوا المدينة ما زالوا على حالهم، و المخيمات لم تُنْسِ الناس الحصار والمعاناة، واستغلالُ اسمهم وتضحياتهم ما زال يُطعم ويُغني كثيرين غيرَهم، فخذلناهم بذلك مرتين.

شكّلت داريا حالةً جَمعيّةً بين كل السوريين الرافضين للنظام، قلّما وجدناها في منطقة أخرى، هي تجربة تستحق التفنيد والبحث من باب المراجعات ونقل التجارب النافعة، وتستحق توثيقها بأسماء أناسها، فأسماء الناس مهمة كأسماء المدن.

لعل الطريقة التي كانت عليها الثورة في داريا بلغت أعلى مستويات الثورة السورية، ولعل نهاية تلك التجربة كانت مؤشرًا واضحًا لكي تُغيّر الثورة بعض أساليبها وآلياتها في مواجهة النظام والاحتلال متعدد الجنسيات الذي أصبحت البلاد تحت رحمته.

لم تخسر الثورة كـ داريا .. ولن، سلامٌ على تلك القبور وأهلها، فقلوبنا إليهم ترحل كل يوم.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *