صدى الشام _ العقيد محمد أبو الخير العطار/
كان لاختيار رونالد ترامب السعودية كأول دولة يزورها بعد انتخابه رئيساً للولايات المتحدة الامريكية دلالات كثيرة أهمها الأزمة الذي يعاني منه داخلياً جراء تراجعه في عدة قرارات كان قد ارتجلها أثناء جولاته الإنتخابية، ولاقت عثرات في مرحلة التنفيذ بعد أن تسلم منصب الرئاسة، إذ واجهت هذه القرارات اعتراضات من جهات تنفيذية خارجية وداخلية، بالإضافة للتهم بالتعامل مع الروس التي لاحقت مسؤولين رئيسيين في إدارته، ولا يستبعد أن تطاله هو أيضاً، فكان التفكير في نصر من نوع ما، فتدخل في قصف مطار الشعيرات بصواريخ توماهوك من البوارج الحربية الأمريكية كردة فعل على قصف قوات النظام منطقة خان شيخون السورية بالغازات السامة، إلا انه لم يشغل الناس طويلاً، فكان لا بديل عن البحث عن نصر أكبر يهتم به الأمريكيون ويشغلهم.
وهنا برزت طريقة تفكير التاجر ترامب حين فكر في صفقة رابحة دون أي كلفة تمنح إدارته الاستقرار وتجلب له نصراً مؤزراً، وتعيد لأمريكا مكانتها في العالم دون أي خسائر، فكانت السعودية بوابة الحل ومنها تنطلق تلك الصفقة.
القيادة من الأمام
يجب ألا يغيب عن بالنا الرغبة العارمة لإدارة ترامب بإعادة الولايات المتحدة إلى مركز الصدارة في العلاقات الدولية الذي تخلى عنه أوباما لصالح نظرية القيادة من الخلف إبان فترة حكمه.
فالسعودية دولة مركزية في العالمين العربي والإسلامي لا يمكن تجاهلها، وهي من الدول الأغنى في العالم، من حيث إيرادات النفط، وهي تعاني ضغوطات شديدة تمارسها عليها جارتها إيران، حيث تتمدد في العراق وسوريا واليمن ولبنان وتحرض الشعوب في باقي الدول ضد حكامها، إضافة لحملات تشييع السنّة.
وقد عانت السعودية من تهميش إدارة أوباما لها لثماني سنوات متتاليات، وخلال هذه السنوات تعرضت السعودية لأزمات شتى جراء هذا التهميش، وهي بحاجة لوقوف الولايات المتحدة بجانبها، وهذا أقصى الأماني أمام التمدد الإيراني الفارسي، والتغول في العراق واليمن وسوريا ولبنان، ذلك أن إيران تثير النزاعات والنعرات، وهي ذاتها من وصفها ترامب مرارا بأنها منبع الإرهاب، وهنا تلتقي مصالح السعودية والخليج والعرب عموماً.
خارطة تحالفات وأهداف
مما لا شك فيه أن الولايات المتحده تفكر في حلحلة كل المشاكل في العالم من خلال مصلحتها هي، وعلى هامش مصالحها تستفيد الأطراف الصغيرة كالسعودية و غيرها، فقد جلب ترامب معه في زيارته للسعودية مسؤولي وزارة الدفاع والاقتصاد والخارجية ورجال الأعمال من كل صنف، وتمت الاتفاقات السريعة على صفقات كبيرة إن لم تكن الأكبر في تاريخ العلاقات العسكرية التي تجريها دولة في العالم الحديث، إذ بلغت قيمة الصفقات العسكرية 460 مليار دولار، وهو رقم لا شك بأنه كبير جداً يضمن به ترامب إسكات كل الأصوات المنتقدة التي تؤرقه، وقد حصل له ما أراد.
وضمن هذه الاتفاقات جرى طرح تشكيل تحالف عربي أمريكي للوقوف في وجه المطامع الايرانية ومحاربة “داعش”، بحيث يكون الجنود الذين يشكلون هذا التحالف عرباً والتسليح أمريكياً بأموال عربية سعودية، والهدف أمريكي عربي مشترك.
وما يميز هذا التحالف أنه سني بالكامل مقابل “داعش” بما تمثله، وبالتالي الدفع نحو حرب يطحن فيها السنة بعضهم بعضاً ما بين معتدل ومتشدد وهذه مصلحة أمريكية. ومن جهة أخرى هناك السعي للوقوف في وجه إيران الشيعية، وهنا أيضاً حرب إسلامية-إسلامية، وهي استمرار لحرب طائفية طويلة الأمد بدفع دولي.
وما يميز هذا التحالف منذ تشكيله أنه يصنف أعداءً جددًا لم يكن شن حربًا عليهم هدفاً في يوم من الأيام، فتركيا مثلاً لن تجد مصحلة لها في هذا التحالف، إذ أنه ضربها ضربة قاسمة في عمقها الاستراتيجي العربي، ما يجعلها في أحسن التقديرات غير صديقة له، إن لم نقل أنه صنفها في خانة الأعداء.
وينبغي التوقف هنا مطولاً عند نقطة هامة هي العسكر الذين سيشكلون هذا التحالف، فقوامهم الأكبر سيكون من المصريين وذلك حسب النسب السكانية، وفي هذا تسويق للسيسي ونظامه وإمعان في تثبيت أركان حكمه كونه دكتاتور عسكري يخدم وجوده مصالح الأمريكيين باضطهاده للشعب المصري الطامح لحكم مدني يحقق فيه الشعب ذاته، (علماً أن نظام عبد الفتاح السيسي لا يحتمل خوض أي حرب فالاقتصاد منهار والبنية السكانية مهلهلة وسلاح الجيش قديم)، ولكنها تبقى مخططات أمريكية ترغب واشنطن في تحقيقها.
مكاسب كبيرة
من الواضح أن وشنطن حققت عقب زيارة ترامب مكاسب كبيرة منها الاستقرار السياسي الأمريكي، وتأمين فرص عمل للشباب الأمريكي بالمبالغ السعودية الضخمة، وعودة الولايات المتحدة إلى صدارة الموقف العالمي في الشرق الأوسط، فضلاً عن الإعلان بأن الحل يجب أن يمهر بالختم الأمريكي.
ويضاف إلى هذه المكاسب تحجيم إيران (إن حصل)، وإشعار الجميع أن لإسرائيل رأيًا هامًا فيما يجري من ترتيبات في المنطقة، وترسيم حدود المنطقة بما يخدم مصالح الولايات المتحدة خصوصاً في المحافظات العراقية الثلاثة الغربية، والمحافظات الثلاثة الشرقية في سوريا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث