صدى الشام _ ثائر الزعزوع/
استعاد الشاعر الصديق كمال جمال بك عبر صفحته على “فيس بوك” مجموعة من التفاصيل في حياتنا السورية قبل الثورة، واعتبرها جمال بك جميعاً “قصفاً كيميائياً” بدءاً من المناهج الدراسية مروراً بالخدمة الإلزامية، والزراعة والاقتصاد، والفن، وكل ما يمكن أن يساهم في تفتيت مجتمع، وجعله مجتمعاً هزيلاً ميتاً بشكل سريري، ولعلّي أتفق مع الصديق كمال في كل فقرة من الفقرات التي ذكرها، فـ”سوريا” التي كنا نعيش فيها أو نتعايش مع حالتها قبل الثورة كانت هشة بطريقة عجيبة، ولم يكن ثمة شيء قوي فيها سوى أجهزتها الأمنية التي كانت تستطيع أن تفرض السلطة، وتحول البلد كله إلى معتقل كبير.
وقد كتبت هذا سابقاً، وأضفت عليه أننا كنا شبه شعب في شبه دولة يحكمها مساعد أول متكرش يفرض قوانينه، ولكن لماذا نعود كل مرة لنتذكر هذا الكلام وتلك التفاصيل؟ الأمر ببساطة لأن الجديد اليوم هو تلك الحالة من الارتباك التي أصابت بعضنا في أعقاب الضربة الجوية الأميركية التي استهدفت مطار الشعيرات، وقلنا الأسبوع الماضي إنها ضربة جوية ضد سوريا الأسد وليست ضد سوريا “التي نحلم بها ونريدها” هي ضد تلك الدولة الأمنية المتواطئة مع كل أنواع الخراب والتخريب، ودعوني أنقل عن أحد مفكري سوريا الكبار الذي رأى عام 2007 أن ما فعله آل الأسد بسوريا هو أشد خطورة بكثير مما فعلته إسرائيل بأرض فلسطين، لأنها عاثوا فساداً ببنيتها الداخلية وحولوها إلى “منظومة فساد متماسكة لا يمكن اختراقها بسهولة”، وقد انتقلت تلك المنظومة وإن بتغيير بسيط إلى بعض أجسام الثورة التي تشكلت، أقصد طبعاً الأجسام السياسية والإعلامية، والإغاثية بطبيعة الحال، فقد تغلغل الفساد في تلك الأجساد، لأنه لم يخضع أصلاً لمعالجة، واحتفظ الفاسدون بما تعلموه وعملوا على تطبيقه وتعليمه لمن جاء إليهم بقصد الانتماء للثورة، فوجدهم جوفاً قد نخر السوس دواخلهم، ولعل هذا واحدًا من الأسباب الكثيرة التي ساهمت في إطالة عمر النظام، وإيصال الأمور إلى ما وصلت إليه الآن.
تواصلتُ منذ فترة مع أحد الأصدقاء الأوروبيين وهو صديق مخلص للثورة منذ أيامها الأولى، بل أكاد أجزم أنه ينتمي للثورة أكثر من بعض المحسوبين عليها، وقد حدثني الصديق بحزن عما آلت إليه الأمور وهو يعرف كثيراً من تفاصيل بعض المشاريع التي كان شاهداً على نشوئها، ثم رآها تنهار وتفشل، ويتحول “أصحابها” إلى تجار بأشياء أخرى، قال حرفياً “إن ثمة مؤسسات أوروبية محترمة قررت وقف الدعم للمشاريع السورية الإعلامية تحديداً بسبب الفساد الذي شاهدوه بأم أعينهم، وبالوثائق، فاتخذوا قرارهم بأن أي مشروع سوري سيقررون دعمه مستقبلاً لا بد أن يخضع للمراقبة مالياً على الأقل، كي لا يكون مصيره الفشل والسرقة مثل المشاريع التي سبقته”، واستغربَ الصديق أن يقوم “مؤمنون بالثورة” بأفعال مشينة مثل السرقة! حاولتُ أن أبين له أن الخلل يعود إلى سنوات طويلة كنا فيها شعباً فاسداً، فكان يقال للصّ الذي يسرق المال العام :”حلال عليه، بيعرف يدبر راسو” وكان الناس يتهافتون على مسؤول ساقط أخلاقياً ليتباركوا به، وينالوا رضاه.
راجعوا ذاكراتكم، وستجدون في كل قرية ومدينة ذلك النموذج، ولا بد أنكم تحتفظون بتلك الأسماء وقد يكون بعضها صار محسوباً على الثورة، وقد تساءلت مرة إن كانت الثورة تجبّ ما قبلها؟ أي هل يمكن أن يصبح اللص والمخبر أصحاب ثورة؟ والحقيقة أنني لن أقتنع بذلك مهما حاولت أن أقنع نفسي، فقد تعرضنا لقصف كيميائي على مدى عقود، ومَن نجا منه عاش عيشة بائسة، ومن تنفس هواءه الملوث عاش راضياً، ولعل المضحك المبكي في الأمر أن النظام أو العصابة الحاكمة في دمشق تمتلك ملفات الجميع، وسأروي لكم حادثة طريفة بعض الشيء: في بداية الثورة أراد وزير الإعلام الأسبق محمد سلمان أن يلعب دوراً باعتباره كان أحد أعمدة النظام الأساسية، فدعا مجموعة من “السياسيين” وقرر أن يطلق مبادرة وطنية، وقد تولى بعض “المرتزقة” التسويق له باعتبار أن مبادرته تلك ستنقذ سوريا من الانزلاق في الهاوية، وكأن محمد سلمان كان يكترث أصلاً بما يحدث في سوريا، المهم أن سلمان استدعي إلى مكتب “علي مملوك” لمناقشته في مبادرته، وقد قال له علي مملوك حرفياً: سيادة الوزير هذه مبادرتك، وهذا ملفك… أيهما تريدنا أن ننشر؟ من يومها اختفى محمد سلمان عن الساحة، ولم يعد أحد يسمع باسمه، ولا حتى بين المؤيدين… لكم أن تتصوروا إذاً حجم ملفه.
لا يمكن للثورة أن تستبدل فاسدين بفاسدين، لأن الفساد يستطيع تدمير أي بنيان.
يقول مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الأسبق، ومؤسس نهضتها الاقتصادية: إن أهم ما فعله لينهض بماليزيا كان مكافحة الفساد، بعد ذلك استقامت الدولة.
إن لم نحارب الفساد الذي ركب على الثورة لن تنتصر الثورة، ولو استمر موتنا مئة عام أخرى.
بالمناسبة، النفاق أيضاً هو نوع من أنواع الفساد.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث