الرئيسية / رأي / نحن، السوريين، خونة ومرتدون (1-2)

نحن، السوريين، خونة ومرتدون (1-2)

صدى الشام _ ثائر الزعروع/

لم يكلف نظام دمشق ووسائل إعلام أنفسهم عناء البحث طويلاً في مفردات اللغات كي يجدوا وصفاً لأولئك “الرعاع” الذي امتلكوا الجرأة، وقالوا لسيد القوم: لا، ورفعوا أصواتهم يطالبون بالحرية والكرامة، لم يبحثوا لا في دفاتر السياسة ولا دفاتر القانون عن تسمية تكون مناسبة لإطلاقها على المتمردين سوى “الخونة” وفي بعض الأحيان وللتخفيف من حدة كلمة الخونة، فقد استخدموا مفردة العملاء التي تقود للمعنى نفسه، والتي يعاقب عليها القانون بالإعدام، فالخائن والعميل جزاؤهما الإعدام، وبمقدار ما تبدو تلك مفارقة من الناحية اللغوية والقانونية، إذ إن الخائن ينبغي أن تتوافر فيه مجموعة من المواصفات، والذي تميز سلوكه تصرفات تجعل القضاء يدينه بعد تحقيقات مطولة تستند إلى أدلة دامغة لا لبس فيها، فإنه ليس من السهل أن تطلق على أحد ما صفة العميل أو الخائن، ثم تطبق عليه ما ينطبق على تلك التهمة من عقوبات، وإذا كنا نناقش دولة لا قانون فيها، ولا إعلام بطبيعة الحال، فإننا نحاول أن نضع مجمل السلوك السوري الذي اعتراه خلل كبير خلال السنوات الست الماضية والذي بات أقرب إلى التزمت والتشدد، ولم يعد محكوماً بقواعد المنطق التي ينبغي توافرها في المجموعات البشرية التي تريد التطور، بل ينبغي على قادة الرأي أن يكونوا أقل حدة في تناولهم لبعض المواضيع الحساسة كي يتمكنوا من التأثير على الجماهير، ويمكّنهم ذلك بالضرورة من تجاوز العقبات أياً تكن تلك العقبات، حتى وإن كانت شبيهة بوضعنا الحالي.

قادة الرأي في حالتنا ليسوا مفكرين ولا فلاسفة، للأسف، لكنهم مجموعة من الإعلاميين الذين استغلوا الطفرة التي ألمت بوسائل التواصل الاجتماعي فحولتهم إلى نجوم يتصدرون المشهد، ويقودون الرأي العام بطريقة كارثية، تزداد كارثيتها شيئاً فشيئاً، وهي، حسب ظني، لم تعد قابلة للإصلاح بسهولة، يمكن الرجوع إلى حلقات برنامج الاتجاه المعاكس التي استضاف خلالها “السوري” فيصل القاسم، سوريين مختلفين، ومراقبة ذلك السلوك العدائي الذي يميزنا تجاه ذواتنا وتجاه الآخر بالضرورة.

وفي موازاة النظام برزت تهمة أخرى لحقت بنا كسوريين، فمع دخول التيارات الإسلامية المتشددة إلى الساحة، و من ثم بروزها كقوة لا يستهان بها على الأرض، اعتبرت تلك التيارات كل من يخالفها في الرأي أو يعترض على وجودها مرتداً، زنديقاً، كافراً، وأطلقت هذه الأحكام الشرعية، التي يزعم علماء الدين أنها بحاجة إلى أدلة وإثباتات وشهادات، على الجميع دون استثناء.

شخصياً وردتني عشرات رسائل التهديد، بسبب مقالات وآراء، وكلها تعتبرني مرتداً، ويمكنني عرضها في أوقات لاحقة لإظهار مدى الكراهية والحقد التي كُتبت بها، وهي بالمجمل لا تختلف كثيراً عما قيل لي أثناء اعتقالي لدى المخابرات السورية في بداية الثورة، فالمحقق قال لي حرفياً: أنت عميل وخائن لوطنك، وأما مرسلو رسائل التكفير فكتبوا: أنت علماني زنديق مرتد، عميل للغرب الكافر، وأكاد أجزم أن الكثيرين سمعوا مثل تلك الاتهامات سواء من قبل النظام أم من قبل الإسلاميين، بل إن أحدهم سمعها من شقيقه الذي فضّل البقاء موظفاً في إحدى المؤسسات التابعة لوزارة الاقتصاد، في حين غادر شقيقه البلاد والتجأ إلى بلاد أخرى، كتب الشقيق لشقيقه: أنت عميل، بعت وطنك رخيصاَ، كي تصير كلباً يلعق بقايا الغربيين.

هذه الخلطة العجيبة من الشتائم، وهي ليست شتائم فحسب، بل هي اتهامات، فأنت قد تشتم إنساناً، فتصفه بصفة ما، كأن تقول إنه جبان، أو حتى أن تشبهه بأحد الحيوانات مثلاً، أما اتهامه بالخيانة أو الردة، فالأمر تجاوز حدود الشتيمة التي يقصد منها التجريح، في الغالب، إلى التجريد من القيم الأخلاقية والإنسانية أو الدينية كلها، فصار لا وطنياً في الحالة الأولى، ولم يعد مسلماً في الثانية، وكلتاهما تستوجبان حكم القتل، كما هو معلوم.

وإذا كنت شخصياً، لا أميل إلى وضع تعريف واحد لمفهوم الوطن، كون الفكرة أصلاً ملتبسة في ذهني، وقد ازدادت التباساً بعدما مررنا به خلال السنوات الماضية، إلا أنني أستطيع أن أجزم أن أولئك الذين يدافعون عن نظام دمشق، لا يدافعون عن الوطن، لكنهم يدافعون عن خوفهم أو عن مصالحهم الشخصية، فهم اعتادوا ذلك الخوف ولا يريدون فقدانه، يسمونه الأمن والأمان، على الرغم من الشكل البائس للحياة الذي يعيشونه، فهم يعتقدون أن ذلك الخوف الذي يعيشون معه منذ نصف قرن هو مظلة تسترهم ولا تجعلهم يتوهون في البلاد كما هو حال أولئك “الخونة” الذين تمردوا على خوفهم، ونبذوا مصالحهم الشخصية.

وبما أنني لا أستطيع أن أفتي فيما هو الدين الصحيح، ومتى يكون الإنسان كافراً، لكني أستطيع أن أؤكد أن ما تفعله التيارات الإسلامية المتشددة من “إسلام” هو أمر مختلف تماماً عن معنى الدين، والذي هو أصلاً علاقة خاصة بين العبد وخالقه، وهي لا يمكن أن تكون علاقة عامة، يتدخل فيها من امتلك القوة والسلطة، ليقرر مَنْ إسلامُه صائب ومَنْ إسلامُه باطل، ولذلك فإن ما تفعله تلك التيارات لا يعدو كونه استخداماً للدين ولا علاقة للأمر لا بطاعة الله ولا بتطبيق شريعته.

وللحديث بقية..

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *