صدى الشام _ ثائر الزعروع/
إذا كان علينا أن نفاضل ما بين إيران وبين تركيا، فمن المؤكد أننا سنختار تركيا، لأسباب عديدة أولاً كونها دولة متحضرة استطاعت خلال سنوات قليلة أن تحقق قفزة نوعية اقتصادياً وسياسياً، ووصلت إلى حدود “تحسدها” عليها دول أخرى، وثانياً لأن تركيا وقفت مع ثورة الشعب السوري، وفتحت أبوابها للاجئين وساعدت الكثير من الجرحى والمصابين، واستقبلت جامعاتها ومدارسها عشرات وربما مئات الآلاف من الطلبة السوريين، ووجد آلاف آخرون في سوق عملها المزدحم فرصاً للعمل، دون أن يعني ذلك على الإطلاق أننا قد نغني “تركيا يا حبيبتي”، أو نبايع رئيسها قائداً كما فعل ويفعل بعض السوريين وللأسف، لكن مقارنة تركيا بإيران أمر فيه ما فيه من الخلل، فإيران هي أخطر ما يمكن أن يتصوره عقل بشري لا على مستقبل سوريا فحسب ولكن على مستقبل المنطقة برمتها، وهي لا تخفي مشروعها ذاك، وتطلق قطعان ميلشياتها في أربع دول عربية كان نصيبنا ونصيب العراقيين أكبر عدد من أولئك المرتزقة، وهم يعيثون في البلدين خراباً ويواصلون حياكة ذلك الخراب الذي يطال الحجر والبشر، فيدمرون ويشيعون، ويحولون المدن التي هجر أهلها منها إلى مناطق تابعة لعمامة المرشد، وإذا كنا نوجه في بعض الأحيان انتقادات لبعض المواقف السياسية التي تبدو غريبة بالنسبة لنا والتي تصدر عن الإدارة التركية، فإنها تبقى في إطار الانتقاد، أما فيما يتعلق بإيران فالأمر مختلف تماماً فإيران قوات احتلال وتجب مقاومتها ويجب التصدي لمشروعها الطائفي البغيض، لا من قبل السوريين فقط بل من قبل شعوب المنطقة قاطبة لأن مشروعها لن يقتصر، كما يعلن ذلك كبارها، لا على سوريا ولا على العراق ولا على اليمن، فهم يريدون هدم “صندوق العرب الأسود” ويقصدون الكعبة، وهم لا ينفكون يبدون تلك الرغبة الفارسية القديمة بأن تخضع هذه المنطقة من العالم لسيطرتهم، لتكون في النهاية فارسية.
وإن كنا كشعوب لا نريد الاكتفاء بما يطلقه “أولو الأمر منا” من تهديدات جوفاء لا سند واقعياً لها، ونريد العمل لوقف ذلك المد الإيراني البغيض فإن علينا أن نعي ما هو مرسوم في الذهنية الفارسية لنا، وأن ننظر إلى دولة الأحواز أو الأهواز أو عربستان أياً يكن اسمها ونتذكر أن تلك الدولة التي ابتلعها الإيرانيون منذ قرن من الزمان تقريباً منسية ولا أحد يسأل عنها إلا قلة ممن يعنيهم الأمر بشكل شخصي ربما، وقد أتيح لي أن ألتقي في فترات متباعدة عدداً من مناضلي الأحواز المنفيين في عدد من دول العالم، وأصغيت بشيء من الألم لمعاناتهم، فهم مسلوبو الحقوق، بل يمكن القول إنهم ليسوا موجودين على الإطلاق، وهم يتمنون أن يكونوا “فلسطينيين” علهم ينالون شيئاً من اهتمام العرب، حتى ولو كان رمزياً، بدل ذلك الإهمال الذي حل بهم حتى كاد النسيان أن يطويهم.
الأحوازيون العرب لم يتوقف نضالهم يوماً، وهم يبذلون قصاراهم ليكون لهم صوت في العالم، يحافظون على هويتهم رغم أن ذلك قد يعرضهم لعقوبة قد تصل إلى الإعدام، تريد إيران أن تحولهم إلى إيرانيين، وأن تجعلهم ينسون كينونتهم، وذلك المشروع الفارسي المستمر منذ عشرات السنين بدأ خلال السنوات الأخيرة يأخذ طابعاً دموياً، فسلطات طهران لا تتورع عن مداهمة المدن الأحوازية لتقتل وتعتقل كما يحلو لها دون رقيب أو حسيب، فالأحوازيون لا أحد يسأل عنهم.
وقريباً من الأحواز في العراق الذبيح، أستطيع انا شخصياً أن أروي عشرات القصص التي كانت تردني عبر بريدي الإلكتروني، وقد نشرت العديد من تلك القصص إبان عملي في واحدة من الصحف العراقية، كانت تتحدث عن ممارسات إيرانية ذات طابع طائفي تلاحق على الهوية كل شخص اسمه “عمر” فيكون مصيره الاختطاف، أو القتل، وقد فرت عائلات عراقية كثيرة من بغداد وغيرها من المدن حين وصل المد الإيراني إليها غداة احتلال العراق من قبل القوات الأميركية، فقط لأن أبناءها يحملون تلك الأسماء التي يكرهها الفرس مثل “معاوية ويزيد وعائشة وعمر وأبي بكر”، ولا أعتقد أننا سنتأخر كثيراً قبل أن نسمع أن أمراً كهذا قد بدأ يحدث في سوريا، على العموم هناك حركة تشييع محمومة تشهدها مدن الساحل السوري، وبدأ الكثيرون يغيرون مذهبهم ويتشيعون لتفادي تصفيتهم جسدياً، وكنت قد كتبت قبل أشهر في هذه الزاوية عن “دمشق الشيعية” والتي لم يعد مستغرباً أن يسمع أهلها الخائفون هتافات التهديد التي تصدح بها أصوات أتباع المرشد الإيراني، هم يهددون أحفاد يزيد، بأنهم جاؤوا لأخذ الثأر، وهم يقصدون بأحفاد يزيد كل من ليس معهم.
ولن نكرر ما قلناه سابقاً إننا حين نتحدث عن إيران ومشروعها فنحن لا نتحدث عن الشيعة كطائفة، بل علينا أن نفصل بينهما، فقد تلقيت رسالة من واحد من أكبر المراجع الشيعية في العراق يؤيدني على مقالة نشرتها في إحدى الصحف فضحت من خلالها ما تقوم به إيران في تونس، وقال لي المرجع الشيعي المقيم مختبئاً في العراق: أخي الكريم مشروع إيران صفوي استعماري، وهي أخطر من السرطان، ولاية الفقيه ليست سوى دجل ومن يصدقها فهو إما معتوه أو مخبول…
في المفاضلة بين إيران وبين تركيا نختار تركيا بالطبع.. صديقة وجارة وقفت معنا في محنتنا، لكننا في الآخر لن نختار سوى سوريا حرة مستقلة لجميع أهلها بجميع قومياتهم وطوائفهم…
الثورة مستمرة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث