صدى الشام _ ثائر الزعروع/
هل ما يحدث يشبه ما كانت تحلم به الثورة؟ بكل تأكيد الإجابة هي لا، بل ولا كبيرة أيضاً، إذ إن الثورة كانت تحلم بشيء مختلف تماماً عما نراه الآن في سوريا، فكل ما نراه الآن هو خراب، ولا يمكن أن يكون له اسم آخر، بل ومهما حاولنا أن نصفه بغير هذا الوصف فسوف نصطدم بحاجز كبير يمنعنا عن اقتراح تسمية أخرى، فلا وصف له إلا الخراب.
والخراب يعني أن شيئاً لم يبقَ على حاله، والخراب يعني أن سوريا تفككت وأن مجتمعها الصغير والكبير بات نهباً لكل الاحتمالات، وليس من بينها احتمال إيجابي واحد، الأمر بكل بساطة أن التمزيق والتفكك صار هو السمة العامة، وإن تكن سوريا آل الأسد ما زالت سجناً كبيراً محكوماً بالحديد والنار، فهذا لا يعني أن سوريا الخارجة على سيطرة الأسد تتمتع بأي شكل من أشكال الحرية أو العدالة أو أن مواطنيها يتمتعون بذرة أمان واحدة، وكي لا نصطدم بخيبة أمل حين نضع الواقع نصب أعيننا ونحاول قراءته فإنه من الأسهل علينا أن نقول إننا فعلاً نعيش زمن الخراب، ولكن لماذا؟
الأمر يمكن تشبيهه بالبنيان الهش الذي ما إنْ تعرّض لهزة صغيرة حتى انهار كاملاً، يحدث في مرات كثيرة أن تتعرض منطقة ما لهزة أرضية فتسقط بعض بيوتها بينما تبقى بيوت أخرى ثابتة، قد يلحقها بعض التدمير لكنها لا تنهار بشكل كُلي إلا إذا كانت هشة، وكي نكون عادلين مع أنفسنا أولاً، ومع بلدنا ثانياً علينا أن نقول إن سوريا لم تكن في يوم من الأيام بناء هشاً بل هي كانت تاريخياً بناء صلباً قاومت كل ما مرّ عليها من أحداث وظلت ثابتة ولم تستطع حروب كثيرة أن تفكك بنيتها كما يحدث الآن، وقد يكون السبب واضحاً بالنسبة لكثيرين، لكن ثمة آخرون ممن لا يريدون الاعتراف أن الثورة لم تكن سبب هذا الخراب وإنما عملية التخريب المنظم الذي تعرضت له سوريا على مدى عقود، منذ أن تولى حزب البعث زمام السلطة فيها، ثم بعد ذلك حين انقض الديكتاتور الأب على السلطة، ويمكن وضع عام 1970 كنقطة انطلاق أساسية لبدء تفكيك سوريا وتخريبها وتحويلها من بناء قوي إلى بناء هش لم يستطع وعلى كافة مستوياته أن يقاوم ما يتعرض له، وظلت أجهزة الأمن والمخابرات هي الوحيدة المتماسكة لأنها هي أصلاً من وضع أسس التخريب وسهر عليها، وحماها، حتى تحوّلت إلى غول داخلي التهمَ أسس الدولة والمجتمع، ولن يكون مفيداً أن نعود لنستعرض شواهد كثيرة ذكرناها وذكرها سوانا مرات و مرات، لا منذ اندلاع الثورة، بل قبل ذلك بكثير، وقد لا أكون مخطئاً إنْ قلت إنّ سوريا كانت شبه دولة تضم شبه شعب، لكنها بكل تأكيد كانت محكومة بواحد من أكثر أجهزة المخابرات وحشية وإجراماً على مدى التاريخ الحديث وربما القديم أيضاً.
وإذا كنّا قد بدأنا نسمع أصوات بعض اللاعنين للثورة على ما جلبته للبلد من تخريب، فهذا ليس مستغرباً، وينبغي ألا يكون مستغرباً على الإطلاق، بل إن علينا أن نتلمس الأعذار للكثيرين الذين ضاقت بهم السبل، والذين كانوا يحلمون بأن تجلب الثورة خيراً كثيراً وتعيد سوريا لأهلها.
تأخّر الحسم كثيراً بسبب التداخلات التي حدثت والتي لم تكن في الحسبان على ما يبدو، فأصاب الناس اليأس والإحباط، وهذه حالة إنسانية لا يمكن مصادرتها، ولذلك فإنه من الأحسن بالنسبة لهم أن يقولوا متى تنتهي الحرب، دون أن يحددوا حتى فيما بينهم وبين أنفسهم ما الذي يقصدونه بعبارة متى تنتهي الحرب مثلاً، وهل هم مؤمنون أن زوال الطاغية ونظامه يعني نهاية الحرب، أم هزيمة الثورة وعودة الأمور إلى ما كانت عليه، وهي لن تعود إلى ما كانت عليه على أي حال؟
ما هو المقصود حقاً بمثل هذا القول، وهل ما يحدث في سوريا حرب حقاً؟
الحرب تعريفاً هي صراع بين جيشين أو جيوش تنتهي في أغلب الأحيان إما بانتصار أحدهما على الآخر الذي يعلن الاستسلام، أو بمفاوضات تنتهي بتوقيع اتفاقية سلام أو هدنة، وقد تتم تلك المفاوضات برعاية أو إشراف أو وساطة من طرف ثالث، لكن في حالتنا الأمر مختلف تماماً، فليس ثمة جيشان يتحاربان، بل ثمة جيش يقتل شعباً، وقد استجلب حلفاءه ليساعدوه على فعل القتل والتدمير، وثمة شعب لا حول له ولا قوة، وقع بين فكّي كماشة من تنظيمات جهادية ومن ميليشيات طائفية، فكيف يمكن والحالة هذه هي نصف ما يحدث بالحرب؟
ثم إذا توقفت “الحرب” فهل سيكف الشعب عن المطالبة بحقوقه المسلوبة منذ خمسين عاماً؟ الإجابة أيضاً هي لا، ولا كبيرة أيضاَ، إذاً ما الحل؟
الحل برأيي أن نقول إن ما يحدث في هذه الأوقات هو خراب لا بد منه، سيزيل آخر ما تبقى من دولة المخابرات، كي ينهض بناء جديد على أسسٍ قوية، أسسٍ لم ينخرها سوس الفساد والخراب لأن الثورة مستمرة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث