صدى الشام- عمار الحلبي/
وقفتْ أمام المرآة لثوانٍ معدودة، تفحّصت الحُلي الذي وضعته عليها داخل متجرٍ في سوق الحميدية وسط دمشق قبل حفل زفافها بأيام، ثم ابتسمت في إشارةٍ إلى أنه أعجبها.
خرجت “وئام” من المتجر الذي لم يكن محلّاً للصاغة كما بدا من الوصف، وإنما محلاً يبيع لوازم بلاستيكية وبعض الألبسة النسائية، وفيه جناح صغير للذهب المُقلّد الذي قد يكون روسياً أو برازيليلاً، فقد باتت هذه الأنواع من الذهب البديل الوحيد للشبّان السوريين الراغبين بالزواج والذين لا يستطيعون تحمل الأعباء المادية لشراء الذهب الأصلي باهظ الثمن.
ما هو الذهب المُقلّد؟
في أواخر القرن الماضي شاع استخدام مصطلح “الذهب الروسي” في عددٍ من الدول العربية، وبات واسع الاستخدام ولا سيما في المجتمعات محدودة الدخل.
يقول أبو الياس وهو صائغ في العاصمة دمشق لـ “صدى الشام”: “إن الذهب الروسي هو معدن رقيق وليس ذهباً، وإنما هو تقليد لمعدن الذهب الحقيقي”، ويلفت إلى أن إطلاق مسميات عليه مثل روسي أو برازيلي يعود إلى منشأ تحويل أنواع من المعادن الرخيصة إلى ما يشبه الذهب، لذلك يفضّل أبو الياس أن يُطلَق عليه اسم “الذهب المُقلّد”.
ويضيف أنه عبارة عن معدن لا يملك أي قيمة شرائية لكنه في الوقت نفسه يدخل تحت بند الإكسسوارات والحلي.
فروقات
ولعل من أبرز الفروقات الشرائية بين الذهب الأصلي والمقلّد، أن الأخير لا يُباع بحسب وزنه بالغرام الواحد كما جرت العادة في الذهب الأصلي.
وبلغ ثمن الغرام الذهب من عيار “21 قيراط” إلى 17600 ليرة سورية وذلك وفقاً لآخر نشرة صدرت عن “الجمعية الحرفية للصاغة في دمشق وريفها” وهي الجهة الوحيدة المخوّلة بتحديد أسعار المعادن الثمينة في سوريا.
وعلى هذا الأساس فإن الخاتم “الرقيق” الذي يصل وزنه إلى 5 غرامات يبلغ سعره أكثر من 90 ألف ليرة سورية، في حين لا يتعدّى سعر الخاتم ذاته من الذهب المقلّد 1000 ليرة.
وقال تاجر ذهب روسي في مدينة إدلب لـ “صدى الشام”: “إن الطقم الكامل من الذهب الروسي الذي يشمل خاتم وأساور وحلق وطوق وصلَ ثمنه إلى ما يتراوح بين 15 – 20 ألف ليرة” مضيفاً أن الطقم ذاته من الذهب الأصلي يتجاوز ثمنه المليونين، وبيّن أنه يوجد في الأسواق ما لا يقل عن 30 نوعاً وماركة للأطقم الذهبية المقلّدة في الأسواق، وأضاف التاجر: “إن الحلق المقلّد بلغ ثمنه حوالي 250 ليرة، والسنّارة الواحدة 2000 ليرة، والطوق ما بين 3000 – 5000 ليرة حسب الوزن والثخانة “.
صنع في سوريا
يشير اسم هذا الذهب إلى أنّه صنع في روسيا أو البرازيل، إلّا أن هاتين الدولتين كانتا سبّاقتين لصنعه، أما اليوم فمن الممكن صنعه في أي دولة.
وفي سوريا ثمّة ورشاتٍ في العاصمة دمشق ومدينة حلب بعضها انتقل إلى الساحل السوري، وتقوم هذه الورشات بشكلٍ قانوني بتصنيع الذهب المقلد تحت مُسمّى “إكسسوارات” فيكفي أن يتم الإعلان صراحةً أن هذا الذهب ليس حقيقياً ليتم السماح ببيعه بشكلٍ قانوني دون أي تعقيدات.
ويقول التاجر أبو الياس لـ “صدى الشام”: “إن تصنيعه لا يختلف كثيراً عن تصنيع الذهب العادي، سوى أن الأخير يخضع لمعيار القيراط في تركيبته، أي أنَّ الذهب عيار 21 قيراط يشير إلى أنَّ نسبة الذهب فيه 21% والباقي نحاس”. ويتابع: “أما الذهب المقلّد فيكفي تذويبه وصبّه على القوالب ثم صبغه بمادة صفراء لامعة تشبه الذهب ليصار إلى نقله وبيعه.
أما المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام فتحصل على هذا الذهب من خلال شرائه عبر تجّار جملةٍ من مناطق النظام، أو من مناطق الإدارة الذاتية.
إقبال كبير
في مدينتي حلب وإدلب وفي العاصمة السورية دمشق انخفضت مبيعات الذهب الحقيقي إلى أقل من النصف وذلك على حساب ارتفاع نظيرتها من الذهب المقلّد الذي بات المقصد الأول لكل العائلات.
التاجر الذي تحدّث لـ “صدى الشام” من مدينة إدلب بيّن أن معظم المقبلين على الزواج اتجهوا لشراء الذهب المقلّد، شارحاً أن الشرخ الكبير بين دخل المواطنين في هذه المناطق وبين سعر الذهب يكاد كبيراً، إلى حدٍ بات شراء محبس صغير بوزن 5 غرامات يعادل متوسط دخل الفرد الواحد لمدّة أكثر من شهرين، وهو ما جعل شراء هذا النوع من الذهب أمراً متاحاً لدى طبقة محدّدة من السوريين.
من جهة أخرى يوضّح التاجر أبو الياس بدمشق أنَّ معظم المواطنين باتوا يلجؤون للذهب الحقيقي بغرض الادخار، وتحويل عملتهم المحلية التي تزداد تدهوراً إلى معدن يحافظ لهم على قيمة مدّخراتهم.
ولفت إلى أن الأشخاص الذين يشترون الذهب بغرض الحلي لزوجاتهم المقبلات باتوا قليلين جدّاً، ولا سيما مع وجود أجور الصاغة التي تزيد من سعر الذهب.
وأردف: “موسم هذه الأيام هو لبائعي الأكسسوارات المقلّدة فقط”.
تسليم بالواقع
“قبل سنوات، كان احتمال رضا ذوي العروس بهذا النوع من الذهب ضئيلاً جداً” هذا ما يقوله الشاب السوري حسام، الذي تزوّج قبل أسابيعٍ فقط.
ويضيف حسام: ” في المجتمع السوري بشكل خاص تبدو عادات الزواج التقليدية كأنها مقدّسة، فلا بد لعريس أن يشتري لزوجته الذهب”، واستدرك أن الأسر السورية لم تعد قادرة اليوم على التمسّك بهذه الشروط الصعبة لسببين؛ الأول أنها تعلم جيّداً ما هي إمكانيات الشباب المقبلين على الزواج وظروفهم الاقتصادية، أما السبب الثاني – بحسب حسام – فيعود إلى الانخفاض الحاد في عدد الشباب القادرين على الدخول في مغامرة الزواج وسط هذه الظروف، وهجرة العدد الأكبر منهم ما جعل الشروط أسهل بكثيرٍ اليوم.
من جهتها لا تجد ولاء، وهي شابة سورية مخطوبة منذ نحو سنتين أن يكون الذهب الذي سوف تلبسه مُقلّداً. تقول ولاء لـ “صدى الشام” منذ سنتين وحتى اليوم لم ألبس سوى محبس، وأعلم ظروف خطيبي جيّداً فلو كنت مكانه لن أتمكّن من تأمين أكثر من ذلك.
طرق استعمال خاصة
من جهته يشرح أحد بائعي الذهب المُقلّد أن هذه النوعية من الإكسسوارات تتطلّب طرقاً خاصة للاستعمال، وينصح بألا يتم لبسه بشكلٍ مستمر داخل المنزل وخلال النوم، وألا يتم تعريضه للمياه، وإلّا فإنه بعد فترة س يفقد بريقه ولمعانه شيئاً فشيئاً إلى أن يظهر في نهاية المطاف أنه ليس أكثر من معدنٍ عادي.
ويقول التاجر لـ “صدى الشام”: “إذا عرفت المرأة التعامل معه جيّداً فإنه سوف يخدمها طوال عمرها، فينبغي عليها ألّا تلبسه إلّا في المناسبات، ثم تحفظه في صندوق بعد الانتهاء من استخدامه، لافتاً إلى أن صناعة هذا النوع من الذهب بشكلٍ عام شهدت خلال الفترة الأخيرة تطوّراً ملحوظاً، ولم يعد بإمكان الشخص العادي التمييز بين الذهب الحقيقي والمقلّد إلّا بعد التمحيص فيه”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث