صدى الشام _ عدنان علي/
كما كان متوقعاً، لم تحقق مفاوضات أستانا أي اختراق كبير في مسار “الأزمة السورية”، وإن كانت نتائجها يمكن أن تشكل قاعدة للمفاوضات المقبلة في جنيف إذا تم احترام وقف إطلاق النار بالفعل من جانب النظام والميليشيات الشيعية التي تقاتل معه، والتي عملت حتى خلال انعقاد المفاوضات في أستانا على تقويضها من خلال مواصلة الهجمات والقصف على وادي بردى والغوطة ومناطق أخرى.
ويبدو أن وفد النظام كان يتوقع أن يحضر وفد المعارضة الى أستانا صاغراً مكبلاً بـ”هزيمة حلب” ومستعداً لتلقف أي عرض يقدم له باعتباره طرفًا مهزومًا، لذلك حاول رئيس الوفد بشار الجعفري قبل بدء المفاوضات اتخاذ لغة “معتدلة” فوصف وفد المعارضة بالفصائل المسلحة، لكنه حين استمع إلى كلمة رئيس وفد المعارضة محمد علوش والتي أشار فيها إلى ما يرتكبه النظام والميليشيات المتحالفة معه من جرائم وخروقات لوقف إطلاق النار، مطالباً برحيل رئيس النظام بشار الأسد حتى تستقيم العملية السياسية، عاد الجعفري إلى لغته القديمة واصفاً الفصائل بالجماعات الإرهابية التي قال إنها وقّعت اتفاق وقف إطلاق النار لكنها لم تفهمه حسب تعبيره، في إشارة منه إلى أن الاتفاق يتيح للنظام مواصلة عملياته ضد جبهة فتح الشام.
وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم وفد المعارضة إلى أستانا يحيى العريضي أن النظام يسعى لصرف النظر حول الالتزام بوقف إطلاق النار والبعد الإنساني لتخفيف معاناة السوريين الموجودين تحت الحصار والإفراج عن المعتقلين وتسليم المساعدات، مشيراً إلى أنه “إذا كان النظام يعتقد أن وجودنا في أستانا استسلام منا فهذا وهم”.
وقد بدأت محادثات “أستانا” بكلمة لرئيس الوزراء الكازخستاني ووزير خارجيته، بحضور كلا الوفدين، وتلا ذلك عقد جلسة مغلقة جرت خلالها مفاوضات غير مباشرة، بين وفدي النظام والمعارضة.
وخلال الجلسة الافتتاحية، قال رئيس وفد المعارضة محمد علوش إن المعارضة تتطلع لتثبيت وقف إطلاق النار بشكل كامل وتطبيق انتقال سياسي يبدأ برحيل بشار الأسد ونظامه.
وأكد علوش أن تثبيت وقف إطلاق النار سيشكل ورقة قوية للدفع إلى عملية سياسية جادة لانتقال سياسي حقيقي وفق المرجعيات الدولية وبيان جنيف1 وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة ومحددات مؤتمر الرياض للمعارضة السورية والهيئة العليا للمفاوضات، و”تبدأ برحيل بشار الأسد والطغمة الحاكمة معه وكل من تلوثت يداه بالدم السوري”.
وفي سبيل تنفيذ ذلك، طالب علوش ببذل جهود دولية لإخراج كل الميليشيات المتصلة بإيران المقاتلة في سورية سواء العراقية أو اللبنانية منها أو تلك التابعة للحرس الثوري الإيراني، وأشار إلى ضرورة ضم تلك المليشيات لقائمة الإرهاب الدولية.
وفي السياق، أوضح رئيس وفد المعارضة السورية أن وجود المليشيات المقاتلة مع النظام يساهم في استمرار سفك الدم السوري ويعرقل أي فرصة لوقف إطلاق النار. ونفى أن يكون وفد المعارضة جاء إلى أستانا من أجل تقاسم سلطة أو بحثاً عن نفوذ، ولكنه جاء لإعادة سوريا إلى الحياة، مطالباً بالإفراج عن المعتقلين والمعتقلات في سجون النظام وخاصة 13 ألف معتقلة يحتجزهن النظام تعسفاً.
من جانبه قال رئيس وفد النظام بشار الجعفري إنه يتطلع لهدنة لفترة محددة للفصل بين من وصفهم بالإرهابيين وبين التنظيمات الراغبة بالمصالحة على حد قوله.
وقد امتنع منظمو المفاوضات عن وضع لافتات تفرق بين ممثلي وفد نظام الأسد ووفد المعارضة، بل وضعوا أمام الجميع لافتة واحدة كتب عليها “الجمهورية العربية السورية”.
وفي الأثناء، كان الجانبان الروسي والتركي يضعان اللمسات الأخيرة على مسودة البيان الختامي للمفاوضات والتي تدعو لبدء محادثات سياسية بما يتفق مع قرار الأمم المتحدة رقم 2254، وتشير إلى رغبة المعارضة المسلحة في المشاركة بمحادثات جنيف المقررة في فبراير/شباط القادم.
كما تشير الى رغبة الدول الراعية بفصل تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة (جبهة فتح الشام) عن الجماعات الأخرى، وفي هذا السياق تتعهد الدول الراعية مشتركة بقتال تنظيم الدولة وجبهة النصرة.
وقال مصدر في وفد المعارضة إن الأخيرة رفضت صياغة أي مبادئ سياسية في البيان الختامي وأكدت ضرورة حصره بتثبيت وقف إطلاق النار، كما رفض ذكر أي دور لإيران في البيان الختامي كضامن لوقف إطلاق النار.
وقال المتحدث الرسمي باسم وفد المعارضة السورية لمفاوضات أستانا أسامة أبو زيد إن مشاركة بشار الجعفري ممثلاً لنظام الأسد جعلت المفاوضات غير مفيدة مشيراً إلى أنه تم الاتفاق مع الجهات الضامنة بأن تكون هذه المرحلة لتثبيت وقف إطلاق النار، ووصف إيران بأنها دولة عدو ساهمت في التغيير الديمغرافي بسوريا وارتكبت جرائم ضد الشعب السوري ولا ينبغي القبول بدورها كبلد ضامن.
وإلى جانب الدول الراعية تركيا وروسيا شاركت في المفاوضات إيران والولايات المتحدة والأمم المتحدة، كما أعلن الممثل البريطاني الخاص لسورية غاريث بايلي أن بلاده حضرت أستانا بصفة مراقب غير رسمي من أجل دعم المعارضة وأي جهد دبلوماسي يضع حداً لمأساة الشعب السوري بحسب مركز الإعلام والتواصل الإقليمي التابع للحكومة البريطانية .
وبرز خلال المفاوضات الرفض المطلق من جانب المعارضة السورية لدور إيران في المفاوضات كونها شريكة لنظام الأسد في سفك الدم السوري، مباشرة أو عبر ميليشياتها على الأرض، بالتوازي مع بروز خلافات إيرانية روسية تعلقت أولًا بتوجيه الدعوة الى الولايات المتحدة لحضور محادثات أستانا، وهي تشمل رؤية كل منهما لشكل الحل في سورية، والصراع على النفوذ، حيث ترى إيران أنها لم تأخذ حصتها كما يجب من سوريا، بما يتناسب مع ما قدمتها من دماء وأموال لصالح النظام.
وكعادتها، تحاول إيران بالتنسيق مع قوات الأسد عرقلة المفاوضات من خلال مواصلة خروقاتها لوقف إطلاق النار حيث واصلت قوات النظام وميليشيات حزب الله خلال انعقاد المفاوضات قصف وادي بردى بريف دمشق ومحاولة اقتحامه. كما قصفت قوات النظام مناطق في الغوطة الشرقية ومحافظات حمص ودرعا وحماة وحلب واللاذقية.
وطال القصف المدفعي والصاروخي قرى في منطقة وادي بردى غربي دمشق، بالتزامن مع محاولة لقوات النظام مدعومة من مجموعات تابعة لحزب الله لاقتحام المنطقة من محوري عين الفيجة ودير مقرن، بينما أكد ناشطون أن مقاتلي المعارضة تصدوا للهجوم وقتلوا وجرحوا عناصر من القوات المقتحمة.
وكانت المعارضة السورية المسلحة المشاركة في المفاوضات الجارية في العاصمة الكزاخية أستانا قالت إن روسيا أبلغتها بأنه جرى توجيه طلب صارم “للنظام السوري” بوقف هجماته في وادي بردى قبيل انطلاق المفاوضات.
كما شنت مليشيات أجنبية موالية للنظام هجوماً برياً على الغوطة الشرقية وحي جوبر بدمشق. فيما استهدفت غارات لطائرات مدينتي الرستن والحولة بريف حمص الشمالي. كما تعرضت مدينة نوى بمحافظة درعا، ومنطقة سان بمحافظة حماة، وبلدات عندان وحريتان وحيان شمال غرب حلب أيضاً لغارات من جانب طائرات النظام، ما تسبب بسقوط جرحى.
وفد المعارضة
يتكون وفد المعارضة السورية من ممثلين عن 14 فصيلاً عسكرياً هي: “فيلق الشام” و”جيش العزة” و”جيش الإسلام” و”صقور الشام” و”جيش إدلب الحر” و”جيش النصر” و”شهداء الإسلام” و”الفرقة الساحلية الأولى” و”صقور الشام” و”الجبهة الشامية” و”تجمع فاستقم” و”لواء السلطان مراد” و”الجبهة الشامية” و”الجبهة الجنوبية” (تجمع فصائل الجيش الحر في الجنوب السوري)، إلى جانب مستشارين سياسيين وحقوقيين.
وفد النظام
يضم وفد النظام برئاسة بشار الجعفري كل من معاون وزير الخارجية أحمد عرنوس، وسفير النظام في روسيا رياض حداد.
كما يضم الوفد أحمد كزبري، وحيدر علي أحمد، أسامة علي، أمجد عيسى، اللواء سليم حربا، ،العميد محمد رحمون، اللواء عدنان حلوة، والعقيد سامر بريدي ، إضافة الى مراسل قناة بي بي سي في دمشق عساف عبود .
وكانت واشنطن أدرجت العميد محمد رحمون رئيس فرع المخابرات الجوية في مدينة حرستا بريف دمشق قبل أيام ضمن 18 مسؤولاً اتهمتهم بالمسؤولية عن استخدام أسلحة كيمياوية عامي 2014 و2015 ، إضافة إلى اللواء عدنان حلوة والعقيد سامر بريدي.
كما أن اللواء عدنان حلوة نائب مدير إدارة المدفعية والصواريخ بريف دمشق المشارك في الوفد أيضاً صنفته مندوبة الولايات المتحدة الدائمة لدى مجلس الأمن الدولي سامانثا باور نهاية العام الماضي ضمن قائمة ضباط أمروا بشن هجمات على أهداف مدنية و شاركوا بتعذيب معارضين.
ويُعرف عن عضو وفد النظام العقيد سامر بريدي أنه قام عام 2011 بتوجيه أوامر بقتل واعتقال عشرات المدنيين في دوما وبلدات الغوطة الشرقية، قبل أن يتم ترقيته إلى منصب مدير مكتب الأمن الوطني الذي يرأسه اللواء علي مملوك.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث