صدى الشام – عمار الحلبي/
بعد ما حلّ بحلب من دمار غصّت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المقرّبة من نظام الأسد بصور الخراب الكبير الذي حلَّ بالمسجد الأموي في المدينة، عقب سيطرة قوات النظام والميليشيات الموالية لها على الأحياء القديمة.
وتُظهر الصور ومقاطع الفيديو دماراً كبيراً في المآذن والصحن الخاص بالمسجد حتى أن معظم معالمه الأساسية اختفت تماماً بعد سنوات من القصف العنيف لقوات النظام عليه، إضافةً للاشتباكات الكبيرة التي اندلعت في محيط صحن هذا المسجد الذي يُعتبر أحد أبرز المعالم التاريخية في سوريا، إذ يعود بناؤه للقرن الثامن الميلادي في عهد الدولة الأموية، وتم إدراجه على قائمة مواقع التراث العالمي في عام 1986.
استهداف ودمار
لكن المسجد الأموي في حلب ليس الوحيد الذي تعرّض للقصف والاشتباكات، حيث طال الدمار أكثر من ألف مسجد في سوريا، في حين تهدم بشكلٍ جزئي حوالي ألفي مسجد آخر، وذلك وفقاً لإحصائية صدرت عن “شبكة إعلام الساحل” في سوريا ونقلتها قناة الجزيرة في شهر آذار من عام 2015.
قبل هذا الإحصائية نشرت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” تقريراً موسعاً تحت عنوان “استهداف المساجد من قبل القوات الحكومية”، وذكرت الإحصائية التي يعود تاريخها إلى عام 2013: “إن أكثر من 1459 مسجداً تعرّض لتدمير كلّي أو جزئي في مختلف أنحاء سوريا، بسبب القصف والاشتباكات” مشيرةً إلى أن العشرات من أئمة المساجد قتلوا خلال عمليات تصفية قامت بها قوات النظام، ومن جهة أخرى أدانت تقارير دولية تعرّض بيوت العبادة في سوريا للتدمير بسبب العمليات العسكرية المستمرّة.
ويُعتبر مسجد خالد بن الوليد في حمص، والعمري في درعا أحد أبرز المساجد التي تم تدميرها على يد قوات النظام في سوريا.
بدايات
يقول المصوّر في محافظة درعا أحمد مسلماني الذي يعيش حالياً في ألمانيا لـ “صدى الشام”: “منذ بدء الثورة وانطلاق المظاهرات السلمية عمد معظم السكّان لتحديد الانطلاق في المظاهرة بعد كل صلاة كما فعلت معظم المناطق الثائرة في سوريا”، وأضاف: “كان الخطر كبيراً، فكانت قوات الأمن التابعة للأسد تضرب طوقاً أمنياً حول المسجد وتمنع المصلين من الخروج وتطلق النار بشكلٍ مباشر نحوهم”، لافتاً إلى أنه في أغلب الأحيان فإن الصلوات كانت تضم صلاة جنازة على أحد الشهداء لذلك فإنها تتحوّل تلقائياً إلى مظاهرات.
يستحضر مسلماني كيف اقتحم جنود النظام أحد المساجد في مدينة الصنمين بعد رفض المصلين الخروج منه، وقاموا بتكسير زجاج المسجد بالبنادق الحربية التي كانت معهم، وقاموا بسحب المدنيين من داخل المسجد، مشيراً إلى أن التوجه لأداء الصلاة وفي يوم الجمعة تحديداً كان خطراً بحد ذاته حتى لو كان الناس لا ينوون التظاهر، لافتاً إلى أن قوات الأسد اعتمدت تكنيكاً جديداً يتمثّل في زرع عبوات ناسفة على مداخل المساجد التي كانت غالباً ما تخرج منها مظاهرات، وتكرّرت هذه الحادثة مراراً في درعا وإدلب وريف دمشق تحديداً، وذلك بغية إلغاء فكرة التجمّع أو التظاهر.
رواتب قليلة وجهود فردية
تُشرِف وزارة الأوقاف التابعة لحكومة نظام الأسد على إدارة المساجد في المناطق الخاضعة لسيطرته، وتقوم بدفع الرواتب للأئمة لقاء تسييس الدين في دعايته المعروفة وتصوير الثورة السورية على أنها “مؤامرة ضد الأمة وتستهدف حرف المسار عن محاربة إسرائيل”.
وقد حاولت صحيفة صدى الشام مراراً إجراء لقاء مع إمام مسجد في غربي حلب لكنه امتنع بسبب وجود “مخبرين” ينتشرون بشكلٍ كثيفٍ في المساجد حسب قوله.
وتُعتبر رواتب الأئمة قليلة جداً إذا ما قورنت برواتب الميليشيات التي تقاتل إلى جانب النظام أو غيرها من الشرائح، إذ أن الراتب الشهري بلغ قبل اندلاع الثورة حوالي 6 آلاف ليرة سورية لخادم المسجد الذي يقوم بتنظيفه، و 7500 ليرة للمؤذّن و9 آلاف للإمام.
ورغم أن جميع العارفين بشأن الوزارات في سوريا يعلمون أن وزارة الأوقاف هي الأكثر ثراءً بين نظيراتها، إلّا أنه ومنذ عشرات السنين فإن بناء أي مسجد أو ترميمه يتم عبر التبرع من لجنة كانت تأتي إلى المساجد وتقول إنها من وزارة الأوقاف، وتطلب التبرع من المصلين بعد كل صلاة للمساهمة في بناء أو ترميم مسجدٍ آخر.
أما في المناطق المحررة وفي إدلب على وجه التحديد فلا توجد أي جهة رسمية تُشرف على عملية تنظيم المساجد أو تمويلها لاحتياجاتها المختلفة سواء من المياه والكهرباء والوقود وأجور القائمين عليه. ويوضح مراسل “صدى الشام” جابر أبو محمد أن جميع المساجد يتم إدارتها من متطوعين يقومون بالأذان والصلاة والخطب وتنظيف المسجد وغيرها، إضافةً إلى أن الأموال التي يحتاجها المسجد لشراء معدّات مختلفة يتم بالتبرع بين سكّان المنطقة التي يوجد فيها المسجد.
وتحدّث أبو محمد عن تجربة أحد المساجد في منطقة سنجار بريف إدلب، حيث بُني في منطقة تشهد تجمعاً سكانياً للمدنيين وبُني قربه عدّة محلات تجارية، لتعود أرباح هذه المحلات إلى تأمين الاحتياجات المختلفة للمسجد.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث