صدى الشام _ عبد الله أسعد /
لا يخفى على أحد أن الكهرباء تعتبر عصب الاقتصاد، فكيف له أن ينمو وقد سلبت أعصابه على مدار 6 أعوام؟
أضرار كبيرة طالت قطاع الكهرباء ضمن قائمة خسائر الاقتصاد السوري ووصلت إلى 800 مليار ليرة سورية، ورغم انخفاض الطلب على الطاقة الكهربائية في السنوات الماضية بنحو 3 آلاف ميغا واط إلا أن ساعات التقنين الكهربائي ما تزال في ذروتها وتصل إلى 12 ساعة انقطاع مقابل ساعتين توليد، في بعض المحافظات والمناطق وخاصة في الأرياف، في حين أنها أفضل حالاً في المدن كدمشق، حيث تصل ساعات التقنين فيها إلى 12 ساعة انقطاع مقابل 12 ساعة توليد .
وبحسب وزارة الكهرباء التابعة لحكومة النظام فإن كتلة الدعم في الدورة الواحدة في القطاع المنزلي تصل لحوالي 130مليار ليرة، وتعتمد سوريا على توليد الكهرباء عبر الوقود الأحفوري، من الغاز والفيول، ومع خروج العديد من آبار النفط عن الخدمة نتيجة المعارك المستمرة، فقد اضطرت حكومة النظام لاستيراد الوقود المولِّد لمحطات الكهرباء، مع الإشارة إلى أنها لا تستطيع استيراده مباشرة بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة على اقتصاد النظام، ما يكلفها الكثير وخاصة أن الاستيراد يتم بالقطع الأجنبي مما رفع الطلب عليه. وتبلغ كلفة استيراد الوقود لتشغيل الكهرباء حوالي 1.5 مليار ليرة يومياً، فيما يصل سعر طن الفيول الواحد حالياً لنحو 400 دولار.
كان للتجار الحظ الأوفر من أزمة الكهرباء، فظهرت أسواق خاصة للمولدات الكهربائية وللبطاريات و”الليدات”، وأخرى للمنظمات الكهربائية، ولمبات التوفير، والشواحن و”الإنفرترات”.
تراجع الجودة وهدر كبير بالإنتاج
وفي ظل هذه الواقع المرير الذي حوّل سوريا إلى محافظات تقبع في ظلام دامس لسنوات عديدة، فقد تأثرت مختلف مناحي الحياة سواء الاقتصادية أو حتى الاجتماعية، وهذا ما أكده باحث اقتصادي في تصريح خاص لـ صدى الشام مشيراً إلى أن انقطاع الكهرباء أدى لزيادة التكاليف وحدوث هدر كبير في الإنتاج، وترافق ذلك مع رفع سعر المحروقات من فيول ومازوت، وصعوبة تأمين هاتين المادتين للمنشآت الصناعية وتحكم تجار السوق السوداء بأسعارهما، لنجد أن الصناعي والمنتج قد توقفا عن الإنتاج لصعوبات تأمين الطاقة.
وبين الباحث أن ما تبقى من منتجين وصناعيين أُجبروا على رفع تكاليف إنتاجهم وذلك بسبب إضافة بند الطاقة على الإنتاج، وفي الوقت نفسه قاموا بتخفيض جودة منتجاتهم لكي تتماشى مع قدرة المستهلك الشرائية، ما أضرّ بسمعة المنتَج المحلي، وأصبح غير قابل للتصدير كونه بعيد عن المواصفات العالمية، إلا ما ندر من الصناعات والصناعيين الكبار في سوريا الذين قاموا بالإنتاج خصيصاً للتصدير، وهؤلاء لم يتأثروا بارتفاع التكاليف كون العائد الذي يجنونه من إنتاجهم وتصديرهم يكون بالقطع الأجنبي على عكس بقية الصناعيين الذين يصنعون للسوق المحلية فقط.
معظم ما يباع في الأسواق من أدوات كهربائية يندرج تحت خانة البضاعة الرخيصة “الستوك” فأغلبها صناعة صينية ذات نوعية رديئة جداً، ولا تعيش أكثر من عام واحد كحد أقصى.
أسواق جديدة بسبب أزمة الكهرباء
وفيما يتعلق بخيارات المواطن فقد لفت الباحث إلى أن استمرار أزمة الكهرباء دفع بالناس للبحث عن البدائل، وبالطبع كان للتجار هنا الحظ الأوفر من هذه الأزمة ومن استمرارها واستغلالها، فظهرت أسواق خاصة للمولدات الكهربائية وللبطاريات و”الليدات”، وأخرى للمنظمات الكهربائية، ولمبات التوفير، والشواحن و”الإنفرترات” وحتى الأجهزة الكهربائية التي تعمل على 12 فولط كالشاشات.
واستغرب الباحث دخول هذه البدائل المذكورة بنوعية وجودة رديئة جداً للسوق السوريّة، متسائلاً: “ألا يوجد رقابة على المستوردات؟، وأين التحقق من المواصفات؟، أم تم غض الطرف عنها؟”.
“الستوك” يملأ الأسواق
باحث في شؤون حماية المستهلك قال في تصريح له إن معظم ما يباع في الأسواق من أدوات كهربائية يندرج تحت خانة البضاعة الرخيصة “الستوك” فأغلبها صناعة صينية ذات نوعية رديئة جداً، ولا تعيش أكثر من عام واحد كحد أقصى، وخاصة بما يتعلق بالمولدات الكهربائية، التي قد يدفع المستهلك أكثر من سعرها أضعافاً كأجور لصيانتها الدورية، فمعظم ما يباع من هذه المولدات “تجاري”، وهدفه تحقيق الربح فقط، ذلك أن محركات هذه المولدات مصنوعة من الألمنيوم وليس النحاس وهي لا تتحمل أي ضغط كهربائي، وينطبق ذلك على البطاريات التي لا يخلو منزل في سورية منها، ولا تلبي الحاجة الاستهلاكية أكثر من عام ونيف، وهي تباع بأسعار تبدأ من 35 ألفاً وتصل إلى 80 ألف ليرة، حسب استطاعتها، وحتى الليدات فهي تعتبر خطيرة على صحة الأعين، وهناك الكثير من الدراسات تؤكد ذلك، إلا أنه تم استيرادها وهناك دعوات بأن يتم استخدامها في إنارة الشوارع لتوفير الكهرباء، وينسحب ذلك أيضاً على الشواحن والإنفرترات ذات الصناعة الصينية الرديئة، وكذلك الأجهزة الكهربائية كلها مستوردة مع إغفال الجودة، والأغرب من ذلك أسعارها المرتفعة.
الباحث بيّن أن هذا الأمر يعتبر سرقة بشكل مباشر للمواطن، فعندما يتم بيع سلعة رديئة بسعر مرتفع، فهذا يعني غش وبالتالي سرقة، متسائلا:”أين الرقابة من هذا الذي يحدث في أسواق الكهرباء؟”.
ما تبقى من منتجين وصناعيين أُجبروا على رفع تكاليف إنتاجهم وذلك بسبب إضافة بند الطاقة على الإنتاج، وفي الوقت نفسه قاموا بتخفيض جودة منتجاتهم لكي تتماشى مع قدرة المستهلك الشرائية.
قدرات ضائعة
رغم دعوات حكومة النظام المستمرة للقطاع الخاص بأن يستثمر في قطاع الكهرباء، إلا أن هذه الدعوات لم تلقَ قبولاً إلى الآن بالرغم من سنّ قانون خاص يسمح بهذا النوع من الاستثمار، وبيع الكهرباء لمؤسسة توليد الكهرباء. ويوضح خبير في شؤون الطاقة أن سوريا تتمتع بقدرة هائلة على توليد الكهرباء عن طريق الطاقات المتجددة وخاصة الطاقة الشمسية، حيث أن أكثر من 40% من مساحتها تتجاوز فيها نسبة السطوع الشمسي 4 كيلو واط م2، كما أن معدّل السطوع الشمسي السنوي هو الأعلى عالمياً ويتجاوز 312 يوماً سنوياً، وتكفي لإنتاج كمية من الطاقة الكهربائية لتغطي الطلب المخطط على الطاقة لمدة 100 عام.
أما بالنسبة للطاقة الريحية فإن سوريا تتمتع بطاقة تعتبر الأفضل عالمياً حيث تمتد المساحة الريحية المتوفرة بحدود 54 كم2 وتنتج طاقة مركبة تصل إلى 5 ميغاواط ساعي في كل 1 كم، إلا أن هذه القدرات الهائلة لم يتم استثمارها قبل المعارك المتواصلة، فكيف يمكن استثمارها حالياً وطبول المعارك ما تزال تُقرع؟.
سوريا تتمتع بقدرة هائلة على توليد الكهرباء عن طريق الطاقات المتجددة وخاصة الطاقة الشمسية، حيث أن أكثر من 40% من مساحتها تتجاوز فيها نسبة السطوع الشمسي 4 كيلو واط م2
غباء اقتصادي
واستغرب الباحث ما يتم تداوله مؤخراً، بأنه تم تجديد عقد تصدير الكهرباء من سورية إلى لبنان خلال عام 2017، بعد توقفه هذا العام، متسائلاً: “المنطق الاقتصادي يقول، لا يمكن تصدير أي سلعة طالما أن السوق المحلي يحتاجها وغير مشبع منها، فكيف هو الحال بالنسبة للكهرباء؟.. وحسبما نراه ونسمعه، فإن الحكومة عازمة على تصدير الكهرباء إلى لبنان رغم الأزمة التي تعانيها جراء نقص التوليد، فكيف لها أن تتخذ هذه الخطوة وهي على علم تام بأن القطاع الاقتصادي الصناعي والزراعي يعاني من شلل شبه تام نتيجة الانقطاع الطويل للكهرباء؟..هل تصدير الكهرباء بات أهم من تشغيل المعامل والورش واليد العاملة؟.. هل جدواه الاقتصادية أكبر من كل ذلك؟..نعتقد أن هناك غباء اقتصاديًا في حال تم تنفيذ ذلك”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث