صدى الشام _ عبد القادر عبد اللي/
كان بيان الأركان العامة التركية حول القصف الذي طال مجموعة من الجنود الأتراك، ويتهم فيه النظام السوري غائماً إلى حد ما، ولكنه في الوقت نفسه لا يدع مجالاً للشك. فقد قال البيان: “قيّمت (أو قدرت) الأركان بأن طائرة تابعة للنظام السوري قامت بالقصف”. التقدير أو التقييم هو استنتاج عادة، بمعنى آخر ليس هناك دليل قطعي لدى الأركان بأن النظام السوري هو الذي نفذ الضربة الجوية. ويمكن اعتبار الأمر للوهلة الأولى محاولة لترك الباب مفتوحاً من أجل التراجع عن التصريح إن احتاج الأمر، ولكن من يمتلك طائرات في سورية؟ الروس والنظام السوري، هذا يعني أن التهمة صريحة وإن كانت غير مؤكدة.
ولكن القيادة الطائفية للحزب التركي المعارض الذي يدعي العلمانية حزب الشعب الجمهوري أصر على أن بيان القوات المسلحة التركية واضح، وأن الطائرة التي قصفت تابعة للنظام السوري، ووجه اتهامه إلى سياسة الحكومة التركية الموجهة نحو سورية. بالطبع فإن سورية بالنسبة إليه هي النظام.
وأدلى رئيس الحكومة التركية “بن علي يلدرم” بتصريح مشابه اعتبر فيه أن تقييم الأركان العامة بالنسبة إلى الحكومة هو المرجع، واتهم فيه الحكومة السورية بشكل غير مباشر بالوقوف إلى جانب داعش بقوله: “هناك جهة تتألم من تحقيقنا النجاح ضد داعش”، وأكد على أن الأمر لن يبقى دون رد. ودعم الحكومة التركية بقضية الرد رئيس حزب الحركة القومية “دولت بهتشلي” وأكد على أن الأمر يجب ألا يبقى دون رد.
من جهة أخرى، فإن تزامن العملية مع الذكرى الأولى لإسقاط تركيا طائرة روسية يدعم الشك بأن الطائرة التي نفذت العملية هي سورية، ويمكن أن يكون الأمر قد تم بدعم روسي.
حاول النظام السوري أن يبقى صامتاً، فعلى ما يبدو أنه خائف من الرد، فالولايات المتحدة يمكن ألا تحول دون عملية انتقامية في هذه الظروف التي ينتهي فيها عهد، ويبدأ عهد جديد. والروس غير مستعدين للتضحية بالحليف التركي المحتمل والواعد نتيجة توتر علاقته مع أوربا وأمريكا. ولكن صمت النظام السوري لم يتجاوز الأربع وعشرين ساعة، وجاء النفي من قيادة القوات الجوية، ولم يكن النفي باسم النظام فقط، بل باسمه واسم روسيا بعد أن كان يهدد يومياً بأن “قواته الجوية ستستهدف قوى الاحتلال التركي” بحسب تعبيره.
مع اقتراب الجيش السوري الحر الذي تدعمه تركيا من مدينة الباب، وبالتالي من خطوط التماس مع النظام يبدو أنه هلعَ خوفاً من استمرار هذه القوات بالتقدم، والاشتباك مع قواته، لأن تلك الجبهة بقيت حتى الآن هادئة تماماً، ولم تشهد احتكاكاً بينها وبين داعش، بل على العكس شهدت تسليماً لبعض المواقع التي انتزعها هذا التنظيم من الجيش السوري الحر، وقدمها للنظام. لعل هذا الهلع جعله يقدم رسالة للداعم التركي، فقصف قواته، ولكنه لم يُردْ أن تكون هذه الرسالة واضحة وصريحة أيضاً من أجل ترك الباب موارباً أمام الدبلوماسية، والتملص من القضية.
في الحقيقة فرضت الحكومة التركية حظراً مؤقتاً على نشر أخبار تتعلق بالحدث ما عدا التصريحات الرسمية، واجتمعت اللجنة الأمنية، واتخذت قراراتها التي لم تعلن حالياً.
تبحث الحكومة التركية عن ذريعة لفرض وجودها في الشمال السوري، وانضمت إلى التحالف الدولي لهذه الغاية، وقاتلت داعش، ولكن التحالف الدولي بعد أن قدم الدعم الجوي لهذه القوات، وحتى إنه أرسل بعض الجنود الأمريكان للمشاركة في العمليات، ولولا الحساسية التي أبدتها بعض الفصائل المقاتلة في إطار الجيش السوري الحر، لكان أولئك الجنود الآن يقاتلون جنباً إلى جنب مع الجيش السوري الحر والقوات التركية، ولكن التحالف الدولي مع اقتراب القوات من الباب، “خيّب آمال الحكومة التركية” واعتبر عملية درع الفرات عملية تركية من طرف واحد. وهذا يعني أن العملية باتت دون غطاء دولي، ودخلت تركيا بعملية البحث عن هذا الغطاء.
من هذه الزاوية يمكن أن تعتبر الحكومة التركية هذه العملية مصدر تهديد، وتردّ، ولكن الأمر ليس بيدها وحدها، فهي بحاجة لمعرفة مواقف الدول الإقليمية والدولية، وحساب ردود فعلها، فالوضع الداخلي التركي يمرّ بظروف صعبة، وهناك جبهة داخلية مفتوحة وإن كانت الجبهة الأخرى المفتوحة في سورية غير منفصلة عن الجبهة المفتوحة مع حزب العمال الكردستاني في الداخل، وفي شمال العراق.
من السابق لأوانه معرفة النتائج المباشرة لهذه العملية، ولكنها بالتأكيد ستكون مقياساً مهماً لمعرفة مواقف الأطراف المتعددة، ولعل الطرف الأهم الذي يراد معرفة موقفه هو الروسي، فستخضع العلاقات الروسية التركية لامتحان مهم، خاصة وأن العلاقة المستجدة بين الطرفين يهلل لها في موسكو على عكس ما يجري في تركيا.
ثمة أحداث صغيرة يمكن أن تؤدي إلى تطورات خطيرة، والعكس صحيح، أحداث خطيرة لا تحرك ساكناً، وقد شهدت الساحة السورية كثيراً من الأمثلة على هذه الأحداث، فهل تغير هذه العملية شيئاً؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث