الرئيسية / رأي / الأرض لمن يحتلها

الأرض لمن يحتلها

صدى الشام _ عبد القادر عبد اللي/

لعل تصريح مسعود برزاني رئيس إقليم كردستان العراق: “اتفقنا مع الأمريكان على عدم الانسحاب من المناطق (الكردستانية)”، يحمل أهمية كبرى باعتباره مؤشراً على صراعات جديدة تحمل بها المنطقة. والمقصود بالمناطق الكردستانية المناطق التي تحررها البشمركة من داعش” بغض النظر عما إذا كانت هذه المناطق ذات غالبية تركمانية أو عربية”.

كنا نعتقد بأن ما يجري الآن في سورية والعراق هو أشد ما يمكن أن يحصل، ولكن الواقع دائماً حامل بما يفوق التصور.

لقد كنا نسخرُ من كلام أمراء الحرب في سورية الذين يحررون المدن والبلدات ويسرقونها/ يغتنمونها، ويفككون منشآتها الصناعية، ويفرغون دوائرها الرسمية لبيعها خردة بالكيلو، أي بنسبة واحد بالمئة من سعرها الحقيقي عندما يقولون: “الأرض لمن حررها”… واعتماداً على هذا الشعار أيضاً، طال الاغتنامُ الممتلكات الخاصة بعد أن نفدت المنشآت العامة تحت اسم “أصحابها شبيحة” أو “غادر أصحابها أرض الرباط”، استناداً إلى الحديث المنسوب للرسول محمد: “لا هجرة بعد الفتح”…

ولكن هؤلاء “أمراء حرب” أو “زعماء فصائل” لا يعترف بهم العالم، ويطبِّق عليهم عقوبات اقتصادية وسياسية، وتتسع هذه العقوبات حتى تصل إلى معاقبة من يتعامل معهم. أما أن يصدر تصريح كهذا عن زعيم سياسي معترف به دستورياً في بلده، ومعترف به سياسياً على الصعيد العالمي، فالأمر يخرج من قضية السخرية السطحية، ويجعلنا نعود إلى تلك التصريحات بنظرة أكثر تمعناً، وإذا أردنا أن نسخر منها، فعلينا أن نسخر على طريقة الكوميديا السوداء، فنحن أمام مأساة وليس ملهاة.

إذا كانت الصحافة التركية قد نقلت هذا الخبر على أنه صدمة كبرى، فالغريب في الأمر أن المسؤولين الأتراك لم يدلوا بتصريحات رسمية حوله. والأغرب من هذا هو الموقف الإيراني صاحب الأرض العراقية الفعلي، فلم يصدر عنه أي رد حول الموضوع.

تركيا تستند إلى البرزاني بوجود بضع مئات من جنودها في بعشيقة. ويمكن القول إن فائدة هذه القوات تكمن فيما قدمته من تدريب لبعض القوى السنية والبشمركة لموجهة داعش. وكان حزب العمال الكردستاني “PKK” سبباً بتقارب الحكومة التركية مع حكومة كردستان العراق، بعد أن شكل هذا الحزب خطراً على حكومة برزاني، وهو في حالة حرب مع تركيا.

لا شك أن البرزاني أحد أهم السياسيين الكرد، وقد أثبت الواقع على الأرض عمق تفكيره الاستراتيجي، وحساباته الدقيقة، واستغلاله تناقضات المنطقة الحادة. وهذا تحديداً ما يجعل تصريحه يحمل أبعاداً مهمة.

لوجود داعش دولة المخابرات العالمية الوهمية مبرر وظيفي. وهي الآن تعامل معاملة الدولة العثمانية بعد أن أطلق عليها الغرب اسم “الرجل المريض” في مطلع القرن الماضي، واعتبرتها تركة من حق الدول القوية أن تنال حصتها من هذه التركة، ولعل ما يقابل اصطلاح الدول القوية اليوم هو “الحلفاء الأكثر إخلاصاً”.

بقدر ما كنا نستنتج من أدوار لطغاة المنطقة ومستبدي العالم بوجود داعش لخدمتهم، نجد أن استنتاجاتنا غير كافية، وتكشف لنا الأيام أدواراً وظيفية أخرى لهذا التنظيم لم تكن تخطر على بال.

تشير السياسة الأوربية والأمريكية عموماً إلى تغيير في التحالفات التقليدية، ويبدو أن تركيا لم تعد حليفاً للغرب لا يمكن الاستغناء عنه، فهناك دول، وأحزاب سياسية مستعدة أن تحل محل تركيا بتكلفة أقل بكثير، وحزب العمال الكردستاني يقدم نفسه لهذه المهمة، إضافة إلى أن حكومة برزاني حليف قديم مستقر للولايات المتحدة.

فها هي الولايات المتحدة تصرِّح بشكل رسمي بأنها لا تدعم عملية درع الفرات التي تقودها تركيا، على الرغم من أنها دعمتها واقعياً في البداية، وشاركت طائرات التحالف التي تقوده بقصف بعض مواقع داعش. ولكن أمراً طارئاً جعل التحالف يتنصل من هذا الدعم، وهو في الحقيقة ليس طارئاً، إنه التحالف مع حزب الاتحاد الديمقراطي (الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني)، فمن غير الممكن جمع تركيا والاتحاد الديمقراطي معاً كحليفين للولايات المتحدة.

يمكن أن يقول قائل إن الإدارة الأمريكية الحالية ذاهبة، ولن يكون لاتفاقاتها ووعودها قيمة بعد فترة قصيرة، ولكن البرزاني ليس ذلك السياسي البسيط الذي لا يحسب حسابات من هذا النوع، وعلاقاته مع صقور الحزب الجمهوري تستند إلى تاريخ طويل، فلا يمكن له أن يقدم على خطوة من هذا النوع دون أن يكون قد أجرى اتصالاته مع ممثلي الإدارة الأمريكية الجديدة.

تتسابق روسيا وتركيا للتواصل مع الرئيس الأمريكي المنتخب ترامب، ومحور هذه الاتصالات كلها هو سورية والعراق، ولعل سعي تركيا مع الأمريكان يشبه سعي حكومة الاتحاد والترقي مع دول الحلفاء قبيل الحرب العالمية الأولى، وباءت كل محاولاتها حينئذ بالفشل، لأن الحلفاء كانوا يبحثون فيما بينهم اقتسام تركة الرجل المريض، وليس التحالف معه، ولم ينقذها من الفخ الذي نصب لها تحالفها مع ألمانيا.

اليوم يتسابق الجميع على اقتسام التركة أيضاً، تركة “داعش”، وبعد تركة داعش ستدخل حيز القسمة تركة “فتح الشام”… والكل يعمل وفق مقولة: “الأرض لمن يحررها”… ولكن كلمة التحرير هذه باتت ملتبسة جداً، فحزب الله “حرر” القلمون الغربي، وإيران “حررت” أجزاء واسعة من سورية، وروسيا تعمل على “تحرير” سورية… ليس مهماً ممن “تتحرر” هذه المناطق، المهم من “يحررها”، أو بالأحرى المهم من يحتلها…

 

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *