الرئيسية / رأي / نموت ألف مرة

نموت ألف مرة

صدى الشام _ ميسون شقير/

هنا في مدريد،عاصمة إسبانيا، التي وبالرغم من كونها حديثة العهد بالتجربة الديمقراطية، فإنها تُصر على ترسيخها مهما كانت التحديات والعقبات أمام هذا الطريق الطويل، هكذا بكل بساطة تدعو الحركة الطلابية مع أحزاب اليسار إلى إضراب طلابي عام بسبب محاولة حكومة اليمين الإسبانية تشجيع المدارس والجامعات الخاصة من خلال قوانين جديدة سيئة جداً لمرحلة التعليم الثانوي، والحصول على شهادة البكالوريا ومن ثم التقدم بامتحان صعب جداً للدخول إلى الجامعات العامة، وهكذا وبكل بساطة يُضرِب طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية عن الحضور للمدرسة في هذا اليوم، وهكذا وبدون رعب قاتل، يتجمعون في الساحة الأساسية في مدريد لتنطلق مظاهرتهم التي تبدأ بشعارات تخص تعليمهم مثل “نريد تعليماً أكثر وشرطة أقل”، “نعم للجامعات والمدارس العامة لا للتعليم الخاص”، “لماذا يُباع التعليم في إسبانيا”، “نحن المستقبل لماذا تبيعنا حكومة اليمين”،  ومن ثم لتتحول المظاهرة إلى مظاهرة سياسية فكرية جريئة تنتقد كل سياسات اليمين وكل فكره”عاش كفاح الطبقة العامة والفقراء”، أهلا باللاجئين”، “النازيون إلى الخارج واللاجئون إلى قلوبنا”، “إسبانيا ستصبح مقبرة الفاشية”، لا للمدارس الدينية”، “هل فعلا مات فرانكو” “أبقوا المسيح فقط في قلوبكم إذا أردتم، لا تدخلوا الدين إلى المدارس”، “فلتسقط حكومة اليمين المعادية للشعب”.

وهكذا وبدون رصاص حي، بدون دم يختلط مع اللافتات بدون شبيحة وبدون جيش يصوب سلاحه لصدور المتظاهرين، هكذا تستمر المظاهرة المكونة من الآلاف الغاضبين لمدة تزيد عن الأربع ساعات وتتجمع أمام مبنى البرلمان، ويتم حرق صور ممثلي حكومة اليمين الحالية، ولا يدخل الطلاب السجون بعد ضرب لم تعرفه البشرية.

وهكذا أيضاً يُقرر البرلمان فوراً عَقدَ جلسة استثنائية له بعد يومين ويعلن ذلك على موقعه على الانترنت، ومن خلال مكبرات للصوت تخرج من داخل البرلمان استجابة للمظاهرة التي تتعامل الشرطة مع وجودها ومع شدة انفعال الطلاب والمشاركين فيها بمنتهى الاحترام، والتي تحاول فقط حمايتها من النازيين وممثلي اليمين القلائل الذين تجمعوا في الجهة المقابلة.

هكذا يحمل الطلاب صور الأطفال “الطلاب الصغار” في مدينة حاس وفي حلب ويرفعونها مع شعارات تقول “كلنا مسؤولون أوقفوا بوتين، هتلر القرن الجديد”، “هؤلاء طلاب مثلنا، كيف يموت في سوريا الطلاب في المدارس؟”

هؤلاء لا يعرفون كيف أنه هناك في سوريا اقتلعت أظافر طلاب درعا فقط لأنهم كتبوا “حرية” على جدار، وكم من طلاب المدارس والجامعات قد ماتوا تحت التعذيب بعد أن عايشوا الموت ألف مرة في سجون هذا النظام فقط لأنهم شاركوا يوماً بمظاهرة مثل مظاهرتهم.

هكذا في سوريا يعود طالب في سنته الجامعية الأخيرة الى أمه وقد أكملت الرصاصات فيه حلمه وثقبت صدره وقدمت له شهادة التخرج إلى الله.

هكذا في قطعة من الكون تسمى سوريا، في مركز الكون الأول والأخير، هكذا يذهب الطلاب في الفرصة إلى السماء  ولا يعودون حين يقرع الجرس.

هكذا لا يعرف أحد أن أكثر من مليون طفل سوري يعيشون منذ خمس سنوات بدون أي تعليم أو أية مدارس، وأن مئات الآلاف من المدارس لم تعد سوى أماكن لتربية الموت والدمار ولتدريس الغبار دروساً في الفراغ القاتل والغياب الذي لم تعرف البشرية له من بديل.

هكذا وأمام أعين البشرية كلها، يموت ألفا طفل دفعة واحدة بالكيماوي، دفعة واحدة يهربون من واجباتهم المدرسية ويريحون أمهاتهم المفجوعات من حمل المستقبل الجميل.

هكذا، يثبت الطالب السوري نفسه حين يحصل السوري الناجي الهارب اللاجئ المشرد مقتول الذكريات، مدمر الروح، ومثقوب القلب، كعادته على المرتبة الأولى في شهادة البكالوريا العلمي في ألمانيا، وعلى علامات الرياضيات الكاملة في فرنسا، وعلى المرتبة الأولى في الشطرنج، والمرتبة الأولى في السباحة، وهكذا يحصل الطلاب الذين كانوا في مدرسة حاس على المرتبة الأولى المطلقة في الموت.

لا أدري كيف يمكن لنا، نحن السوريين الراحلين عن حياتنا، أن نتوازن هنا، في دول العالم الحديث، ونحن نرى مظاهرة الطلاب هنا ويشهق فينا الرعب الذي كنا نعيشه بمجرد التحضير للمظاهرة هناك.

 لا أدري يا كل طلاب العالم، يا كل شبابه، كيف يمكن أن نعرف الحياة ولا نموت من ذاكرتنا ومن الصور التي تحملونها ألف مرة.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *