الرئيسية / رأي / طموحات أكثر تواضعًا في معركة حلب

طموحات أكثر تواضعًا في معركة حلب

صدى الشام _ عبد القادر عبد اللي/

قبل حوالي شهرين انطلقت معركةٌ في الريف الجنوبي لحلب أسمتها المقاومة السورية ملحمة حلب الكبرى، وأعلنت أنها تهدف لتحرير حلب من النظام والمليشيات الطائفية.

في الحقيقة أن هذا الطموح كان عالياً جداً، على الرغم من الشحنة المعنوية الكبرى، والنجاحات المبهرة التي انطلقت بها المعارك في أيامها الأولى إذ دخلت المقاومة السورية أماكن لم تدخلها من قبل على مدى سنوات الصراع.

لم يكن أحد يتوقع بأن يتحقق هذا الهدف، لأن تحرير مدينة حلب بالكامل يرجح كفة المعارضة، وهذا كما يبدو الآن غير متاح بقرار دولي.

النصر والهزيمة لا يقاسان بمقارنة الخسائر المادية والبشرية لدى الطرفين، أي بمعنى من يخسر آليات ومقاتلين أكثر يكون مهزوماً، بل في تحقيق الهدف المرجو من العملية.

صحيح أن الأوضاع في نهاية المعركة انتهت كما كان عليه الطرفان قبل المعركة مع بقاء مساحة صغيرة بيد المقاومة السورية في منطقة مشروع الألف وسبعين شقة، ولكن النتيجة اعتُبرت لصالح النظام على الرغم من خسارته قطعة أرض صغيرة لأن الهدف الأساسي الذي انطلقت من أجله المعركة هو تحرير حلب، ولم يتحقق الهدف.

ستكون المعارضة المسلحة خاسرة حتى لو فكت الحصار عن حلب الشرقية يومئذ، وسيقال فشلت المعارضة بالسيطرة على حلب.

صحيح أن المعركة مهما كانت فهي لا ترتبط بالقوى التي على الأرض وإمكانياتها العسكرية واللوجستية فقط، بل هناك ما هو أبعد من هذا بكثير، فالتوازنات الدولية، ومواقفها من المعركة أيضاً تلعب دوراً مؤثراً في سير المعارك، ونتيجتها.

ولعل الفشل الذي كان نتيجة تلك المعركة فتح باب التحليلات على أن تركيا باعت حلب مقابل ريفها الشمالي.

مع بدء المعركة هذه المرة وقع خبر مفاجئ يقول: القوات المسلحة الروسية تطلب من بوتين قصف حلب، ولكنه رفض باعتبار أن هذا القصف غير مجدٍ.

وهكذا بدأت التوقعات بأن مساومات ما جرت بين تركيا وروسيا أيضاً حول القضية، وأن تركيا كسبت موقفاً من الروس وهو ترك المعركة للقوى التي على الأرض.

ولكن نظرة موضوعية لما يجري يمكن أن توصلنا إلى نتيجة مختلفة.

على الرغم من القول المنسوب إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن قصف حلب غير مجد، فإن القصف قائم، ولكن بكثافة أقل، ولأهداف مختلفة، والطيران الروسي يشارك في العمليات العسكرية، ويقصف الجبهات.

ولكن كما هو معروف فإن الالتحام بين الطرفين كثيراً ما يَشُل حركة الطيران، لأنه من الممكن أن يصيب الطرفين، وهذا ما نقل في اليوم الأول لانطلاق المعركة، وقتل عدد من المقاتلين الذين يقاتلون إلى جانب النظام، وسُمي قصف بنيران صديقة.

وفي الحقيقة أن ما حدث ليس نيراناً صديقة، بل أسلوباً يستخدمه الطرف الذي يمتلك القوة الجوية -وهو هنا النظام- بقصف منطقة فيها التحام عند وصولها إلى درجة كبيرة من الخطورة من أجل التخلص من المهاجمين والتضحية في سبيل ذلك بالمدافعين.

مهما يكن فإن التصريحات الصادرة عن المعارضة المسلحة هذه المرة نجدها أكثر توازناً، والعمليات أيضاً أكثر تمكناً فهناك مناوشات على شريط أطول، وقصف ناري أشد، وتقدم بطيء ومتمكن.

ولكن الجديد لا يقف عند هذا الأمر فقط، بل يتعداه إلى ما يمكن تسميته تواضعاً بإعلان الأهداف.

فلم نسمع من جهة رسمية مشاركة بالعمليات العسكرية هذه المرة أن الهدف هو تحرير حلب، بل فك الحصار عن حلب الشرقية. وبالطبع إن أتيحت لمقاتلي المعارضة تحرير حلب، فلن تتوقف المعارضة أو تتوانى عن تحقيق هذا الهدف.

نعم، هذا هدف متواضع، ولكنه نبيل، ويعطي الدبلوماسية التركية أو السعودية والقطرية إمكانية للمناورة على الصعيد الدولي.

فهناك مئات الآلاف من المدنيين المحاصرين في أحياء حلب الشرقية، ومقطوعة عنهم سبل الحياة كلها، وعلى الرغم من هذا لم يستسلموا، أو لم يُسمح لهم بالاستسلام. وفتح طريق الإغاثة إليهم أمر إنساني أكثر منه عسكري، ولكن لابد من عمل عسكري من أجل تحقيق الهدف الإنساني.

الأهداف الكبيرة تتحقق عبر مجموع أهداف صغيرة. ولا شك أن فك الحصار عن حلب هدف استراتيجي، ولكنه ضمن المعركة الكبرى، والصراع الدولي الذي يدور على الأرض السورية لا يشكل سوى حلقة صغيرة جداً.

المعركة الآن تشبه عملية عض الأصابع، وكل طرف ينتظر الآخر أن يصرخ “آخ”، ومن سيصرخ أولًا سيخسر  المعركة، لأن تحرير عشرات الكيلومترات المربعة يمكن أن يفتح الطريق إلى حلب الشرقية، ويفتح طريق إمداد دولي يمُر عبر منطقة يسيطر عليها طرف واحد هو المعارضة المسلحة، وليس كما كان سابقاً وفشل بجَعل الإغاثة تَمرُّ من طريق المعارضة والنظام معاً، ليكون ممكناً استخدام البروباغندا السياسية لتضييع المجرم الذي يمنع تلك الإغاثة.

إننا نتعلم من أخطائنا وتجاربنا، ولكننا نتعلم ببطء شديد، فقد قطعنا نصف العام السادس على انطلاق ثورتنا، وحتى الآن لم نتعلم الكثير.

ولعل هذا التطور السياسي المرافق للعمل العسكري ليس كبيراً، ولكنه يبث الأمل في تحقيق المزيد.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *