صدى الشام _ ثائر الزعزوع/
لا يقتصر إلغاء العقل واغتياله على تلك المتوالية التي لا تنقطع من المعلومات التي يكون نصفها تقريباً خاطئاً أو غير دقيق، لكن أيضاً من خلال تغيير المفاهيم حول مختلف القضايا، الحساسة منها والعرضية. فتلعب الدعاية المتواصلة والإعلان المدفوع دوراً في توجيه الناس باتجاهات لم يختاروها، ولم يفكروا أصلاً بالتوجه إليها. تنشط في ذلك الشركات الكبرى لتحقيق أكبر عدد من المستهلكين، الذين يتحولون بدورهم إلى سلعة يمكن أن تشتريهم شركة من شركة، وهذا يحدث في عمليات كثيرة نقف شهوداً عليها دون أن نمتلك القدرة على التدخل. وفيما يدور صراع عنيف بين الشركات في بعض الأحيان على استقطاب سوق معين، والاستحواذ على “عقول” مواطنيه، نجد المستهلكين يتحركون بلا إرادة إلى تلك الجهة، ثم لا يلبثون أن يتم تسييرهم مرة أخرى إلى جهة مختلفة. وإن كانت شركات الإعلان تنشط في تسويق المنتجات والبضائع، فإن وسائل إعلامية تنشط أيضاً في تسويق الأفكار والسيطرة على العقول، وهي لا تمانع أن تمتد أيديها إلى الماضي لتعبث به كيفما تشاء تحقيقاً لغاياتها التي تعمل عليها ضمن مشروع سياسي واقتصادي متكامل. وقد رصدت في دراسة أعددتها ونشرت في العام 2013، أنشطة بعض قنوات الأطفال التي تتلقى تمويلاً إيرانياً، وكيف أنها تعمل على تغيير حوادث تاريخية معروفة، بل وصولاً إلى العبث في بعض الأحاديث أو اجتزاء آيات قرآنية لتحقيق غايات، بدأت تظهر لاحقاً على أرض الواقع في الأقطار التي استطاعت إيران أن تصل إليها، دون أي تدخل حقيقي وملموس من المؤسسات المسؤولة عن مراقبة هذه التجاوزات، فليس أسهل من إخضاع الأطفال لعملية غسيل المخ، واغتيال عقولهم مبكراً ليتحولوا لاحقاً إلى أشخاص مأسورين لا قدرة لهم على التفكير السليم. وإذا كنا في مجتمعاتنا بدأنا نلمس خللاً في البنية، ونحاول تلافيه من خلال تدخل علاجي قد يضطرنا في بعض الأحيان إلى “إلغاء” التعامل مع وسائل الاتصالات، أو التلفزيون، فإن هذا بطبيعة الحال لن يمثل حلاً، لأن المنع سوف يؤدي إلى نتائج لا تقل خطورتها عما ستصل إليه الأمور في حال عدم فرض ذلك المنع، فإن الأفضل هو خلق بيئة بديلة لتلك البيئة تكون قادرة على مقاومتها وإفشال ما تعمل عليه، وهذا لا يتحقق من خلال نصائح ومقالات، لكنه يتحقق من خلال جهود مؤسساتية، قائمة على خبرات علمية ومعرفية.
ولأنني لا أريد الابتعاد كثيراً عن مسار الثورة وما تمر به من اغتيالات متلاحقة، فلا بد من التذكير أن كثيراً من الإعلاميين الذين يعملون بصدق وإخلاص في مسار هذه الثورة منذ أيامها الأولى، تورطوا بشكل أو بآخر باستخدام مصطلحات فرضتها عليهم وسائل إعلام خارجية، تريد أن ترى الأمور على عكس حقيقتها، فصرت لا تستبعد أن تقرأ عبارة “الحرب السورية”، بل وقد استخدمت إحدى القنوات التلفزيونية “الثورية” مصطلح “الحرب الأهلية في سوريا”، وهي المتوالية التي اشتغلت مؤسسات كبرى على تحقيقها وترسيخها لدى المتلقين، فإذا كان المواطنون الأوربيون يتعاملون وبكل بساطة مع الحدث السوري برمته على أنه “حرب في سوريا” فهذا ناتج بطبيعة الحال عن المصطلح الذي يتم تمريره عبر وسائل إعلامهم، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعبر المقالات التي تكثر من استخدام هذا المصطلح. فالحرب فيها طرفان، طرف النظام وطرف أعداء النظام، هكذا يتحدث مواطنون غربيون، يعتبرون أن أعداء النظام هم تنظيم داعش، ولذلك فإن لديهم نظرة سلبية للحدث، ولا يمانعون من تصديق رواية النظام بأكملها عن العصابات الإرهابية، خاصة وأن خطاب الثورة، وللأسف، لم يرتق ليشكل وسيلة ضغط قادرة على التأثير.
الأمر نفسه ينطبق وإن بدرجة أقل، على تعميم استخدام مصطلح “قوات المعارضة المسلحة”، والذي يسقط الثورة كلياً من حساباته، ويحول الأمر برمته إلى نظام ومعارضة مسلحة، وهو مصطلح تستخدمه بكثرة القنوات العربية، ومن بينها قناة الجزيرة، فهي قلما ذكرت جمهورها الواسع بالثورة السورية أو بكتائب الثوار، كما كانت تفعل في الحالة الليبية مثلاً. مع أن الجزيرة وهي لا تفتقر بطبيعة الحال إلى المهنية والدراية، تستطيع التفريق جيداً بين كتائب الثوار وبين فصائل المعارضة، لأن مفهوم الثورة مختلف كلياً عن مفهوم المعارضة، بل هو لا يشبهه على الإطلاق. وإذا كان لزاماً استخدام مصطلح “قوات المعارضة المسلحة” فلماذا لا يتم عطف كتائب الثوار عليه؟
بطبيعة الحال فإننا لن نطالب المؤسسات التابعة للائتلاف بالعمل على هذه المواضيع مجتمعة، لأن أحد رؤساء الائتلاف السابقين استخدم في لقاء تلفزيوني مع قناة الميادين الإيرانية مصطلح “الأزمة في سوريا”، فهو يتحدث بلسان معارضة لا بلسان ثورة…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث