صدى الشام _ ميسون شقير/
فازت الصور التي تقطع شرايين الروح بمجرد مشاهدتها، والتي تجعل أي عين تمر بها تدخل بحالة من الوجع العميق المرعب القاتل، خمسون ألف صورة لأحد عشر ألف شاب سوري جربوا الموت ألف مرة قبل أن يأخذهم ملاك الموت الرحيم من بين أيدي وحوش المخابرات السورية، بجائزة حقوق الإنسان التي منحتها مدينة نورنبرغ الألمانية لعام 2017. إذ منحت الجائزة لقيصر السوري. وقيصر هو أحد رجال المخابرات السورية الذي كان مكلفا بتصوير الشهداء تحت التعذيب، والذي انشق عن النظام وتعرض لكثير من المخاطر كي يوصل هذه الحقائق للعالم، ولعل هذه الجائزة هي القليل القليل من الإنصاف بعد كل هذا الخذلان.
لكن ما لم تعرفه كاميرة قيصر وبرغم هذه الجائزة الهامة، أن هذا العالم الذي يتبجح بهذه الحضارة وهذا التقدم في عالم التصوير الفوتوغرافي والسينمائي وتصوير الفيديو، هو عالم أعمى بالمطلق، أعمى بألوان عيون مختلفة.
ولعل أكثر ما يوجع أن السيد مارك كان قد ذكر منذ فترة كل مستخدمي الفيس بوك بموعد يوم التصوير العالمي، وكان يجب على السوريين أن يذكروك يا أيها السيد مارك بأنهم بعد خمس سنوات من موتهم الكامل والمتواصل، موتهم الذي صار مادة جذابة للصورة ولشهوة انتشارها، ومع كل احترامهم لك، يلعنون يوم التصوير العالمي هذا.
لقد قدم السوريون لك أيها السيد مارك صورا هائلة تجعلك تقيم أياماً عالمية لكل أشكال الموت موزعة على طول أيام السنة، لقد قدموا لك صورا لأحد عشر ألف معتقل مدني ماتوا تحت التعذيب ولم تطلب لهم يوماً عالمياً، لقد قدموا لك صورا لحلب، لأقدم مدن الأرض وهي تباد بالكامل، ولم تحظ منك يوماً عالمياً، وقدموا لك صورا لآلاف الأطفال الغرقى في البحر ولم توثق يوماً عالمياً لملح دموعهم، فكيف وبكل برود تذكرهم بيومك هذا ولا تخجل.
صورة عمران الحلبي الخارج من تحت ركام بيته والغبار يغطي ملامحه والذعر يغطي قلبه وعينيه غطت معظم صفحاتك ونشرت دمها وصمتها على اليوم العالمي للتصوير كما ننشر غسيلا كي يجف.
يا سيد مارك هل تعلم قبل أن تذكرهم بأن شبابهم يعيشون في شريطة سوداء معلقة على زاوية صورة لم تعد قادرة على أن تسند قلب هذه الأم التي تحتضنها كل ليلة في حضنها وتشهق، صورة يقف الأب العجوز أمامها طويلا وينكسر؟
وهل تعلم بأنهم باتوا يعيشون فقط على الصور التي تحتفل أنت بعيدها؟ وأن قلوبهم تتناثر كشظايا الزجاج حين يرون صور أبنائهم الميتين تحت التعذيب؟ هل تعلم أنهم باتوا يلعنون الساعة التي اخترعت فيه الصورة، نعم لو لم يكن هناك يوم عالمي للتصوير ربما كان موتهم المعلن هذا أسهل.
يا سيد مارك بين غيلان النائم على الموج وعمران النائم على الركام ملايين الصور التي لم يذكرها أحد، بينهم صورة لامرأة سقط ابنها منها في البحر، امرأة هربت به من موت الطائرات وهي حتى اللحظة لا تقبل أبدا أنه رحل، هي لم تزل تتطرق الأبواب وتسأل الجميع عنه وتصفه لهم بكل التفاصيل التي يجب أن تقولها لك كي تكتمل الصورة يا مارك:
“طفل ذو شعر كستنائي وعينين خضراوين، عمره يزيد على السنتين، على خده شامة بنية كبيرة، كان يلبس بنطالاً أزرقاً وكنزة صفراء، وحذاء رياضياً جديداً، يده اليمنى سليمة وكاملة، وهو دائما يلوح بها، يده اليسرى كانت مقطوعة بسبب الشظية التي تناثرت من ذاك الصاروخ”.
هل أعجبتك الصورة يا سيد مارك؟ صورة الأم التي أصبحت كالشبح وبلا ملامح، أعتقد سيكون مناسبا جدا أن تجعلها في اليوم العالمي للتصوير تطرق كل صفحات الفيس بوك في العالم وتسأل عن طفلها أو على الأقل عما بقي من يده المقطوعة وتحملها وتحمل فيها صور أحد عشر ألف شاب مدني ماتوا تحت التعذيب وتقول لك بصوتها الهادئ:
بمناسبة يوم التصوير العالمي كل عام وأنت بألف………..
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث