الرئيسية / تحقيقات / رخصة القيادة تدفع اللاجئين لبيع سياراتهم

رخصة القيادة تدفع اللاجئين لبيع سياراتهم

يستسهل اللاجئون في السويد شراء
سيارات شخصية عقب وصولهم أو بعد حصولهم على حق الإقامة، وذلك بسبب انخفاض أسعار
السيارات مقارنة بأسعارها في سوريا، وتوفرِ سيارات مستعملة بحالة جيدة وأسعار تُعتبر
زهيدة.. كما أن القانون في السويد يسمح للاجئين بتملك سيارة، فور تسجيل أسمائهم في
دائرة النفوس وحصولهم على الرقم الشخصي الرباعي، دون أن يؤثر ذلك سلبا على الراتب
الذي يتقاضونه شهريا من دائرة التأمينات، طالما أنهم ضمن خطة الترسيخ والاندماج في
المجتمع السويدي، والتي تستغرق مدة عامين.

روعة الخطيب

شراء سيارة في السويد ليس بالأمر الصعب، لكن
قيادة هذه السيارة هو المعضلة.. حيث يسمح القانون السويدي لمن يمتلك رخصة قيادة
سارية الصلاحية في البلد الذي صدرت عنه، أن يقود سيارة في السويد بموجب هذه الرخصة
لمدة سنة اعتباراً من تاريخ تسجيل الشخص في دائرة النفوس، وحصوله على الأرقام
الأربعة الشخصية، لكن الشرطة السويدية لا تتهاون مطلقاً مع أي شخص يقود سيارة
برخصة منتهية أو بدون رخصة، أو في حالة القيادة تحت تأثير الكحول، وتصل عقوبة
المخالف لهذه القوانين إلى التغريم بمبالغ ضخمة والمنع من القيادة وحتى السجن..
وقد تُوضع في سجل المخالف نقطة سوداء، تستطيع جميع دوائر الدولة وجهات العمل
الاطلاع عليها، لمدة ثلاث إلى خمس سنوات.. وهو ما يَحرم الفرد من العمل في وظائف
عديدة، ويسبب له كثيراً من الإرباكات، لأن نظرة المجتمع السويدي لمن يرتكب هكذا
مخالفة، نظرة سلبية للغاية، فيرجحون أن مُرتَكبَ المخالفة من الوارد جداً أن يقوم
بتجاوزات أخرى مستقبلاً.

لاجئ سوري: “أخجل من ارتكاب
مخالفات مرورية في السويد، عكس ما كنت أشعر به في سوريا”

إجراءات وقوانين مختلفة

حسن دوري، لاجئ سوري في السويد، يصف حصوله بعد
معاناة طويلة نسبياً على رخصة القيادة السويدية بـ”الإنجاز الكبير”،
ويتحدث بحماس عما واجهه خلال مراحل الحصول على شهادة السوق على مدى نحو أربعة أشهر
فيقول: “أنا أقود سيارة منذ ثلاثين سنة ولدي خبرة طويلة في السياقة، لكن
السويد لها وضع آخر. القوانين هنا مختلفة كثيراً عن سوريا، الطرقات مليئة بإشارات
توجيهية لم نكن نعرفها أو نستخدمها من قبل، وهناك أيضاً معضلة طريقة القيادة
السويدية خاصة في التقاطعات وساحات الدوران.. لذلك استعنت بأصدقائي المقيمين في
السويد منذ فترة طويلة، لتعلم السياقة حسب القوانين السويدية، وعندما وصلت إلى الامتحان
العملي لم اجتز الامتحان. تقدمت مجدداً لامتحانٍ آخر ولكنني فشلت أيضاً في
اجتيازه، فخضعت لفترة من التدريب المكثف واستطعت بعدها النجاح في الامتحان في
المرة الثالثة”.

وحول التكلفة المادية التي ترتبت على عاتقه حتى
حصوله على رخصة القيادة يقول حسن: “رغم أنني لم أتعلم السياقة في مدرسة
نظامية، واعتمدت على تدريب تلقيته من أصدقاء لي، إلا أن التكلفة كانت مرهقة.. لقد
تكلفت ما يفوق 10000 كرون سويدي، أي ما يعادل حولي 1200 دولار أمريكي. كان ذلك
صادماً بالنسبة لي، وحقيقة أصبح الاحتفاظ بهذه الرخصة على قائمة أولوياتي. أحاول
أن ألتزم بالقوانين ما استطعت، كي لا تسحب الشرطة الشهادة مني. كما أني بت أخجل من
ارتكاب مخالفات كما اعتدتنا أن نفعل في سوريا، فليس لطيفاً أن أظهر بمظهر شاذ من
خلال تجاوزي القوانين، بينما كل السويديين ملتزمون بها دون رقيب عليهم”.

الحصول على رخصة القيادة في السويد يمر بمراحل
متعددة تبدأ بتقديم الطلب لإدارة المواصلات، فالفحص الطبي، ثم دراسة المخاطر أثناء
السياقة وإجراء اختبارات القيادة على الجليد، ثم يحين دور الاختبار النظري في
قوانين السياقة والأمان في حركة المرور ومعلومات السيارة والبيئة، إضافة إلى أسئلة
شخصية عن حالات مختلفة قد يمر بها السائق، ليأتي بعد ذلك موعد الاختبار العملي الذي
لا بد من اجتيازه بنجاح في غضون شهرين من اجتياز الاختبار النظري، وإلا سيترتب على
المتقدم أن يعيد الاثنين معاً إذا تجاوز المهلة المحددة، ويدفع الرسوم مجدداً
لكليهما.

تعتبر رخصة السياقة السويدية في مقدمة أفضل رخص
القيادة في العالم.. حيث أن السويد ومن خلالها صرامتها في منح المستحق فقط رخصة
قيادة، وتشديد الشرطة على مراقبة التزام السائقين بقوانين السير، استطاعت تخفيض عدد
وفيات الحوادث إلى ثلاثة اشخاص لكل مئة ألف شخص.. فقد اعتمدت السويد مبدأ تعزيز السلامة
لأقصى درجة، وهو ما دفع مدينة مثل نيويورك لإعادة تجربة السويد الناجحة والفريدة
من نوعها، بعد أن بلغ عدد وفيات الحوادث المرورية في امريكا 11,4 لكل مئة ألف شخص،
و 5,5 في الاتحاد الاوروبي لكل مئة ألف شخص.

اللاجئون العرب في السويد يعتبرون مدرسة
تعلّم القيادة “شر لا بد منه”

وليد سعد، الذي حصل على رخصة القيادة مؤخرا،
يحكي لـ”صدى الشام” عن مرارة تجربته فيقول: “كنت أقود سيارتي دون
أن أعلم أن مهلة السياقة باستخدام رخصة القيادة السورية هي سنة واحدة، استدركني
الوقت واضطررت لبيع سيارتي واستخدام المواصلات العامة، حتى حصلت على رخصة قيادة
سويدية”.

ويمضي وليد في حديثه فيقول: “علمت من
كثيرين حولي أنه من العبث التقدم لامتحان القيادة دون الخضوع أولا لدورة لتعليم
السياقة في مدرسة سويدية متخصصة.. اضطررت لأن أخضع لثماني حصص تدريبية، رغم أني
سابقاً كنت أقود سيارة في سوريا لمدة عشر سنوات. استطعت اجتياز الاختبار العملي من
المرة الأولى، لكني أعدت الاختبار النظري مرتين حتى تمكنت من الحصول على رخصة
القيادة، وقد كلفني ذلك ما لا يقل عن 16000 كرون سويدي، ما يعادل 1850 دولار
أمريكي”.

يصف سعد مدرسة تعليم القيادة بـ”الشر الذي
لا بد منه”، وذلك “بسبب التكلفة المرتفعة لدروس القيادة. إلا أنها من
ناحية أخرى تُسهّل الحصول على رخصة السياقة، لأن المسؤول عن الاختبار عادة ما
يتغاضى عن بعض الأخطاء في الامتحان إذا كان المتقدم قد اتبع دورة تدريبية في مدارس
السياقة المعتمدة في السويد، لعلمه أن المتقدم للاختبار قد درس حتماً قوانين
المرور في المدرسة وتدرب عليها، لكن ربما ارتبك في وقت الامتحان وارتكب بعض الأخطاء
التي من المقبول التغاضي عنها”.

هذا ويكلف الحصول على رخصة القيادة في السويد
لأول مرة نحو 28000 كرون سويدي، ما يعادل نحو 3250 دولار أمريكي، فيما تتناقص التكلفة
في حال كان المتقدم لديه رخصة قيادة من بلد آخر، وذلك بحسب خبرته واستيعابه لقوانين
القيادة في السويد، وقدرته على تطبيقها بشكل صحيح.

مجال جديد للسماسرة العرب

مع ارتفاع أعداد الراغبين بالحصول على رخصة القيادة
السويدية، نشط بعص العرب من السماسرة في اقتناص الفرص في هذا المجال، حيث بدأوا
يبيعون بطرق غير شرعية، نماذجاً عن أسئلة الامتحان النظري بأسعار رخيصة، ويجرون
تدريبات للراغبين بتعلم السياقة – دون حصولهم على رخصة مدرب- بأسعار تصل إلى أقل
من نصف تكلفة التَدرّب في مدارس السياقة السويدية المعتمدة.

ناديا محفوظ رَوت لنا كيف تم استغلالها من قبل
السماسرة مرتين، فقالت: “رأيت العديد من الإعلانات لبيع نماذج عن أسئلة
الامتحان النظري للقيادة على صفحات التواصل الاجتماعي، وبالفعل اشتريت من أحدهم
نموذج أسئلة، قال إنها تُغنيني عن شراء كتاب تعلم “التيوري”، لكن في
الفحص فوجئت بأن هذا النموذج لم يكن كافيا للنجاح في الامتحان النظري، فخسرت ثمن
هذه الأسئلة واضطررت مجددا لإعادة الامتحان، بعد أن اشتريت كتاب “التيوري”
ودرسته”.

وتضيف ناديا: “قمت أيضاً بالتدرّب على
القيادة العملية
بطرق غير نظامية، لأن تكلفة الدروس في المدارس
السويدية مرتفعة جداً، وقد أردت توفير بعض النقود. وعند تقدمي للامتحان العملي
اكتشفت أن التدريب الذي تلقيته لم يكن جيداً، وليس في المستوى المطلوب للامتحان، فبعض
المعلومات التي تلقيتها كانت منقوصةً أو خاطئة. رسوبي في الامتحان جعلني أفهم أهمية
تلقي دروس نظامية في مدرسة للقيادة، وأدركت كيف يتلاعب بنا هؤلاء السماسرة، فندفع
الثمن مضاعفاً، مرةً للسماسرة، ومرة بالطرق النظامية التي لا مهرب منها. إضافة إلى
تكرار دفعنا رسوم التقدم للامتحانات”.

رغم تشدد السلطات السويدية لناحية
تطبيق إجراءاتٍ وعقوباتٍ صارمة ما زال القادمون الجدد يرتكبون مخالفات يعتبرها
المجتمع السويدي “مُشينة”.

ورغم تشدد السلطات السويدية لناحية تطبيق إجراءاتٍ
وعقوباتٍ صارمة بحق مخالفي قواعد المرور، والقيادة برخصة منتهية الصلاحية أو بدون
رخصة، إلا أن القادمين الجدد ما زالوا يرتكبون مخالفات يعتبرها المجتمع السويدي
“مُشينة”، حيث أوقفت الشرطة السويدية منذ فترة، سيارة كان طفلٌ في
الثالثة عشرة من العمر يقودها، ليوصل والدته البالغة من العمر 34 عاماً، وذلك في
بلدية هيلسنبوري، وتم تجريم المرأة لسماحها للطفل بقيادة السيارة دون رخصة، لأن
الطفل لا يتحمل مسؤولية جنائية ولا يمكن معاقبته.

هذا وقد سحبت الشرطة السويدية 18082 رخصة قيادة
خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2015، وهو أعلى من معدل الرخص المسحوبة في الفترة
نفسها من العام الماضي. وبينت وكالة النقل السويدية أن السبب الرئيسي لمصادرة رخص
القيادة يعود إلى السرعة الزائدة، حيث بلغ عدد الشهادات المسحوبة نتيجة السرعة
9744 رخصة، أما السبب الثاني فيعود إلى القيادة تحت تأثير الكحول، حيث تقدر نسبة
ذلك بخمس العدد الإجمالي، فيما سُحبت بقية الرخص لارتكاب مالكيها مخالفات مرورية
أخرى.

عنصرية العرب تجاه المرأة
السائقة

لا توجد عنصرية في تعلم القيادة في السويد بين المرأة
والرجل، فالكل سواسية أمام القانون في الحقوق والواجبات، والمراقب للشارع السويدي
لا يلحظ ابداً أن قيادة المرأة تتسبب بأية مشاكل، فهي في السويد شريكة الرجل في كل
شيء، تراها تقود حافلة نقل عامة، أو سيارة شحن ثقيلة مثلها مثل الرجل تماماً،
فالقضية تعتمد على التعلم وحماية السائرين في الشارع من مشاة ومركبات لا أكثر.

سورن ميكي، وهو رجل سويدي ستيني يعمل سائقاً
لشاحنات ثقيلة، وعَملَ سابقاً في قيادة مركبات النقل العام، أبدى امتعاضه من
العقلية العربية الشائعة التي تحط من قدرات وإمكانيات المرأة، وخاصة في مجال
القيادة، فقال: “حين كنت أعمل في قيادة باصات النقل العام، كان معنا امرأة
تقود باصاً على خطٍ يمر قرب كامب للاجئين عرب. حينها ولفترة طويلة، كنا نستغرب أن
الباص الذي تقوده، لا يصعد إليه ركابٌ عرب، وبعد فترة علمنا أن العرب قد تقدموا
بشكوى لدائرة المواصلات ضد السائقة لاستبدالها بسائق رجل، فما كان من دائرة
المواصلات إلا ان استفسرت عن السبب وراء ذلك، وإن كانت السائقة قد قامت بشيء أثار
مخاوف الركاب من ركوب الحافلة التي تقودها. وكان الرد صادماً لنا ولها ولدائرة
المواصلات، حيث تبين أن مشكلتهم كانت فقط في أنها امرأة، وأنهم لا يثقون بقدرتها
على قيادة حافلة كبيرة، مطالبين بوضع سائق رجل للحافلة”.

سائق سويدي: نحن مندهشون من عنصرية
العرب تجاه المرأة السائقة، وسعيهم للنيل من قدراتها وإحباطها.

يضحك سورن ويقول: “بالطبع رفضت دائرة المواصلات
استبدال السائقة بسائق رجل، وتجاهلت مطلب هؤلاء العرب. لكننا كنا فعلاً مندهشين من
عنصريتهم تجاه المرأة السائقة، وسعيهم للنيل من قدراتها وإحباطها”.

يشار إلى أنه في عام ١٩٩٧ أصدر البرلمان السويدي
قانون خطة ”الرؤية الصفرية”، التي تهدف للوصول إلى عدد وفيات نتيجة الحوادث المرورية،
لا تتجاوز 220 في عام 2020، أو القضاء عليها تماماً.. ولعب التخطيط الجزء الأكبر في
الحد من وقوع الحوادث، حيث وُضِعتْ السلامة كأولوية في مخططات بناء الطرق قبل التفكير
بالسرعة أو الراحة، كما تم تخفيض معدلات السرعة على الطرقات وخاصة داخل المدن، ليصل
إلى ٣٠ كم/س في المناطق السكنية، و١٠ كم/س في المناطق المخصصة للمشاة، بالإضافة إلى
إنشاء طرق مخصصة للدراجات الهوائية، تفصلها عن طرق السيارات حواجز للحماية. وبناء جسور
للمشاة ومعابر مخططة على الطرقات محمية بإشارات ضوئية ومطبات لتخفيف السرعة.

وهكذا فقد بات على اللاجئين في السويد التخلي عن
عاداتهم السيئة خاصة لناحية القوانين، للانخراط في المجتمع السويدي بشكل يضمن
عيشهم بطريقة مريحة. فإنه لمن الحماقة فعلاً، الشذوذ عن القواعد المتبعة في بلد يلتزم
سكانه الأصليون بالقوانين والأنظمة دون وجود رقيب عليهم، ويتقبلون بصدر رحب، ضرورة
منح القادمين الجدد فترة تمكنهم من التأقلم مع النظام الأخلاقي والحياتي الذي
اعتادوا العيش فيه.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *