الرئيسية / رأي / سلق البيض

سلق البيض

ثائر الزعزوع

“أحضري بيضة، ضعيها في إناء ماء، ثم أوقدي النار تحتها وانتظري مدة
تتراوح بين خمس وسبع دقائق، وستصبح البيضة مسلوقة”، بهذا ينتهي واحد من أسهل
وأكثر دروس الطبخ انتشاراً، وهو معروف عالمياً، ويندر أن ترى شعباً لا يسلق البيض
بالطريقة نفسها، ولهذا فلا يمكن لأي شعب أن ينسب لنفسه أكلة البيض المسلوق، لكن كل
شعب من شعوب الأرض يمتلك أكلاته الخاصة به، وهي تختلف في طرق طهوها، وفي مكوناتها،
وتتميز شعوب عن شعوب أخرى في ثقافة الطعام، فلا يمكنك أن تستسيغ طعاماً مطبوخاً
بزيت جوز الهند مثلاً، وربما لا يستسيغ آخرون الأطعمة المطبوخة بزيت الزيتون، بل
ويستغرب آخرون كيف يمكن لعاقل أن يأكل لحم الضفادع، فيما بعض الهنود يعتبرون أكل
لحوم الأبقار كفراً، وتعتبر أقوام كثيرة أن الخبيزة ليست سوى نبات بري لا قيمة له،
فيما يقبل عليها السوريون أينما وجدوا، ويعتبرونها أكلة مميزة، وتمثل تلك الأطعمة
انعكاساً لتميز كل شعب وخصوصيته الثقافية، ولا يمكن اعتبار المختلف عنك
“طعامياً” متخلفاً أو أقل قيمة، وإن كانت دراسات الغذاء تصنف تطور
الشعوب أحياناً، بتطور أساليب الطهي عندها، وتطور مطبخها.

وقد اختلط المطبخ السوري بمطابخ كثيرة، أبرزها المطبخ التركي، حتى لم يعد
أحد قادراً على تحديد أي الأكلات سورية وأيها تركية. وقد استوردنا على مدى سنوات
أنواعاً مختلفة من الأكلات العالمية، حتى صارت جزءاً من ثقافتنا، وهذا مرده إلى
انفتاح ورغبة في التغيير، فلم نعد نعتبر المعكرونة الإيطالية، مثلاً، غريبة عن
مطابخنا، وقس عليه عشرات وربما مئات المأكولات والأشربة، التي أثرت بشكل أو بآخر
في طرق تفكيرنا، وجعلتنا نبتعد بعض الشيء عن هويتنا الثقافية، التي يشكل مطبخنا
ركناً أساسياً فيها. وكذا الحال بالنسبة لكثير من التفاصيل الحياتية الأخرى التي
دخلت حياتنا وصارت تشكل ركناً أساسياً فيها، ولم نعد قادرين، بل وربما راغبين في
إخراجها، دون أن نعتبر ذلك خللاً في شخصيتنا أو هويتنا، التي بتنا الآن في أمس
الحاجة للبحث عنها والتمسك بها، وخاصة في ظل ذلك العبث الديمغرافي الحاصل والخراب
الذي بات مشهداً أساسياً من مشاهد لوحتنا السورية التي لم تكتمل بعد، وإن كنت في
الكثير من الأحيان ميالاً إلى التفاؤل فيما يخص واقع الثورة ومسارها ومآلها، رغم
هول ما يحدث، إلا أني سأقف قلقاً وأنا أراقب ذلك العبث المخيف في البنية المجتمعية
السورية التي أفرزت مجتمعات جديدة، وشعوباً وأقواماً مختلفة كلياً عن أولئك الذين
كانوا موجودين قبل سنوات خمس أو أربع. وإذا كانت عملية التهجير المنظم التي
مارستها آلة النظام القمعية قد أجبرت سوريين على مغادرة سوريا والانتقال إلى عوالم
جديدة، فإن تلك الآلة نفسها قد استجلبت شعوباً أخرى، وقامت بنثرهم في الجغرافية
السورية، كما أنها طردت وبشكل منظم عشرات وربما مئات الآلاف من مناطق سكناهم في
محافظات معينة ودفعتهم للسكن في محافظات ومناطق أخرى، وهؤلاء أيضاً قد جلبوا
تنوعاً مختلفاً لتلك المناطق، ليس بالضرورة أن يكون تنوعاً إيجابياً، إذ إن الحالة
التي يعيشها معظمهم تجبرهم على التأقلم والتخلي عن هويتهم المحلية والتعايش مع
هوية جديدة. فلا يمكن لابن محافظة حمص الذي هجر ليجد نفسه مقيماً في إحدى مناطق
اللاذقية، أن ينسجم بسهولة مع تلك الهوية الجديدة، التي قد يجد نفسه مضطراً
لاعتبارها هويته إن لم يعد إلى هويته الأولى، إذ لا تكمن الهوية في انتمائك السوري
فقط، بل إن هويتك تضيق لتصل بك إلى حي معين من أحياء مدينتك، يجعلك متميزاً عن
أبناء حي آخر، ومختلفاً ثقافياُ عنهم. وهذا الكلام ليس محصوراً في محافظة معينة،
بل هو قاعدة قل الشواذ فيها، فأهل دمشق يميزون بين أبناء المزة وأبناء الميدان،
وأهل حمص يميزون بين أبناء الخالدية وأبناء باب هود، وأهل البوكمال يميزون بين
أبناء طويبة وأبناء الطعس، ولا يمكن لمزاوي أن يصبح ميدانياً ولو أقام في الميدان
عشرات السنوات، فكيف يمكن إعراب الحالة الآن وقد اضطر أبناء باب هود مثلاً
للانتقال كلياً إلى الشيخ ضاهر في اللاذقية، وأجبر أبناء بنش على الإقامة وبشكل
نهائي في إحسم؟

وما دمنا في وارد الحديث عن الاختلاط، والعبث الديمغرافي، فلعل قلائل فقط
هم الذين يعرفون أن الذي اخترع بوري البوظة هو شخص سوري كان يعيش في أمريكا، وكان
هذا قبل أكثر من مئة عام، وما زالت المدارس والجامعات الأميركية تذكر هذه المعلومة
وتقول إن مخترعها هو أميركي من أصول سورية، لكن هل يعلم أحد من هو مخترع البيض
المسلوق؟

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *