في المسافة بين اللون وظله، عاش عمر حمدي، وفي المسافة بين الغربة وقهرها
وبين وطن يبعدك عن عشه، مات.
عمر حمدي أو مالفا الفن التشكيلي الكردي السوري، الذي ولد في قرية تل
نايف في محافظة الحسكة، لأسرة فقيرة جدا وبيت من الطين بغرفة واحدة، عام 1951، عاش
طفولة جارحة، وبدأ شغفه بالرسم يظهر منذ سنواته الأولى ويمنعه دائما من أن يرسم.
لكن عمر، وبدعم أمه، درس الفن في معهد لسنتين، متأملا فقط أن يعين مدرسا للفنون.
في السنة الأولى لتخرجه، جاء اسمه مع عدم الموفقة ضمن قائمة كبيرة من الشباب الكرد
الممنوعين من التوظيف، لكن مدير التربية عاد وعطف عليه وسمح له بتدريس الفنون ضمن
ساعات خارج الملاك. منذ طفولته، حلم عمر حمدي بإقامة معرض في دمشق، لذلك جمع بعض
النقود من أجور تدريس ساعات الفنون، ليشتري موادا للرسم. رسم عدة لوحات مذهلة،
حملها ونزل فيها إلى دمشق، وكانت المرة الأولى التي يزور فيها المدينة. هناك، بعد
وصوله إلى وزارة الثقافة وطلبه بإقامة معرض، حدد له موعد بعيد في إحدى الصالات
البعيدة، ولم يحضر الافتتاح أحدا سوى بواب البناية، وخلال أسبوع كامل، لم يزر
المعرض إلا عدد قليل جدا. عندها، جمع الفنان الشاب لوحاته وأحرقها جميعا في مكان
ما، وبقي فقيرا وممنوعا من التوظيف. سافر إلى فيينا عام 1978، ليبدأ بالرسم وليظهر
موهبة أثبتت نفسها في أوروبا، ولتعش الحسكة وريفها دائما في ألوانه وفي موضوعات
لوحاته. شغل عدة مناصب أبرزها عضوية الاتحاد العام للفنانين النمساويين واليونسكو،
كما كان عوضا في الكونستلر هاوس في فيينا، وترأس لجنة التحكيم في غاليري أرت فورم
للفن المعاصر في نفس المدينة، وقد اقتنى أعماله عدد كبير من تجار الفن في العالم،
إذ عرضت في صالات عرض ومتاحف العديد من الدول في مختلف قارات العالم. له عدة
مؤلفات منها: مالفا عمر حمدي، الحياة واللون باللغة العربية، ومين مين الفن
العالمي، وقاموس عالم النقد الفني باللغة الإنكليزية.
سكنت الثورة السورية ووجعها لوحات عمر حمدي الأخيرة، وجعلت الرمادي ينطق
بوجع الفنان المهجر عن بلد تبحث عن الحياة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث