صدى الشام ـ عمار الحلبي /
مظاهراتٌ فمعاركُ فحصارٌ فتجويعٌ فتهجيرٌ ثم تفريغ.. هكذا ينتزع النظام السوري المدن والبلدات الثائرة ضدّه واحدةً تلو الأخرى، بعد أن شرع باستخدام تكنيكٍ جديد في معاركه ضد الثوار، عبر فرض الحصار الخانق على المدنيين والمقاتلين في المناطق الثائرة، لإجبارهم على مغادرتها لاحقاً في إطار تسوية يعقدها مع وجهاء هذه المدينة أو تلك.
يندرج هذا الأمر ضمن عملية “التغيير الديموغرافي” التي يحذّر خبراء من أنها ستجتاح سوريا قريباً، عبر توطين مقاتلين موالين لنظام الأسد سواء من جنسيات سورية أو عراقية ولبنانية وإيرانية، وهو ما سيؤدي لفقدان الأهالي الذين غادروا مدنهم حق العودة إليها.
توثّق “صدى الشام” في هذا التحقيق، سلسلة المناطق التي حاصرها النظام إلى حد التجويع الممنهج، ثم فرض تسوية عليها تنص على إخراج أهلها منها.
حمص القديمة أُولى مدن التهجير
بداية التهجير كانت من حمص القديمة، حيث تشير البيانات المعلنة للمكتب المركزي للتعبئة والإحصاء الرسمي، أن عدد سكان المدينة في عام 2010 كان 1.5 مليون نسمة، فيما انخفض هذا العدد اليوم إلى 200 ألف نسمة بحسب تقديرات النشطاء، وسط غياب لأي إحصائية رسمية، أي أن حوالي 80% من سكّان المدينة تم تهجيرهم.
بدأ النظام حلمته العسكرية على حمص، بعد انطلاق الثورة بأسابيع على خلفية خروج مظاهراتٍ بأعدادٍ هائلة حينها. ووثّقت “صدى الشام” سلسلة المجازر التي ارتكبها النظام في المدينة منذ الأسابيع الأولى للثورة وحتى بدء حصار المدينة:
| المجزرة | تاريخها |
| مجزرة حي الساعة | 18 نيسان 2011 |
| مجزرة مقبرة حي النصر | 21 أيار 2011 |
| مجزرة حي الخالدية | 3شباط 2012 |
| مجزرة بابا عمرو | 26 شباط 2012 |
| مجزرة كرم الزيتون والعدوية | 11 آذار 2012 |
| مجزرة كرم اللوز | 14 آذار 2012 |
| مجزرة حي الشمّاس | 15 أيار 2012 |
| مجزرة دير بعلبة | 29 كانون الاول 2012 |
بدأ النظام حصاره على المدنيين والمقاتلين داخل حمص القديمة في 7/6/2012، وانتهى الحصار بتفريغ حمص القديمة من سكانها ومقاتليها في 4/5/2014، وذلك بموجب اتفاق تم التوصل له، أدى لإخراج المقاتلين البالغ عددهم 2250 مقاتلاً، إضافة إلى المدنيين الذين كانوا محاصرين معهم في المدينة.
قزحل وأم القصب والتفريغ المُمنهج
تنتمي قريتا قزحل وأم القصب إلى ريف حمص الغربي، وقد بلغ عدد سكانهما 8 آلاف نسمة، تعرّضت المدينتان لحصارٍ شديد، نتيجة دخول فصائل المعارضة إليهما، وذلك كما حدث في كثيرٍ من المناطق في سوريا.
وبعد فترة من شراسة العمليات العسكرية عليهما، وافق وجهاء قزحل على توقيع “اتفاق” مصالحة من قوات النظام في 12 حزيران الماضي، حيث تم الاتفاق على إيقاف الحصار والعمليات العسكرية والسماح بتنقل الناس بحرّية.
تقول “اللجنة السورية لحقوق الانسان” التي أعدّت تقريراً مفصّلاً عن المدينة إنه بتاريخ 14 حزيران (أي بعد يومين من توقيع الاتفاق)، دخلت مجموعة من قوات الأمن إلى القرى واعتقلت ثلاثة شباب، ما أدى لوقوع اشتباكات بين شباب قزحل وقوات النظام بالأسلحة الخفيفة، فُقتل شابان من القرية واعتُقِل عدة عناصر من قوات النظام المقتحمة.
ردّت القوات النظامية بحملة عسكرية شرسة وضربت طوقاً حول القرى، تشكّل على إثرها لجنة تفاوض ضمّت مدير أوقاف حمص عصام المصري، ورئيس فرع أمن الدولة، حيث تم التوصل إلى اتفاق تعهد فيه النظام بوقف القصف وإخراج المقاتلين من قزحل وأم القصب من طريق آمن مع عائلاتهم بحافلات تحملهم وسلاحهم إلى بلدة الدار الكبيرة الواقعة قرب قزحل، والتي تقع تحت سيطرة الفصائل المعارضة، مقابل تعهّد النظام بعدم الدخول إلى القريتين وعدم المساس بأي شخص يختار البقاء في بيته.
في اليوم التالي أتت الحافلات وخرج ما يقارب الـ 4000 شخص من القرية نحو الريف الشمالي، وما إن خرج المقاتلون وأهاليهم من القريتين حتى دخلت مجموعات للنظام من القرى المحيطة الموالية له، وقامت بعمليات قتل وذبح وسرقة بحق من تبقى في القريتين حيث قدر عدد العوائل المتبقية بـ30 عائلة، بحسب ما أفادت “اللجنة السورية لحقوق الانسان”، التي نقلت عن أحد الناجين من القرية أنه ذُبح ثلاثة مسنين بالسكاكين وقُتل 18 شخص آخرين برصاص القوى الأمنية.
الوعر ومخاوف التفريغ
أكثر من ثلاث سنوات مرّت على حوالي مئة ألف مواطن محاصر في حي الوعر الحمصي.
كان الوعر من الأحياء التي ثارت ضد الأسد، وشهد مظاهراتٍ كبيرة، تطوّرت لاحقاً إلى مظاهر مسلّحة، انتهت بحصار النظام للحي قبل نحو ثلاث سنوات، ومنع الأغذية والمعونات والمعدّات الطبية من الدخول لإغاثة المدنيين داخله.
تؤكّد مصادر خاصة لـ “صدى الشام” من داخل الحي، بأن الدفعة الأولى من الأهالي في الحي ستخرج إلى إدلب في نهايات شهر أيلول الجاري، على غرار ما جرى في داريا وحمص القديمة وغرب دمشق. حيث شهد الحي وقفاً لإطلاق النار قبل أيام، تنفيذاً لبنود هدنة كان قد وقّعها ممثلون عن الحي مع سلطات النظام في 1/12/2015، تقضي بفتح الطرقات ووقف القصف على الحي وإطلاق سراح المعتقلين، إلّا أنَّ البند الأخير تنازلت عنه اللجنة التي تفاوض عن الحي، واكتفت فقط بإطلاق سراح حوالي 200 معتقل، كان النظام قد اعتقلهم خلال تنفيذ الهدنة، بينما يبقى آلاف المعتقلين من الحي مجهولي المصير.
وكان حي الوعر قد استقبل عشرات الآلاف من النازحين من أحياء حمص القديمة وبابا عمر والسلطانية خلال السنوات الماضية، ولكن النسبة الأكبر من السكان خرجوا من الحي بعد اشتداد القصف عليه.
الصحافي “أسامة أبو زيد” الموجود داخل الوعر، قال في حديث خاص لـ “صدى الشام”، أن “النظام يطالب اليوم بإخراج دفعة من المقاتلين في المنطقة إلى شمال سوريا، في محاولةٍ منه لتنفيذ خطّته بتفريغ الحي”، مشيراً إلى أن المقاتلين في الحي هم من أبنائه، وإخراجهم مع عائلاتهم يعني بالضرورة إخراج سكان الحي وتسليمه فارغاً للنظام.
وأضاف أبو زيد: “يحتوي حي الوعر على مئات المقاتلين مع عتادهم إضافة إلى 7 آلاف مطلوب بالأسماء يسعى النظام لاعتقالهم”، لكنّه أوضح أن “السكان يواجهون فكرة الخروج برفضٍ شديد”، حيث بقي مصير الحي معلّقاً حتى الآن دون مصيرٍ واضح.
تفريغ الزبداني
في شباط/ فبراير من عام 2012، سيطر النظام السوري مدعوماً بميليشيا حزب الله على مدينة الزبداني، بعد معارك مع مقاتلي المدينة. لكن رغم سيطرته على المدينة عاد النظام لينسحب منها ويضرب طوقاً من الحصار حولها.
بعد أكثر من عامين قام النظام بشن هجوم على الزبداني التي ثارت مبكّراً، مكثّفاً القصف فوق المدنيين، ما دفع معظم المدنيين داخلها إلى النزوح للبلدات المجاورة فيما بقي محاصراً داخلها حوالي 150 مواطنا ومقاتلا، في منطقة صغيرة وسط المدينة، وتتوارد معلومات عن نقلهم إلى شمال سوريا قريباً.
وبحسب مصادرَ ميدانية خاصة لـ”صدى الشام”، فأن النظام انسحب من الزبداني مسبقاً رغم سيطرته عليها، لأنه يريدها فارغةً من سكّانها استناداً لأوامر إيران، التي طلبت منه مدن غربي دمشق دون سكان.
وأضافت المصادر أن إيران تسعى للحصول على المدن الحدودية القريبة من الحدود اللبنانية، لتضع فيها سكّانا “شيعة” موالين لها، على غرار ما حصل في مدن السيدة زينب والذيابية والحسينية جنوبَ دمشق.
ممرات روسيا الآمنة بحلب
لم تمضِ أيام على حصار النظام السوري لأحياء حلب الشرقية في 17 تموز/ يوليو الماضي، حتى عرضت روسيا خطةً كانت جاهزة لإفراغ المدينة من سكانها، حيث أعلن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغر في 28 تموز، أن روسيا بالتعاون مع النظام، ستطلق علمية “إنسانية” واسعة النطاق في حلب، لمساعدة السكّان الذين وصفهم بأنهم “رهائن للإرهابيين”، مشيراً إلى فتح 4 ممرات، ثلاثة منها للمدنيين وواحداً للمقاتلين. إلا أن الهجوم العنيف الذي شنّته غرفة عمليات فتح حلب على جنوب المدينة أدى لإعادة كسر الحصار عن السكان الذين يُقدّر عددهم بـ 300 ألف مدني نصفهم من النساء والأطفال.
عادت حلب مجدّداً تحت لحصار، وسط تضارب أنباء عن نية النظام تفريغ المدينة من سكانها، الذين يرفض أغلبهم الخروج، رغم ما يروج له النظام عن مناشدتهم له بتأمين ممرات آمنة
وقال الناشط الصحافي أحمد عبد الله، الموجود شرقي حلب، لـ “صدى الشام”: “إن إخراج 300 ألف مدني دفعة واحدة من مناطق سكنهم ليس بالأمر السهل”، وأضاف عبدالله أن النظام كُف من قصفه الجوي على أحياء حلب الشرقية ليجعل الأهالي يرضون بمغادرة مدينتهم، غير أن الغالبية من أهل حلب يرفضون الخروج، رغم ما يروج له النظام عن رغبتهم بتأمين ممرات آمنة للخروج.
وأشار عبد الله إلى أن “النظام لم يتحدّث عن أي هدنة شرقي حلب قبل أن يسيطر على طريق الكاستيلو، فلماذا أعلنها فور حصاره للمدينة؟”.
داريا وحكاية السنوات الأربع
حاصر النظام مدينة داريا أواخر عام 2012، بعد محاولاتٍ كثيرة لاقتحامها باءت بالفشل، ما دفعه لحصار المدينة لمدة أربع سنوات، منع خلال إدخال الأغذية أو المواد الطبية، تزامناً مع عشرات البراميل والغارات التي تضرب المدينة يومياً، حيث أقدم النظام على حرق المدينة بكل الأسلحة المتاحة.
داريا المدينة الأكثر صموداً على الحصار بتاريخ الثورة السورية، تبعد عن العاصمة 8 كيلو متراً فقط، ويفصلها حزام “المتحلق الجنوبي” عن حي المزة الدمشقي.
انخفض عدد سكان المدينة من 250 ألف قبل الثورة إلى حوالي 8 آلاف، عندما شرع النظام بتفريغها بموجب تسوية نصّت على نقل الأهالي والمقاتلين إلى الشمال السوري، لتنضم إلى سلسلة المدن التي يفرّغها النظام من سكانها.
وقال العميد الركن أحمد رحّال في حديثٍ لـ “صدى الشام”: “إن داريا سقطت عسكرياً قبل شهرين من التسوية التي نصّت على تفريغها”، مشيراً إلى أن نظام الأسد، لا يريد الدخول إلى المدينة عسكرياً ومواجهة عداء سكّان هذه المناطق، ومن جهة أخرى فإنه يريد المناطق فارغة لتنفيذ مخطّطات توطين الفئة الموالية له لاحقاً بها.
وأشار رحال إلى أن النظام بإمكانه السيطرة على حي الوعر عسكرياً، إذا شرع في شن حملةٍ ضد المقاتلين الموجودين داخله والمقدّر عددهم بالمئات، إلا أن تفريغ الحي يصب بمصالح النظام أكثر من الدخول إليه خلال وجود سكّانه به.
المعضمية وشبح التفريغ
كغيرها من المدن السورية، ردّ النظام على خروج أهالي المعضمية ضده بحصارٍ خانق، قبل أن يرتكب عدة مجازر بحق أبنائها، وأبرزها مجزرة كيماوي الغوطة، حيث تعتبر المعضمية المدينة الوحيدة بغوطة دمشق الغربية التي طالها سلاح الكيماوي آنذاك.
يقدر عدد القتلى من أبناء المدينة خلال الثورة بحوالي أكثر من 2500 قتيل، فيما توفي 11 مدنياً من سكان المعضمية جوعاً بسبب الحصار الذي فرضه النظام.
فصل النظام المعضمية عن شقيقتها داريا خلال عملية عسكرية شنّها قبل أشهر، ليزداد إطباق الطوق حول المدنيين البالغ عددهم حوالي 30 ألفاً. وقد قام النظام مؤخرا بإجلاء سكان داريا الذين كانوا قد نزحوا إلى المعضمية، كخطوة أولى في تفريغ المدينة، وسط معلومات تشير لاتفاقٍ قريب يقضي بترحيل أهل المعضمية إلى الشمال السوري، وذلك تزامناً مع تفريغ داريا وحي “بساتين الرازي” القريب منهما، والمجاور للقدم والعسالي، حيث باتت رقعة كبيرة من جنوب غرب دمشق تحت سيطرة النظام.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث