عبد
القادر عبد اللي
التهبت
وسائل الإعلام العربية على اختلاف توجهاتها و(شقيقاتها) التابعة للولي الفقيه،
بخبر قبول أرضوغان بمرحلة انتقالية مع الأسد، ومنها ما كانت قرع طبول بالنصر،
وشماتة، ومنها ما جاءت متشفية كأن لها ثأر يعود لأجيال وأخذته…
بداية،
إذا كان من حقنا اتخاذ موقف ما من أي قضية تخصنا أو لا تخصنا، يجب أن نقبل بمواقف
الآخرين، وأن ننتقدها إذا كنا نراها غير أخلاقية، ولا تناسبنا. ولكن القاعدة
“الشرعية” لمن يؤمن بتحكيم الشرع تقول: “يا أيها الذين آمنوا إذا
جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم
نادمين” (الحجرات 6) فهل هناك من تبيّن؟ خاصة وأن المصدر الذي نقل
“الكذبة” كان قد كذب واحدة أخرى مثلها، بل وأنكى منها قبل سنة وثمانية
أشهر ونصف بالضبط، عن لسان رئيس الجمهورية التركية أيضاً، ولكن الرئيس يومئذ كان
عبد الله غول، وأعلنت وكالة الأنباء “الفرنسية” بالعربية فقط، أن عبد
الله غول وجه سفراء بلاده في اجتماعه السنوي معهم، للتحضير لتغير موقف بلاده من
النظام السوري. والكلام كله يومئذ مؤلف بالكامل…
خلال
ساعات صدرت مئات المقالات، والتحليلات الاستراتيجية المعمقة، والرؤى، والنقاشات
والجدل…
من
ناحية أخرى انقسم مواطنو الفيس بوك السوريون في الوطن والشتات إلى قسمين:
“قسم يشتم ويلعن” و”قسم يبرر”، وبعد ساعات فقط، دخل هذان الفريقان
بمعركة كلامية ألهبت الفيس بوك…
المشكلة
أن الشتّام شتم بناء على خبر كاذب، والمُبرر برر قولاً غير مقبول إن قيل، ولكن
لصاحبه الحق بقوله، بمعنى آخر كلاهما “منحبكجي”، وكلاهما أقدما على فعل
يفرض “الندامة”… والأنكى من ذلك أن من يدخل بين هذين الفريقين ليقول:
“إنكما مخطئان ليس هناك شيء كهذا، والخبر كاذب”، يقص لك الخبر الكاذب،
ويلصقه بوجهك باعتباره دليلاً لا يأتيه الباطل من أمام ولا من خلف…
وسط
هذا الصخب، ذكّر صديقي نجم الدين السمان بما يلي: التسريب الإعلامي.. نوعان، الأول تقوم به جهة ُ ما.. لإحراجِ جهةٍ ما؛ وافقت على شيءٍ ما في
الكواليس ولا تريد أن تُعلِنَه. الثاني.. تقوم به
جهةٌ ما لتشويه صورة جهةٍ ما؛ بنسبِ أقوالٍ لها.. لم تقلها؛وقد يتمّ
الاعتذار لاحقاً؛ بحجة وجود التباسٍ في الترجمة.
يمكن أن ينطبق هذا الكلام –أي التسريب الإعلامي-
على “التلفيق الإعلامي” أيضاً، ولعل تلفيق خبر عبد الله غول حول الموقف
من النظام السوري سابقاً، وتحريف كلام رجب طيب أرضوغان عن المرحلة الانتقالية
لاحقاً ينطبق عليه السبب الثاني، ولكن الوكالة الفرنسية أكبر من أن تعتذر، أو تقول
خطأ في الترجمة…
ولكن لنفترض أن مجلس الأمن اتخذ قراراً ملزماً
بخطة ما للحل في سورية، ومن الطبيعي أن تكون الخطة غير مرضية لطموحات الشعب السوري
بكل تنوعاته وتشكيلاته. فهناك من لا يتنازل قيد أنملة عن الخلافة، وهناك من لا
يتنازل قيد أنملة عن الإمارة، وهناك من يتمسك بدولة الأمة الإسلامية دون تحديد شكل
هذه الدولة، ودستورها، وقوانينها، ومؤسساتها، ونظامها الاقتصادي، ماذا سيفعل
هؤلاء؟ ومن سنشتم؟ هل نشتم الدول الدائمة العضوية في الأمم المتحدة التي طبخت
القرار، أم اللوكسمبورغ لأنها وافقت على قرار مجلس الأمن؟ طبعاً هذا ما قاله رئيس
الجمهورية التركية بالضبط. “فيما لو اتخذ قرار، فيجب عدم القبول به”،
ولكن وهل تستطيع “الدول الداعمة” الاستمرار بالدعم فيما لو اتخذ قرار
كهذا؟ طبعاً سيقول البعض إننا لسنا بحاجة لدعم، ولكن هذا كلام خيالي، لا يمكن لأحد
أن يعيش دون دعم، ومصادر تمويل…
دخلت القضية السورية منعطفاً جديداً، ومن أهم
مظاهره تراجع دور تركيا. سيتراجع دور تركيا أكثر بالتأكيد، ولكنه لن يلغى نهائياً،
ودور تركيا تراجع منذ انطلاقة الثورة السورية إلى اليوم شوطاً كبيراً، والعلاقات
الدولية، والموقف الأمريكي هو العامل الأساس في هذا التراجع… سأضرب مثالاً
واحداً فقط يمكن أن يعطي فكرة: قبل فترة ليست طويلة، كانت وسائل الإعلام الغربية
كلها توجه الاتهام لتركيا بدعم داعش، وتقويتها، وتسريب مقاتليها (ويردد الناشطون
السوريون هذه الاتهامات كالجوقة)، اليوم تقول هذه المصادر نفسها إن سبعين بالمائة
من مقاتلي داعش الأجانب، دخلوا عن طريق سورية والعراق! والتغيير بالموقف الغربي لا
يأتي مجاناً، لا بد أن تركيا رضخت لضغوط الولايات المتحدة الأمريكية، وقدمت لها
تنازلات! ويمكن أن تشكل الضغوط الروسية مع شقيقتها الأمريكية غداً، عبئاً أكبر على
تركيا، وتتراجع عن بعض مواقفها الحالية، فهل هناك من يستعد لهذا الأمر؟
المشكلة أننا نصدق كل شيء، ودون النظر إلى المصدر؛
يقول أحدهم فلان لص، تصرخ الجوقة أكبر لص، يقال فلان خائن، تردد الجوقة أكبر
خائن… ثم نقول لماذا لا يقف العالم معنا؟ إنه عالم عاهر منافق… من ناحية عالم
عاهر منافق، فهو كذلك، ولعل السياسة كلها كذلك، حتى لو لبست لبوساً دينياً
وأخلاقياً، ولكن لماذا لا يقف العالم معنا؟ فهذه تحتاج إلى وقفة، فهل نحن نقف مع
أنفسنا؟ وإذا كنا لا نقف مع أنفسنا، هل يحق لنا أن نطلب من الآخرين الوقوف معنا؟ نحن
طيبون جداً… وما زلنا بوضع “كلمة تأخذنا، وكلمة تجلبنا”، بحسب قول
المثل… وكل كذبة وأنتم بخير…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث