أحمد العربي
في منتصف الشهر السابع من عام 2009، أُبرمت اتفاقية
في العاصمة التركية أنقرة، تمهد الطريق أمام إقامة مشروع خط أنابيب غاز ضخم لنقل الغاز
من آسيا عبر الأراضي التركية في اتجاه دول الاتحاد الأوروبي، ويصب في مستودعات كبيرة
للتخزين تقع في بلدة حدودية داخل النمسا تسمى Baumgarten an
der March، وشارك
في التوقيع على هذه الاتفاقية إضافة إلى تركيا وأذربيجان، أربع دول أعضاء في الاتحاد
الأوروبي: بلغاريا، رومانيا، المجر، النمسا، التي من المنتظر أن يمر بها الأنبوب، بحضور
ألمانيا التي تشارك في تنفيذ المشروع، إلا أنها لم توقع على اتفاقية العبور كونها ليست
بلد العبور، وبحضور رئيس المفوضية الأوروبية، جوزي مانويل باروسو، وكذلك حضور المبعوث
الخاص من قبل رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما، لشؤون الطاقة في أوراسيا ريتشارد
مورنينجستار، الذين شاركوا في فعاليات التوقيع على الاتفاقية، مؤكدين بعبارات لا تقبل
الشك تبني حلف الأطلسي ودعمه السياسي والاستراتيجي لمشروع «نابوكو».
المصالح التركية:
إن التوقيع على هذا المشروع سيستميل أهم دولة آسيوية
لأوروبا والولايات المتحدة، وعضو في حلف الناتو، وهي تركيا، التي ترى أن هذا الأنبوب
الذي سيكون أكثر من ثلثي طوله في تركيا، سيعزز من دورها الأوروبي وقبولها لدى الاتحاد،
كما هي رغبة الولايات المتحدة كذلك، وأن تركيا في حال نجاح المشروع، ستجني مبلغاً كبيراً
من خلال مرور ذلك الأنبوب «نابوكو»، أي نحو 630 مليون دولار، كرسوم عبور سنوية، كما
أنه سيمكنها، في حال ملئه بالغاز، شراء حاجاتها من ذلك الغاز بسعر مخفَّض.
ولكن الأهم من كل هذا هو تقديم تركيا نفسها على أنها
لاعب أساسي في مسار خط أنابيب «نابوكو»، وميزة تركيا هي موقعها بجوار نحو 70 في المائة
من الاحتياطيات المعروفة في العالم من النفط والغاز في الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه
تقع بجوار واحدة من أكبر المناطق المستهلكة في العالم، وهي أوروبا.
وأمل تركيا هو الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي
وتوقعها بأن يعمل مشروع نابوكو على ترسيخ مكانتها أوروبيا من خلال العمل على أن تكون
مركزا للطاقة بالنسبة إلى الغرب، حيث إن خط نابوكو سينضم إلى عدد آخر من خطوط أنابيب
الغاز التي تمر عبر تركيا.
والمتتبع للمساعي التي تبذلها تركيا للانضمام إلى
الاتحاد الأوروبي، يرى أن مشروع نابوكو يصب في جهد تركيا الحثيث لتقييم أهليتها للعضوية
واجتيازها العقبات الـ 35 بفصولها المتعددة، والتي وضعت أمام تركيا للانضمام إلى عضوية
الاتحاد الأوروبي منذ أن أطلق الاتحاد الأوروبي المفاوضات لعملية انضمام تركيا إلى
الاتحاد عام 2005، والتي ليست مضمونة عند انتهاء العملية التي قد تستغرق حتى عام
2015 على الأقل، نظراً لعرقلة كل من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والمستشارة الألمانية،
وكذلك المستشار النمساوي، ومعارضتهم العلنية انضمام تركيا إلى الاتحاد بسبب خلفيتها
الحضارية الإسلامية وتعدادها السكاني الكبير وفقرها النسبي، مفضلين في ذلك أن تمنح
تركيا شكلا من أشكال العلاقة الخاصة التي لا ترقى إلى العضوية الكاملة.
مشروع نابوكو يصب في جهد تركيا الحثيث
لتقييم أهليتها للعضوية واجتيازها العقبات الـ 35 بفصولها المتعددة، التي وضعت أمام
تركيا للانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي.
وتوجه تركيا في هذا النهج من خلال مشروع نابوكو،
يؤكده تصريح رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، يوم التوقيع على الاتفاقية، حينما
قال: «حتى إن قمتم بتقييم من ناحية الطاقة فحسب، يتضح أنه ينبغي أن تكون تركيا عضواً
في الاتحاد الأوروبي».
ويأتي تبني تركيا هذا المشروع بهذا الحماس منقطع
النظير، والذي وقعت عليه دول العبور كالنمسا، إضافة إلى ألمانيا بوصفها شريكاً في هذا
المشروع، حيث إن دولتين أوروبيتين من الدول الثلاث المعارضة لانضمام تركيا شاركتا في
المشروع الذي سيبدأ الإمدادات عام 2014، أي قبل الموعد المأمول لانضمام تركيا إلى الاتحاد
بعام واحد فقط، والذي سيحتم على كل من النمسا وألمانيا إسقاط اعتراضهما على قبول تركيا
لعضوية الاتحاد، وبقيت فقط فرنسا ورئيسها ساركوزي، الذي لا يزال معارضاً دخول تركيا
في الاتحاد، حيث أكد في مقابلة له مع صحيفة ألمانية Bild am
Sonntag، ومتوجهاً
لألمانيا والنمسا بعد التوقيع على نابوكو: “دعونا نكفّ عن قطع الوعود الفارغة
إلى تركيا”.
أنقرة تعي تماماً هذه الحقائق القاسية، لكن في هذا
الوقت، يمدها نابوكو بشعور بالسعادة، باعتبار أن تركيا أصبحت تقريباً جزءاً من أوروبا،
ويعتبر ذلك نجاحاً باهراً لتركيا حيث إنها كسبت ثلثي المعارضين لقبولها في عضوية الاتحاد
المأمولة.
سبب الصراع على سورية
إن إعادة إنعاش هذا المشروع وتبنيه يعد من جميع النواحي
مغامرة سياسية أمريكية، وبالطبع بتابعية أوروبية. وأمريكا تراهن على أن نابوكو هي ورقة
رابحة في يد الأوربيين كرد حاسم على الاستراتيجية الروسية التي تنفرد بإمدادات الطاقة،
وما عملته طوال السنوات الماضية لتفريغ نابوكو وسلبه من الضمانات الكافية لنجاحه من
الإمداد والقدرات.
لكن ما زال الوضع كما هو قبل التوقيع وبعد التوقيع
على «نابوكو»، وهو من أين سيأتي الغاز الذي سيملأ أنبوب نابوكو؟ وبأي حجم؟ ولأي مدة
زمنية؟ وعلى الرغم من غياب تلك الحقائق وعدم يقينية المصدر، إلا أن مشروع نابوكو من
وجهة نظر أمريكا والأوربيين، ما زال يعد استراتيجيا مهما على صعيد مواجهة أمريكا مع
روسيا وتحجيم مناورة روسيا إقليمياً، كما أن هذا المشروع الاستراتيجي يلبي رغبة الاتحاد
الأوروبي في إسقاط ما يعدّه الأوروبيون ورقة مبيعات الغـاز من يد روسيا.
ويرى كثيرون أن المصدر المزود لهذا الأنبوب سيأتي
ربما من مصر والعراق، ولكن حتى هذا التخمين غير صحيح، فكل ما تمتلكه مصر من احتياطي
غاز قدره 1.6 مليار متر مكعب، حسب إحصائيات عام 2006.
كما أن إنتاجها كاملا مباع مقدماً لسنوات طويلة للكيان
الصهيوني ولمشاريع الإسالة، ولا يتبقى شيء منه لإمداد خط نابوكو. ولو افترضنا جدلاً،
أن لديها فائضا قليلاً عن التزاماتها تجاه الكيان، فقلة هذا الفائض -إن وجدت -لا تبرر،
على الأقل اقتصاديا، تكلفة مد خط أنابيب إضافي من ميناء عسقلان إلى ميناء شيخان التركي،
كما أن إنتاج مصر كاملا، ولو تضاعف مثلاً، ولو كان جدلاً مخصصاً لمشروع نابوكو، فليس
مبرراً لإنشاء خط ذي السعة البالغة 31 مليار متر مكعب في السنة.
أما العراق، فهو الآخر غير مؤهل بأن يكون المزود
لهذا الأنبوب، فلقد أعلن قبل أسبوعين من تاريخ اتفاقية نابوكو أن كمية الغاز التي ستنتجها
كردستان هي 1.5 مليار قدم، وربما ترتفع إلى الضعف بحلول عام 2014م، أي عند بدء عمل
نابوكو.
من هنا نرى أن مربط الفرس هو الخليج العربي المؤهل
لتزويد الغاز الكافي لـ «نابوكو»، ومن إيران على وجه الخصوص. وعلى الرغم من تأكيدات
الولايات المتحدة معارضة واشنطن استعمال الغاز الإيراني في نابوكو، إلا أن المواقف
السياسية مهما بلغت عدائيتها فإنها تتبدل، وتبقى مصالح الشعوب هي الحكم في العلاقات
وتبادل المنافع. والمصلحة الإيرانية
الأمريكية، وأسباب التورط في الأزمة السورية ستكون موضوع المقالة القادمة.
مربط الفرس هو الخليج العربي المؤهل لتزويد
الغاز الكافي لـ «نابوكو»، ومن إيران على وجه الخصوص. وعلى الرغم من تأكيدات الولايات
المتحدة معارضة واشنطن استعمال الغاز الإيراني في نابوكو، إلا أن المواقف السياسية
مهما بلغت عدائيتها فإنها تتبدل.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث