بعد هروب الأسر السورية من جحيم وطنهم نتيجة إرهاب نظام الأسد،
لجأت العائلات السورية بمن تبقى من أطفالها، إلى أماكن تحوي الأمان والعدالة الاجتماعية،
لكن ذلك لم يكن بالأمر السهل، إذ تمثل العائق الأكبر بالنسبة للاجئين الجديد في
السويد في قانون سحب الوصاية من الوالدين، لتضطر بعض الأسر للرجوع إلى البلد الأم
رغم الحرب، أو التظاهر والتعبير عن غضبها وعدم رضاها اتجاه هذا القانون، والذي قد
يبدو من جهة التشريع الواضعة، أنه يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية الطفل، حسب
القانون السويدي ومعاهدة حقوق الطفل التي وقعت عليها السويد.
المتعلق برعاية الأطفال، وهو مصدر قلق لكثير من الوافدين إلى السويد، الذين لم يتمكنوا
بعد من فهم فحوى هذا القانون، الذي يحمي الأطفال في السويد من التعنيف اللفظي أو الجسدي
أو إساءة المعاملة.
مصادرة حق الوالدين برعاية أطفالهم، وانتزاعهم من عائلاتهم، هو أمرٌ قانوني
وشائع في السويد، وتلجأ إليه عادة السلطات الاجتماعية عندما يتم اتخاذ قرار بأن أحد
الوالدين أو كليهما، غير قادرين على رعاية وتربية الأطفال بطريقة سليمة، فتقوم الدولة
بانتزاع الأطفال من ذويهم، وتدبير أمور تربيتهم في عائلات بديلة.
مصادرة حق الوالدين برعاية أطفالهم، وانتزاعهم من عائلاتهم،
هو أمرٌ قانوني وشائع في السويد، وتلجأ إليه عادة السلطات الاجتماعية عندما يتم اتخاذ
قرار بأن أحد الوالدين أو كليهما، غير قادرين على رعاية وتربية الأطفال بطريقة سليمة.
“فقدت أولادي في السويد”
السيدة /س. م/ تروي بحرقة والدموع ملء عينيها، حكايتها مع قانون سحب الوصاية،
فتقول:
“كانت هناك خلافات مستمرة بيني وبين زوجي حتى قبل مجيئنا إلى السويد،
وكانت ابنتي وابني قد اعتادا على شجارنا المتكرر.. لكن بعد وصولنا إلى السويد وحصولنا
على الإقامة بأشهر قليلة، فوجئنا بقرار السوسيال (الخدمة الاجتماعية) بسحب وصايتنا
عن ابنتنا البالغة 16 سنة، وبعدها بفترة قصيرة عن ابننا الذي يكبرها بعام واحد”.
وتضيف: “الامور لم تكن بهذا السوء، كنا عائلة جيدة. نعم لدينا بعض الخلافات،
لكننا كنا نتدبر أمورنا. أحد الجيران هو من تقدم بشكوى ضدنا، لا أدري لِمَ حشر أنفه
في أمورنا الشخصية، نحن لم نتدخل يوماً في حياة أحد، لكن الجميع تدخلوا في حياتنا الخاصة.
أبنائي كانوا بخير، كانت مجرد خلافات بيني وبين زوجي، لم يكن لهم أية صلة بها”.
وحول محاولات استعادة ولديها، تقول الأم والحزن يؤرق جفنيها: “حاولنا
كثيرا استرجاع أولادنا، كانوا دائما يَعِدوننا بإرجاعهم ولكنهم لم يكونوا صادقين. ثم
بدأوا يمنعون لقاءاتنا بهم، ويدّعون أنها رغبة ولدينا.. كلهم كاذبون، لقد أخفوا أولادنا
في مكان لا نعرفه، وحرمونا منهم للأبد”.
سخطٌ من الأهالي
الطفل في السويد، سواء كان سويدي الجنسية أو مقيماً على الأراضي السويدية
من أي جنسية أخرى، له قدسية ترقى إلى أعلى المراتب، وذلك بموجب القانون السويدي ومعاهدة
حقوق الطفل التي وقّعتْ عليها السويد عام 1990م، وقد دأبت الحكومة السويدية منذ عام
2011 على إلزام القادمين إلى السويد باتباع برنامج التوجيه الاجتماعي للوافدين الجدد
“samhällsorientering“، لتمكينهم من التعرف على حقوقهم وواجباتهم، وتسهيل
اندماجهم في المجتمع السويدي، ويتضمن البرنامج التوجيهي معلومات حول كيفية تعامل القانون
السويدي مع القضايا الخاصة بالطفل ورعايته.
وحول ردود الفعل من قبل اللاجئين العرب، (ومن بينهم اللاجئون السوريون
الذين بدأوا يتوافدون إلى السويد بكثرة جراء الحرب التي شنها النظام على المدن بعد
ستة أشهر من انطلاق الثورة) على قانون سحب الوصاية. التقت “صدى الشام” مع
الأستاذ /جبار عباس/ الذي يحمل صفة “ممثل المجتمع/ sämllskommunikatör“، وهو مدرس لبرنامج التوجيه الاجتماعي للقادمين
الجُدد إلى السويد، حيث قال:
“من خلال المحاضرات التي ألقيها حول قوانين المجتمع السويدي، وتحديداً
فيما يتعلق بالقوانين الخاصة بحقوق الطفل ورعايته، لمستُ ردود فعل من القادمين الجُدد
كانت بمُجملها سلبية، وتنتقد الطرق التي يعتمدها القانون السويدي لحماية الطفل وحقوقه.
فمعظم القادمين الجُدد يُصدمون بأن القانون السويدي يُحتم تعليمَ الطفل وتعريفه بحقوقه،
والاستماع لشكاوى الأطفال الذين يستاؤون من طريقة تعامل أهاليهم معهم، وذلك عبر قنوات
مختصة بذلك في المدارس، أو عن طريق منظمات معنية بالاطلاع على الشكاوى المقدمة من الأطفال،
أو من المحيطين بهم الذين يلمسون سوء معاملة من الأهل تجاه طفل ما”.
ويمضي عباس في حديثه فيقول: “القادمون الجُدد بمعظمهم يعتبرون ذلك إفساداً
لأطفالهم، وتسهيلاً لتمردهم على والديهم وعلى تقاليد وعادات البلدان التي أتوا منها
ويريد آبائهم الحفاظ عليها، خاصة عندما يَعلم الآباء أن مدارس السويد تعطي الأطفال
أرقام هواتف مخصصة لشكاويهم، ليتصلوا بها عند تعرضهم لإساءة معاملة”.
ويضيف: “المشكلة الكبرى ليست عند تطبيق قانون نزع الوصاية من الوالدين
بحق بعض العائلات، وتأمين الأطفال مع عائلة بديلة، بل هي في المراحل اللاحقة لذلك،
لأن الطفل وبعد أن يختبر الحياة مع العائلة البديلة، والتي غالباً يتم اختيارها من
نخبة العائلات السويدية الميسورة، يأنس لطريقة السويديين في تدليل أطفالهم وترفيههم
وتلبية طلباتهم، وغالباً ما يختار بعد هذه التجربة، العيش مع العائلة البديلة عن والديه،
وهو ما يكفله له القانون السويدي”.
العائلة البديلة غالباً يتم اختيارها من نخبة العائلات السويدية
الميسورة والطفل غالبا ما يفضل العيش مع العائلة البديلة عن والديه، وهو ما يكفله له
القانون السويدي.
وفي رد عباس على سؤال “صدى الشام” حول الآثار النفسية لهذا القانون
على الآباء الذين نزعت منهم الوصاية على أطفالهم، قال: “يلجأ الأهل عادةً لتنظيم
مظاهرات تندد بقرار السوسيال والمحاكم السويدية، لكن هذه المظاهرات قطعاً لا تجدي أي
نفع لتغيير القرار، فالقانون في السويد صارمٌ جداً تجاه حماية الأطفال”.
يلجأ الأهل عادةً لتنظيم مظاهرات تندد بقرار السوسيال والمحاكم
السويدية، لكنها قطعاً لا تجدي أي نفع لتغيير القرار، فالقانون في السويد صارمٌ جداً
تجاه حماية الأطفال.
وأضاف: “بعض الأهالي أصيبوا بحالات ضيق نفسي استدعت دخولهم إلى المشافي
للعلاج من آثار الصدمة، لكن حتى ذلك لم يسهم بتشكيل ضغط لتغيير قرار سحب الوصاية في
أية حالة من الحالات التي شهدتها، ما دفع عائلاتٍ عديدة بعد تعرضها لهكذا إجراء، وتمكنها
من استرجاع أطفالها، لمغادرة السويد والعودة إلى بلدهم الأم رغم سوء الظروف الأمنية
فيها. وهناك عائلات اتخذت قرار العودة، لمجرد أنها شهدت حالات لحرمان الأهالي من أطفالهم
جراء هذا القانون”.
قانون على الجميع
سحب حضانة الأطفال من والديهم في السويد، ليس أمراً موجهاً ضد اللاجئين، بل
ينطبق على الجميع، وذلك عندما يَثبُت أن هناك قصوراً بشأن تربية الأطفال ورعايتهم وحصولهم
على حقوقهم الإنسانية. لكن الأسباب المؤدية لهذا الإجراء تختلف من حالة لأخرى، حيث
تتركز الأسباب في غالبية العائلات المنحدرة من أصول شرقية وشرق أوسطية، بالضغط على
الأبناء لإلزامهم بالعادات والتقاليد الخاصة بالمجتمعات التي أتوا منها، فيما تتمثل
لدى العائلات من اصولٍ سويدية، بالإدمان والمخدرات وأمور مماثلة.
تختلف أسس تربية الأطفال في السويد بشكل جذري عن مثيلاتها في البلدان الأخرى،
وبالأخص الشرقية والشرق أوسطية، لذلك فإن كثيراً من اللاجئين المنحدرين من تلك الأصول،
يواجهون صعوبات حقيقية في التكيف مع تلك الأسس والتماشي معها، إذ يبقون متمسكين بأعرافهم
الموروثة، والتي من الصعب أن تجد قبولاً في مجتمع كالمجتمع السويدي، يواكب أحدث الطرق
التربوية في تنشئة الأطفال ولا يكتفي فقط بالموروث. وتعتقد معظم العائلات الوافدة أن
سحب الطفل من حضانة الوالدين، هو تدخل سافر في حياة الفرد العائلية والشخصية، وأن على
أولياء الأمور أن يربوا أبناءهم بالطريقة التي يجدونها مناسبة، ولا يقتنعون بأن هذا
التشريع القانوني، وُضع ليحمي الأطفال ويقدم الدعم للوالدين أيضاً”.
تتركز أسباب سحب الحضانة في غالبية العائلات المنحدرة من أصول شرقية
وشرق أوسطية، بالضغط على الأبناء لإلزامهم بالعادات والتقاليد الخاصة بالمجتمعات التي
أتوا منها، فيما تتمثل لدى العائلات من أصولٍ سويدية، بالإدمان والمخدرات وأمور مماثلة.
الإجراء الأخير للخدمات الاجتماعية
غالبية الأطفال والمراهقين الذين لديهم اتصال مع الخدمات الاجتماعية (السوسيال)،
لا يؤخذون خارج منازلهم، بل يتلقون عادة المساعدة أثناء عيشهم في المنزل مع ولي أو
أولياء أمورهم، فالتشريع القانوني في السويد يقضي بإعادة الأطفال إلى منازلهم إذا كان
ذلك ممكناً وبأسرع وقت ممكن، حيث إن الخدمات الاجتماعية تكون مسؤولةً عن تقديم المساعدة
للأطفال وأولياء الأمور، لخلق ظروف مناسبة للأطفال في المنزل، وعلى الوالدين والأبناء
أن يعبروا عمّا يرونه مناسباً لهم.
وفي الواقع، انتزاع الأطفال من عائلاتهم لا يتم بالطريقة التي يصورها بعض
من تعرضوا لهذا الإجراء، فهو لا يتم بشكل متسرع وبمجرد وصول شكوى بشأن إساءة معاملة
طفل ما، بل إن هناك تحقيقاً يمر بمراحل متعددة ويستغرق أربعة أشهرٍ أو أكثر. وخلال
فترة التحقيق، يلتقي (السوسيال) بجميع الأشخاص المهمين من المحيطين بالطفل، كالوالدين
والأقارب، لأخذ فكرة حول احتياجات الطفل والظروف البيئة والأسرية التي يعيشها ونوعية
الدعم الذي يحتاجه وقدرة الوالدين على تربيته، بعدها تُقدم دائرة الخدمات الاجتماعية
مقترحاتها في شكل المساعدة التي يمكن تقديمها، ويتم الحديث حول ذلك مع الوالدين والأبناء
-الأطفال والمراهقين دون سن الثامنة عشر- لاتخاذ القرار.
وفي حال رفض الوالدين أو الأطفال الذين تزيد أعمارهم عن 15 عاماً، المقترح
الذي تقدم به السوسيال، يُنهي السوسيال اتصاله بهم، لكن فقط في حال لم يكن هناك مخاطر
كبيرة على الأطفال من بقائهم على حالهم. أما إذا كان هناك ما يدعو للقلق، كأن تكون
الأوضاع سيئة بشكل حقيقي على الأطفال، حينها تتقدم دائرة الخدمات الاجتماعية بطلب إلى
المحكمة بخصوص رعاية الأطفال، وفق قانون رعاية الأحداث LVU،
وللمحكمة القرار في ذلك. في المحكمة، يكون لكل طرف، الأطفال والوالدين والسوسيال، ممثلاً
قانونياً مخولاً بالحديث عنهم، إذ يتحدث كل طرف بما لديه، وهنا تُبرِز دائرة الخدمات
الاجتماعية التحقيقات التي أجرتها، مبينة الأسباب التي تستدعي الحاجة لرعاية الطفل،
رغم عدم موافقة الوالدين أو الأطفال على ذلك، لتصدر المحكمة بعد الاستماع لكل الأطراف
حكماً قابلاً للاستئناف.
التشريع القانوني في السويد يقضي بإعادة الأطفال إلى منازلهم إذا
كان ذلك ممكناً وبأسرع وقت، والخدمات الاجتماعية تكون مسؤولةً عن تقديم المساعدة للأطفال
وأولياء الأمور، لخلق ظروف مناسبة للأطفال في المنزل.
استنفار الحكومة السويدية
وصول أعداد كبيرة من الأطفال السوريين اللاجئين دون عائلاتهم، جعل الحكومة
السويدية تشمر عن ساعديها، وتطلق حملة كبيرة خَصّصت فيها أموالاً طائلة لدائرة الهجرة،
كما أَخضَعت أفراداً من الشرطة لدوراتٍ خاصة في كيفية التعامل واستقبال الأطفال اللاجئين
الذي يصلون إلى مطارات السويد بطرقٍ غير شرعية دون عائلاتهم، وأوعزت الحكومة إلى البلديات
بتعيين وصي لكل طفلٍ دون ذويه، يكون مشهوداً له بأخلاقه وحسن سيرته ولا شائبة على سلوكه،
كي يقوم مقام المعيل أو الوالدين للطفل المهاجر. وقد تولت دائرة الهجرة السويدية أمر
تخصيص رواتب وسكن لائق للأطفال الواصلين، وتسجيلهم في المدارس بعد أسبوع تقريباً من
وصولهم.
هذا ويحصل الوصي من دائرة الهجرة على راتب مجز يصل إلى نحو 250 كرون سويدي
في الساعة، أي ما يعادل 30 دولار أمريكي. كما أن من حقه أن يطلب من البلديات تأمين
المستلزمات كافة التي يحتاجها الطفل المهاجر من ملبس وألعاب أطفال وترفيه، حيث بات
كل طفل يصل إلى السويد وحيداً لا أهل له أو معه، يكلف الخزينة نحو مليوني كرون سويدي
في السنة، أي نحو 240 ألف دولار أمريكي، عدا عن الخدمات العامة من صحة وتعليم وغيره.
وعوداً على بدء، فإذا كان الوالدان يلجأن للطلاق في حال تعرض أحدهما لسوء
المعاملة بشكل متكرر وتعذّرت استمرارية الزواج، فكيف يُلزم الأطفال بتَقبّلِ سوءِ المعاملة
من أهاليهم، فيما ينعم أقرانهم بحياة تقترب من المثالية، في مجتمع كالمجتمع السويدي؟
الساعة، أي ما يعادل 30 دولار أمريكي. وكل طفل يكلف في السنة 240 ألف دولار أمريكي.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث