الرئيسية / منوعات / منوع / كيف يشعر (ابن) الأقليات!

كيف يشعر (ابن) الأقليات!

خضر الآغا

على أحد الحواجز في دمشق في بدايات
الثورة، نظر الجندي إلى بطاقتي الشخصية وسألني:

-أنت من سلمية؟

-نعم.

-وأهل السلمية مو سمعوليين؟
(غالباً يقول السوريون عن الاسماعيليين: سمعوليين، ليس بقصد التصغير أو التحقير،
بل هي مجرد كلمة درجت)

-نعم.

-طالما هيك، ليش عم ياكلو هوا.

(عم ياكلو هوا)، يعني أنهم
يتظاهرون ضد النظام، فالتظاهر عبارة عن (أكل هوا)، حسب النظام وأتباعه. المقصود
بسؤال الحاجز الاستنكاري والتعجبي أن (السمعوليين) ليسوا سنة، فكيف يتظاهرون! في
تلك الأثناء كان الإعلام وأجهزة المخابرات والأبواق يشيعون أن المتظاهرين سنة
يريدون حكماً إسلامياً سنياً يضطهد الأقليات المذهبية من اسماعيليين وغيرهم… ولم
يتوقف عن سلوكه هذا ليثبت أن الثورة هي ثورة أهل السنة، وليس عموم السوريين ضده.
ومع سلوكه هذا كان يحاول، بالفعل، تحويل الثورة إلى ثورة سنية فقط.

الارتباك الذي حدث لي في السرفيس
أمام الناس (السنة) لم يدم طويلاً، فسرعان ما أشارت سيدة عجوز بيدها لي، دون أية
كلمة، تلك الإشارة التي تعني: لا تهتم. وعندما نزلت وقلت للسائق: شكراً، ردّ: الله
معك. والسائقون، غالباً كما نعرف، لايردّون في غمرة الازدحام والتفتيش والحواجز
والضجر والتعصيب… لكنه أراد إرسال رسالة تقول أيضاً: لا تهتم.

لكن الحرج كان أكبر وأطول زمناً
لدى صديقي الذي كان يستقل باصاً من دمشق إلى حماة، حيث نظر إليه الجندي على الحاجز
وسأله:

-أنت من سلمية؟ شو مطالعك مع هدول؟

(هدول) هم أهل حماة، أي السنة.
وكان الجندي، الذي هو النظام هنا، يريد بذلك، أيضاً، إقامة هذا الجدار الطائفي بين
أهل البلد جميعاً، فيزداد شعور (السنة) بالاضطهاد، ويزداد شعور الأقليات بالعزلة،
وبأنهم محل ارتياب وشكوك، وأنهم من جماعة النظام! بقي بعد هذه الجملة ساعة ونصف
الساعة حتى وصلوا حماة. في هذه المدة لم يتجرأ أحد على الكلام، لا مدحاً ولا ذماً،
ولم يجرؤ هو على توضيح الأمر، وعلى توضيح أنه ضد هذا النظام جملة وتفصيلاً. لكن
بعد ذلك ليس بوقت طويل تأكد أن أهل حماة كانوا قد كشفوا ألاعيب النظام وانحطاطه،
عندما قرر الكثير منهم الهرب من بطش النظام وصواريخه إلى مدينة سلمية المجاورة
والقريبة.

في السجن، لم يكن النظام يضع أبناء
كل طائفة أو دين على حدة، كان يسجنهم سوية ومعاً. لكن كيف كان يتم الأمر، وكيف كان
يتعامل النظام مع الأقليات ومع السنة؟

خلال التحقيق، وخلال التعذيب، لم
يكن يوجد أي فرق بين معتقل وآخر، كان الجميع يتعرضون للتعذيب ذاته، فالتهمة
الموجهة لهم جيمعاً هي ذاتها: ضد النظام. وإن الشهداء الذي قضوا تحت التعذيب لم
يكونوا من السنة فقط، بل من جميع الطوائف والأديان والقوميات.. كانوا سوريين فقط.
في هذا لم يميز النظام بين من يدعي أنه يحميهم، وبين من يدعي أنهم تكفيريون
ظلاميون. لكن، حسب رواية بعض المعتقلين في بعض سجون النظام، فقد كان عنصر
المخابرات يدخل إلى المهجع الذي يضم معتقلين كثيرين، ثم يسألهم: من أين أنت؟ فمن يجيب
بأنه من الأقليات يقول له: اجلس، ناقصك شي؟ بالرغم من تعرّض هذا السجين منذ بعض
الوقت، لحفلة تعذيب مروّعة. وأما من يكون من السنة، فينهال عليه بالضرب أمام
الجميع.

أحياناً، وكما هو متوقع، فإن الأمر
ينطلي على بعضهم، ويشعر السني بسنيته، وبظلمه الخاص لأنه سني، وابن الأقليات
بانعزاله، وبنوع من القهر لأنه يجب عليه أن يقول للسني: لا تصدق النظام، وللنظام:
أنا ضدك ليس بوصفي ابن أقلية، بل بوصفي سورياً.

من هنا ربما، نجد اندفاع ابن
الأقليات لتضخيم حدث في مدينته أو بلدته قد يكون صغيراً بمقاييس الثورة السورية، وبمقاييس
العسف الذي تتعرض له، وذلك ليثبت للجميع أنه في صلب الثورة، وأنه مستمر ما استمرت.

مع هذا، أو بسببه، تعرض المجتمع
السوري لشروخ كثيرة وصلبة، ليس فقط بين مؤيد ومعارض، بل بين أقليات مذهبية
وأكثرية… من أكثر تعبيرات هذه الشروخ قسوة هي اعتبار بعض أبناء الأقليات أنفسهم
أنهم يتعرضون لخطر التنظيمات المتطرفة، كداعش مثلاً، بوصفهم أقليات! متناسين أن
داعش قتلت من السنة أضعافاً مضاعفة ممن قتلت من الأقليات، لأنها ببساطة متواجدة في
المناطق السنية، أو ذات الأغلبية السنية، وهي تقتل الجميع بلا تمييز…

ما يهم الآن هو اعتبار أن هذه
الشروخ ليست قدراً لا راد له، بل هي مرحلة صعبة وخطيرة جداً، إلا أنها قابلة
للترميم بشرط أول: التخلص من هذا النظام.

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *