رنا جاموس/
أطل العيد الثاني عشر على الشعب السوري، وسط دخان الموت الناجم عن الحرب والقصف المدمي من درعا إلى حلب ومن حمص إلى الرقة، في مشهد متواصل تسيطر عليه المجازر اليومية، ورغم ذلك حاول بعض السوريين أن يمارسوا طقوس العيد، بما يتناسب وأجوائه، إلا أن الحزن لم يفارق قلب أحد منهم في الداخل أو الخارج.
الزيارات وصنع حلوى العيد، هي من صلب العادات السورية في الأعياد، والتي غابت كل تفاصيلها وبقيت مجرد اسم وذكرى تمر كما غيرها، ففي الوقت الذي سعى فيه البعض لاستحضار طقوس العيد بصنع “المعمول” (وهو كعك يشتهر به السوريين)، لم يستطع البعض الآخر إلا أن يعيش ذكرى الألم في هذا اليوم بعد أن فقد ولداً أو أباً أو حتى بيتاً.
الغوطة تحت رحمة “الحصار”
تختنق الغوطة الشرقية، مادياً ومعنوياً، مع العوز الشديد الذي أصاب أهلها نتيجة سنين الحصار وتآكل المناطق والمساحات الزراعية، مع تخييم شبح الموت عليها نتيجة القصف والغارات التي لا تتوقف، الأمر الذي حوّل العيد لمشقة جديدة.
يقول المنشد صالح أبو ماهر، من مدينة كفربطنا في الغوطة الشرقية، لـ”صدى الشام”، إن البعض تمكن من إعداد كعك العيد (المعمول)، ولم يستطع البعض الآخر نظرا لعدم قدرته المادية على شراء حاجياته، ونفس الأمر انسحب على ملابس العيد، لافتاً إلى أنه “في ظل هذا التباين حاولت بعض المؤسسات المعيلة للأيتام والفقراء تقديم بعض المساعدات وكسوة العيد، الأمر الذي حسّن الأوضاع نسبياً”.
وظهر على السطح كما جرت العادة استغلال بعض ضعاف النفوس للأوضاع، حيث بيّن أبو ماهر أن صراف العملة قاموا بإخفاء العملة السورية، ورفع سعر الدولار قبل العيد بعشرة أيام، ليتحكموا بالناس بمناسبة العيد والأضاحي.
حاولت بعض المؤسسات المعيلة للأيتام والفقراء في الغوطة الشرقية تقديم بعض المساعدات وكسوة العيد، كما جهزت بعض الفعاليات والألعاب للأطفال في أقبية الأبنية
ولفت أبو ماهر إلى أن وسطي سعر الأضحية في الغوطة الشرقية يتراوح بين 250-300 دولار، وهو ما لن يستطيع الكثيرون تحمل دفعه نظراً لفقر معظم الناس في المنطقة.
أما بالنسبة لألعاب الأطفال، فتعتبر أُرجوحة العيد التي اعتاد السوريون على نصبها في الشوارع من أهم مزايا العيد في كل محافظات سوريا، لكنها هذه السنة أيضا ستغيب عن معظم المناطق المحررة، فلن تنصب تلك الألعاب خوفاً على الأطفال من القصف.
وفي الغوطة الشرقية، أشار أبو ماهر إلى أن بعض المؤسسات الخيرية جهزت فعاليات وألعاب في أقبية الأبنية، إضافة إلى أن بعض الأهالي غامروا بنصب المراجيح في الشوارع العامة.
استنفار أصحاب “الخوذ البيضاء”
أبقى قصف التجمعات السكنية بالصواريخ والبراميل رجال الدفاع المدني “أصحاب الخوذ البيضاء”، في استنفار مضاعف أيام العيد، خوفاً من استهداف التجمعات من قبل الطيران الحربي.
وقال مدير المركز الرئيسي 106 دفاع مدني في ريف حماة الغربي، “إبراهيم جودي”، لـ”صدى الشام”، أن “فرق الدفاع المدني ترفع الجاهزية الكاملة خلال فترة العيد، وتنتشر عناصرها على الطرقات، نظراً لأن النظام في أغلب الأحيان يستهدف المساجد والأسواق والتجمعات في أيام العيد”.
إبراهيم جودي: رفعت فرق الدفاع المدني في ريف حماة الغربي جاهزية خلال فترة العيد، ونشرت عناصرها على الطرقات، نظراً لأن النظام في أغلب الأحيان يستهدف المساجد والأسواق والتجمعات في أيام العيد.
وتابع جودي: “أصبح العيد عندنا يوماً مأساوياً، فهو يفتح جروح النازحين الذين تركوا بيوتهم، ويفتح جروح الام التي فقدت ابنها، والابن الذي فقد أهله”، مضيفاً “للأسف حتى أطفالنا لا يشعرون ببهجة العيد فنحن لم ننصب ألعاباً لأن الناس في هذا اليوم تنزل إلى الملاجئ خوفاً من القصف المفاجئ”، مؤكداً أن “سعر الأضحة يترواح بين 60-90 ألف بحسب حجم الضحية، ولكن قليلون جداً من قاموا بالأضحية، نظراً للفقر المطبق في المنطقة”.
العيد لا يمر بإدلب
شهدت مدينة ادلب مجزرة مروعة نهاية الأسبوع الماضي، راح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى من المدنيين، ما جعل العيد يرثي مدينة إدلب، ويكللها بمراسم الحزن بدلاً من زينة العيد، ومراسم العزاء بدلاً من الأضاحي، وبالرغم من أن أهالي هذه المدينة كانوا من أكثر الناس تجهيزاً لاستقبال العيد، نظراً لعدد النازحين الكبير فيها من كافة المحافظات الأخرى، إلا أن فرحة سكانها الأصليين والنازحين تبددت.
وأوضح المسؤول الإغاثي “علي دباس”، لـ”صدى الشام” أنه “خيم جو من الرعب وعدم الاستقرار على مدينة إدلب يوم العيد نظراً لتحليق الطيران فوق المدينة، رافقه تخوف الناس من أي تجمع، حتى أن معظم العائلات لازمت بيوتها ولم تخرج أصلاً”.
وقال دباس “لقد نزح 80% من أهالي إدلب بعد المجزرة باتجاه أقاربهم في القرى المجاورة، ولم يبق في إدلب إلا الجرحى في المشافي، وبعض العائلات التي فتحت عزاء بعد أن مات أحد أفرادها”، متابعاً “حتى الأطفال فقدوا فرحة العيد، ولم ينصب لهم مراجيح العيد، ولم يحظوا بحقهم في لبس ثيابهم الجديدة والخروج لممارسة طقوس العيد التي اعتدنا عليها حين كنا صغار”.
عيد “الوعر” بلا بهجة
من بين الموت والدمار، أطل العيد على حي الوعر الحمصي، لكنه لم يحمل الفرح بالرغم من أن المواد الغذائية قد دخلت إلى الحي بعد حصار مطبق دام لأشهر بعد اتفاق الهدنة الذي بدأت بنوده بالتطبيق، وبالرغم من أن العديد من العائلات في الحي استقبلت أقاربها بعد غياب سنوات عنهم، لكن الحزن كسى القلوب والرعب بات ملازماً لها.
وبحسب الإعلامي الميداني “نور علي” من حي الوعر، فأنه “لا يوجد أجواء عيد في الحي، بالرغم من فتح معبر للمدنيين للدخول والخروج إلى مناطق النظام لزيارة أقربائهم، لكن حالة الحي يسودها الحزن بعد ما حدث قبل أيام من قصف طيران النظام والطيران الروسي”.
موضحاً أنه “لم يتم نصب المراجيح للأطفال، لكن بعض المنظمات الإنسانية ستقدم عدة نشاطات للأطفال منها المسرحيات، مستغلين هدنة النظام في الحي”.
وقال علي أنه “ليس لدى معظم أهالي الوعر القدرة على شراء الملابس الجديدة لأطفالهم، نظراً للفقر المدقع الذي حل بهم من الحصار الطويل”. وأنهى علي حديثه لـ”صدى الشام”، قائلا: “حتى الأطفال ليس لديهم شعور ببهجة العيد، فما من أحد ينتظر العيد، ولم يعد يحمل فرحة أو بهجة على الإطلاق”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث