طريف العتيق
واحدة من أبرز
استراتيجيات التفكير التي تستحق أن نتوقف عندها هذه الأيام هي ما يمكن تسميته بـ “تتبّع الآثار“، بمعنى البحث عن
نتائج الأسباب والحقائق التي بتنا نعرفها. ورغم ما قد يبدو من بداهة وبساطة هذه
العبارة، إلا أنها تنطوي على مكامن كبيرة لتحفيز العقل واكتشاف جوانب قصوره.
فإذا كانت ثورة
السوريين تسعى لإسقاط نظام الأسد نظراً إلى الاستبداد والاستعباد الذين وقعا على
البلاد خلال عقود حكمه الشموليّ، وإذا كان المستبد يتّبع في حكمه سنن من قبله من
المستبدين ويسير على نهجهم مُتلمسا استمرار السيطرة وضمان الهيمنة المطلقة، فما هي
آثار هذا الاستبداد في ثقافتنا، تفكيرنا، قيمنا وديننا؟
فقولنا بوجود
المستبد يلزم البحث عن بصماته وعلاماته في تفاصيل حياتنا وداخل عقولنا.
إن أحد
أهم وسائل الاستبداد هو تشويه الحقائق، حتى التاريخية منها، لاستخدامها في تغيير
آلية التفكير، ضمن استراتيجيات مدروسة بدقة.
من تلكم التشوهات
معرفتنا ونظرتنا عن التاريخ العربيّ، قديمه وحديثه، بدءاً من مسميّات “الحركة التصحيحية” و “ثورة الثامن من
آذار“، وعودةً بالوراء إلى“الوحدة مع مصر” والوضع السوري في
الخمسينيات، ومن ثم إلى الوراء أكثر نحو “الحكم العثماني” للبلاد، وما سبقه من تاريخ الأمويين.. وهكذا لا يكاد يقف
الباحث على مرحلة تاريخية إلا ويرى فيها بصمات الأسد في تشويه الحقائق وتزييف
المعارف.
سأذكر على عجالة
هنا مثالاً تاريخياً مُهماً يُشكّل أنموذجاً عن طمس حقائق التاريخ لصالح المستبّد
وثقافته. وهو ما حدث عام 494 للميلاد باسم حرب
البسوس، وهي الحرب التي وقعت بين قبيلتين من قبائل العرب قبل الإسلام “بسبب ناقة” كما يُشاع، واستمرت
لأربعين عاماً في بعض الروايات أو لبضع وعشرين سنة في بعضها الآخر، وهي القصة التي
يرغب بعض شيوخ الدين باستثمارها أيضاً لتصوير الوضع المزري الذي كان عليه العرب
قبل الإسلام.
إن حرب
البسوس لم تقم بسبب ناقة إلا بمقدار ما قامت ثورة الحرية والكرامة لأجل كتابات
أطفال على جدارٍ مدرسي.
لكن لو تركنا
صورتنا الذهنية تلك وفتحنا كتب التاريخ، لعرفنا بأن حرب البسوس لم تقم بسبب ناقة
إلا بمقدار ما قامت ثورة الحرية والكرامة لأجل كتابات أطفال على جدارٍ مدرسي؛
مختصر القصّة كما هي في المراجع الموثوقة (كتاب “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام“، و“أيام العرب في
الجاهلية” وغيرهما) أن زعيم قبيلة “تغلب بن وائل“، وهو “كُليب بن ربيعة“، توّج ملكاً على
سائر القبائل من بطون “بني وائل“، بعدما قادهم في عدّة حروبٍ على قبائل
يمنيّة مُحقّقًا انتصاراتٍ حاسمة، إلا أن “كُليب” سرعان ما استغل الامتيازات الجديدة التي
حصل عليها والمكاسب التي ظفر بها من حروبه مع اليمن لتأسيس مجدٍ شخصيّ له على حساب
أبناء عمومته، فارضاً على الآخرين تقديره وإجلال شأنه، حتى قيل “أعزُّ من كليب“، واحتكر المراعي
وعيون السقاية لمواشيه فقط، فلم يرض أن يقترب منها أحد إلا بإذنه، وأذّل من خالفه
وتجرّأ على الوقوف في وجهه، كما منع القبائل الأخرى من أن تُجير أحداً دون الرجوع إليه،
وهكذا كان “كُليب” ماضياً في استبداده
وفرض حكمه الشمولي على سائر القبائل الأخرى.
الآن فقط يصّح أن
نذكر “السبب المباشر” للحرب، والتي كانت
أقرب إلى التمرّد المسلح لبطون وائل على ابن عمهم المستبد من كونها حرباً “فارغة لأجل ناقة“. فعندما رأى “كُليب” ناقة غريبة ترعى في
مراعيه وبين نوقه، أخذ رمحاً وقتلها به، غضبت “البسوس” صاحبة الناقة لفعله هذا فحرّضت ابن أختها “الجسّاس” على الثأر لها، فانطلق
مُسرعاً ومعه “عمرو بن الحارث” إلى “كليب“، حيث تلاسنا مطولًا
ثم انتفض “الجسّاس” على “كليب” وقتله، وهكذا
اشتعلت الحرب بين أبناء العمومة وغيرهم من حلفاء كلّ طرف، بعدما طفح الكيل بظلم
قبيلة “تغلب” واستبداد “كليب“. وفي ذلك، يقول “عمرو بن الأهتم” قصيدةً مطلعها “وإنّ كليبا كان
يظلم قومه، فأدركه مثل الذي تريان“، موضحاً أن السبب الحقيقي للحرب هو ظلم “كليب” واضطهاده لباقي
قبائل العرب.. وهكذا تكون الحرب
بين طرفين أحدهما يحاول المحافظة على مكتسبات القوّة والعزّ، والآخر يتمرّد على
الذل والإهانة.
وشتّان شتّان بين
القصّة كما يُروّج لها حتى انطبعت في عقولنا مضرباً للسخف والتندّر، وبين واقعها
الفعلي والقيم التي تحملها وتُعبّر عنها، لكن أنّى للمستبّد أن يقصّ بطولات
الثائرين في وجه أسلافه؟
إن بصمات
وآثار المستبد أدقّ مما يبدو لنا، وأعمق مما يمكننا تصوره.
إن بصمات وآثار
المستبد أدقّ مما يبدو لنا، وأعمق مما يمكننا تصوره؛ لذا وجب أن ننفتح اليوم أكثر
من أيّ وقتٍ مضى، على مراجعات الثقافة، الفِكر، الدين، والتاريخ، كي يكتب النجاح
لمحاولتنا الخروج من عباءة الأسد، فنتمكّن من تأسيس عهد آخر طال انتظاره.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث