تمر أيام إلا وتشهد خارطتها الديموغرافية تغييرا واضحا، خدمة لمخططات أنظمة دعمت
الأسد وعاهدته ألا تتخلى عنه شريطة دفعه لثمن جهودهم. كان الثمن باهظا جدا، لكن
الأسد ماض بعهده معهم، وملتزم بوقت التسليم، فمن باع والده الجولان، لن يهون عليه
بيع دمشق…
هذه المدينة العديد من محاولات “الاستيطان” والتغيير القسري لطبيعتها السكانية
بهدف تقوية نفوذ حاكم معيّن أو دولة معينة، في مدينة تعد الأكثر أهمية استراتيجية بين
مدن وعواصم المنطقة.
الأسد الأب .. وبداية الاستيطان
بعد انقلابه العسكري وتثبيت أركان حكمه في سوريا، فتح الأسد الأب أبواب
دمشق لسكان القرى الساحلية من الطائفة العلوية، تمهيدا لانضمامهم إلى كل مفاصل الدولة.
ولتسهيل ذلك، بدأت خلال السنوات التالية لحكمه عملية استملاك الأراضي في العاصمة دمشق
لصالح الدولة، ومن ثم السماح بشكل لا يخضع للقانون، ببناء العشوائيات على مساحات شاسعة
وفي مناطق مفصلية هامة في دمشق، كان أبرزها ما يطلق عليه حي الـ 86، الممتد على سفح
جبل المزة، والذي يتربع عليه “قصر الشعب”، حيث كانت المنطقة بمجملها أراضٍ
تابعة لأهالي حي المزة، تم استملاكها بحجة إنشاء لواء عسكري، لكن عمليات العمران سرعان
ما بدأت تنتشر بشكل عشوائي.
لم تكن المزة 86 المنطقة الوحيدة التي تنامت بشكل سريع تحت ظل استثناءات وصلاحيات
واسعة للإعمار بشكل مخالف، ففي مطلع الثمانينات من القرن الماضي، برز تواجد “العلويين”
في دمشق وريفها، ضمن تجمعات وأحياء، كحي “عش الورور” الملاصق لحي برزة في
الطرف الشرقي من دمشق، وحي مساكن الحرس الجمهوري الملاصق لبلدة قدسيا في الريف الغربي،
وحي الورود الملاصق لبلدة الهامة، وبعض التجمعات “العلوية” بالقرب من المعضمية
وجديدة عرطوز وداريا، ناهيك عن تواجدهم في أبرز أحياء دمشق القديمة كحي الميدان.
في عهد حافظ الأسد، تم توزيع العلويين القادمين من الساحل ضمن
تجمعات سكنية في دمشق ونواحيها، كحي عش الورور قرب برزة ومساكن الحرس قرب قدسيا
وحي الورود قرب الهامة.
مرسوم ظاهره المكرمة وحقيقته التهجير..
أصدر الأسد الابن المرسوم رقم /66/ نهاية عام 2012، بعد مضي أقل من عامين
على انطلاقة الثورة السورية وانتشار المظاهرات المعارضة لحكم الأسد في أحياء دمشق.
قضى المرسوم بإنشاء منطقتين تنظيميتين في دمشق، بحجة تطوير مناطق المخالفات والسكن
العشوائي. تقع المنطقتين بشكل أساسي في ما يطلق عليه “حي المزة بساتين”،
امتداداً لمنطقة كفرسوسة من الشرق إلى حدود داريا والقدم من الجنوب الغربي، ونصّت المادة
/45/ منه على تأمين السكن البديل لأهالي المنطقة خلال أربع سنوات من تاريخ صدور المرسوم.
وحول المرسوم، أكد محافظ دمشق بشر الصبّان، في حديث تلفزيوني مع إعلام
النظام، إنّ “المرسوم يعتبر “مكرمة” لسكان المزة بساتين وكفرسوسة، حيث
أنه سينقلهم من العشوائيات إلى بيئة مناسبة عمرانياً وخدمياً”، وغاب عن ذهن
محافظ النظام الحديثُ عن أبرز العشوائيات بدمشق، كمنطقة الـ 86 والمناطق الموالية الأخرى.
يعدّ حي المزة من أكبر الأحياء في محافظة دمشق من حيث المساحة، ويقع في الجنوب
الغربي للعاصمة، حيث يمتد من مركز المدينة وحتى خارجها بشكل ملاصق للريف الغربي، وبالأخص
منطقتي داريا والمعضمية الواقعتين تحت سيطرة المعارضة منذ قرابة العامين.
تشكل أحياء المزة بساتين، والتي تقطنها عائلات المزة الأصلية، نحو 15% من
مجمل مساحة الحي الذي قسم إلى مناطق تنظيمية عدة تمتد من ساحة الأمويين إلى مطار المزة
العسكري، كما يقع على أطراف الحي مجلس وزراء النظام، بالإضافة لعدة وزارات، جامعات،
ومشافٍ حكومية.
اعتبر محافظ دمشق المرسوم 66 “مكرمة”، وغاب عن ذهنه
الحديثُ عن أبرز العشوائيات في دمشق كحي 86، والذي تقطنه أغلبية موالية.
الهدم والإخلاء بالقوة
بدأت حكومة النظام صباح الخميس 27/8/2015، عملية التهجير الفعلي عبر هدم البيوت،
بعد أكثر من ثلاث سنوات قضاها سكان أحياء منطقة بساتين المزة تحت ضغط مختلف أساليب
التجهير غير المباشر، من تضييق وحملات مداهمة واعتقالات عشوائية، وعمليات جرف لبساتين
الصبار. واجهها السكان باعتصام نحو 1200 شخص أمام آليات الهدم، ومواجهة عناصر وضباط
“الأمن العسكري” الذين أجبروا أصحاب عدد من البيوت على الإخلاء مع توعد بالعودة
في وقت قريب لاستكمال عمليات الهدم.
من جهته، أكد مصدر في “محافظة دمشق” لـ”صدى الشام”، أنّ
“نحو 8 آلاف إنذار بالإخلاء خلال ستين يومياً، قد وجِّهت حتى اللحظة لأهالي الحي،
من أصل نحو 25 ألف، حيث يقدر عدد السكان بـنحو 200 ألف نسمة”. لافتاً إلى أن الإنذارات
تعني “أنّ أكثر من 8 آلاف عائلة، تبحث حالياً عن 8 آلاف شقة فارغة للسكن في مدينة
دمشق وضواحيها، الممتلئة بالسكان والنازحين من المدن السورية الأخرى ومن الأرياف المختلفة”.
وُجّه لـ 8 آلاف منزل، من أصل 25 ألفا، إنذار بالإخلاء خلال
ستين يوما، بينما سيتم إنذار الباقين في الأيام القادمة.
انتقام من الأحياء.. أم خوف منها؟!
يعتبر عماد، أحد سكان الحي وهو أب لأربعة أطفال ومعيل لعائلتين، في حديثه
لـ”صدى الشام” أن مشروع تنظيم المنطقة يعد “انتقاماً من سكان الحي”،
الذين تظاهروا منذ مطلع الثورة في آذار 2011، مشيراً إلى أن “النظام لن ينسى يوم
رفع بعض الشبان السلاح بوجه عناصر الأمن لحماية المتظاهرين في رمضان عام
2012″، موضحاً: “حينها دخلت الدبابات، وقُتل أكثر من 25 شخصاً، وجرفت بساتين
الصبار الأشهر في الحي، مع إغلاق المداخل بالحواجز الأمنية بشكل خانق”.
وأضاف عماد أن “النظام في خوف دائم من أي تهديد أو اختراق قد يأتي من
جهة البساتين أو ساكنيها، خاصة لما تتمتع به المنطقة من تلاحم يشابه أحياء دمشقية أخرى
كبرزة وجوبر الخارجتين عن سيطرة الأسد، وحيي كفرسوسة والميدان الذين شهدا تواجداً سابقاً
لقوات المعارضة”.
من جهة أخرى، يؤكد ثائر الدمشقي، عضو المكتب الإعلامي لحي المزة، أن “معظم
السكان يدركون الهدف من وراء المخطط التنظيمي، وهو ضرب النسيج الاجتماعي لما تبقى من
السكان وتفريقهم، لإحلال سكان موالين للنظام أو جعلها منطقة مختلطة هشة”.
أما حسن، أحد شبان حي برزة غربي دمشق، والذي التحق مؤخراً في صفوف مقاتلي
المعارضة، فيشير إلى أن خروج برزة -المشابهة من حيث طبيعة المنازل والسكان للمزة بساتين-
عن سيطرة النظام قبل عامين، زاد من مخاوف الأسد من هذه الأحياء، وجعلها مصدر تهديد
له؛ فهي قادرة على تشكيل خلايا مقاومة فعالة تقاتل في أماكن تعرفها بقوة.
خاصة لما تتمتع به المنطقة من تلاحم يشابه أحياء دمشقية أخرى، كبرزة وجوبر الخارجتين
عن سيطرة الأسد.
تهديد له، فهي قادرة على تشكيل خلايا مقاومة فعالة تقاتل في أماكن تعرفها بقوة.
تهجيرٌ باسم القانون .. ووعودٌ على الورق
يتحدث أبو عمار، صاحب مكتب عقاري في المزة بساتين، عن وعود الإبقاء على الطبيعة
الديموغرافية للمنطقة قائلاً: “لوقت طويل، أكد موظفو المحافظة على وجود خطط لبناء
أبراج في منطقة خالية جنوب المخطط التنظيمي كسكن بديل، لإيواء آلاف العوائل المُخرجة
من بيوتها لحين انتهاء المشروع وعودتهم لاستلام الشقق المبينة على أراضيهم”.
يكمل “أبو عمار” حديثه: “اكتشف الجميع أن الوعود لم تكن إلا
مخططات على الورق، حيث عمدت المحافظة، بعد صدور إنذارات الإخلاء والبدء بعمليات الهدم،
إلى صرف شيكات تعويض شهري لكل عائلة بمبلغ 30 ألف ليرة سورية (ما يعادل نحو 100$)،
لكل عائلة، كبدل إيجار شهري يصرف على رأس كل عام”.
ويلفت “أبو عمار” إلى حقيقة أنّ “الأهالي لو استطاعوا تأمين
إيجار بديل في مدينة لا تقل أسعار الإيجارات فيها عن 60 أو70 ألفا في المناطق المتوسطة
الأسعار، فإن النسبة الأكبر ستضطر إلى بيع الأسهم الخاصة ببيوتهم، ولن يبقى لهم أي
حق في الشقق الجديدة المزمع بناؤها.
ويؤكد “أبو عمار” أنّ سكان المنطقة الجدد لن يكونوا من أهل المزة
الأصليين، ويقول: “بافتراض أنّ البناء سيتم، والشقق ستوزع بشكل عادل وفقاً لما
جاء في المرسوم /66/، بعملية قسمة بسيطة بين عدد الشقق وعدد القصبات التي يمتلكها السكان،
حيث تقدر قيمة البيت الذي تصل مساحته إلى 62 مترا مربعا بقصبتين ونصف، أي بقيمة شقة
في التنظيم الجديد بمساحة 90 مترا مربعا، فإن السكان الأصليين سيشكلون نحو 10% من مجموع
سكان المجمعات السكنية الجديدة”.
حسب المعطيات الحسابية للتنظيم العمراني الجديد، فإن السكان
الأصليين سيشكلون 10% فقط من مجموع سكان المجمعات السكانية الجديدة.
التهجير يطال المسيحيين
يتحدث “جوني”، أحد سكان حي باب توما ذو الأغلبية المسيحية، والذي
هاجر إلى ألمانيا عن الأوضاع المعيشة التي واجهها، قائلاً: “إن المسيحيين في دمشق
يتعرضون هم أيضاً للتضييق والتهجيير بأساليب متعددة”، واصفاً الوضع المعيشي هناك
بأنه “لا يطاق” في ظل تساقط قذائف الهاون بشكل يومي، ناهيك عن التضييق على
سكان المنازل الدمشقية القديمة للخروج منها، بعد أنّ تلقوا العديد من عروض شراء بأسعار
تزيد عن قيمة المنزل الحقيقية، بالإضافة إلى عمليات الخطف، والتهديد المستمر من النظام
بأن الثوار سيقتلون جميع المسيحيين”.
وأشار “جوني” في حديثه لـ”صدى الشام”، إلى أن “من
يشتري العقارات لا بد أن يكون من خارج سورية، فهي تباع بأسعار عالية لا أتوقع بأن سورياً
في ظل الحرب سيغامر بكل تلك المبالغ”، منوهاً إلى أن “الدعم الإيراني المقدم
للشيعة القاطنين في شارع الأمين والشاغور، وهي أحياء قريبة من باب توما، يكفي لتفسير
نوايا عروض الشراء أو المضايقات التي تدفع للهجرة وإخلاء المنطقة”.
وحول خروجه من سوريا، قال “جوني”: “بعد أنّ رأيت الموت بعيني
عدة مرات، ودُمّر جزء من منزلنا بقذيفة هاون طائشة، لم يعد لي ولعائلتي مهرب من ترك
المنزل وكل شيء خلفنا والهروب بأرواحنا خارج البلاد”.
يتعرّض المسيحيون للتضييق والتهجير، وإيران تدفع أموالا طائلة
لحث العوائل الشيعية على شراء بيوت في باب توما والأحياء القريبة منها.
إيران اللاعب الرئيسي
هل لإيران دور في كل ذلك؟ يجيب “ثائر الدمشقي”، عضو المكتب الإعلامي
لحي المزة: “إن السفارة الإيرانية القابعة عند المدخل الرئيسي للحي، والبناء الجديد
لها الذي يتم تشييده على أرض مستملكة في الحي أيضاً، يعدّان أكبر إثبات بأن إيران لها
اليد الطولى في إحياء المخطط التنظيمي، خاصة لهذه المنطقة، ناهيك عن الفوائد العسكرية
والاستراتيجية الأخرى”.
ويضيف “ثائر”: “ليس حي المزة بداية التواجد الإيراني في الأحياء
السكنية بدمشق، فتوطين “الشيعة” من عراقيين ولبنانيين وإيرانيين، في بعض
أحياء دمشق القديمة، كالشاغور والقنوات والست رقية وحي الست زينت جنوب العاصمة، بدأ
منذ أعوام عدة ويتسارع بشكل محموم منذ إعلان التدخل الإيراني بشكل واضح في الشأن السوري،
وخاصة التدخل العسكري”.
من جهته، عبّر “أحمد”، شاب جامعي من سكان حي المزة، عن استيائه
من تفعيل النظام للمرسوم /66/، قائلاً: “إن كلفة المشروع التي تقارب مئات المليارات
من الليرة السورية، تكفي لإعادة إعمار أحياء كاملة هدمها طيران النظام ومدفعيته”،
متسائلاً: “إن كان النظام يريد حقاً إعادة إعمار العشوائيات فلم لا يبدأ بأحياء
جوبر والمخيم والقدم وغيرها الكثير، حيث لن يحتاج لنفقات هدم البيوت التي لم يبقَ من
معظمها أكثر من مجرد أجزاء جدران تكاد تسقط!”.
من جهة أخرى، أكّد “أبو مهند”، أحد قيادات الفصائل المعارضة في
الغوطة الغربية الملاصقة لحي المزة، أن “النظام يسعى، بدعم إيراني كامل، لنقل
أعداد من “الطائفة الشيعية” القاطنين في قرى وبلدات سورية أو قادمين من الخارج،
وتوطينهم في أحياء دمشق، ومنها حي المزة”.
ويشير “أبو مهند” إلى أن سيطرة الثوار على محافظة إدلب وتطويق قريتي
“كفريا والفوعة” ذات الغالبية الشيعية، كشف الغطاء عن مشروع توطين إيران
للشيعة، سواءً من سورية أو الخارج، في مناطق أكثر استراتيجية، خاصةً بعد التفاوض حول
خروج السكان والمقاتلين من مدينة الزبداني التي يسيطر عليها عدد من الفصائل أبرزها
“أحرار الشام”، لافتاً إلى أن “حي المزة وتوطين الموالين لإيران فيه،
يماثل ما حصل في بيروت وضاحيتها الجنوبية، فهي سياسة إيرانية ليست بالجديدة”.
لقديمة بدأ منذ أعوام ويتسارع بشكل قوي.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث