سارة مراد
يجازف الكثير من السوريين بأرواحهم
للوصول الى أوروبا، بحثاً عن حياة جديدة آمنة بعيدة عن الدمار وويلات الحرب، ولكن
هل تقتصر التحديات التي يواجهها السوريون على مصاعب الطريق والنجاة من الغرق
والسجن، أم تتعداها إلى عوائق أخرى تنتظرهم في الوطن الجديد، وبشكل خاص ألمانيا،
باعتبارها الوجهة الأولى لمعظم السوريين؟
غالباً
ما يجول في أذهان السوريين المهاجرين إلى أوروبا، وإلى ألمانيا بشكل خاص، أن جميع
مشاكلهم ستحل بمجرد وصولهم سالمين إليها، ولكن الواقع يقول إن الفترة الأولى، قبيل
حصول اللاجئ على الإقامة الألمانية، هي الأصعب على الإطلاق. فبعد وصول السوريين
إلى ألمانيا، يتم وضعهم في معسكرات أولية، وهي عبارة عن كامبات مؤقتة يجمع
الكثيرون على أن الحياة فيها غير
مريحة أبدا، حيث يوضع أكثر من خمسة أشخاص في غرفة واحدة، مما يلغي صفة الخصوصية
بالنسبة للعائلات، وقد توضع أكثر من عائلة في غرفة واحدة.
يقول محمد، المنحدر من مدينة دمشق والبالغ
من العمر 30 عاماً، لـِ “صدى الشام”: “عند وصولي إلى ألمانيا غمرني شعور بالسعادة
والتفاؤل، فقد وصلت سالماً بعد رحلة طويلة وشاقة. سلمت نفسي للسلطات الألمانية وتم
وضعي في كامب. في الحقيقة، صدمت كثيراً عند رؤية المكان؛ فهو أشبه بالمعتقل. أسكن
في غرفة صغيرة مع أربعة أشخاص، وأنا الآن بانتظار الحصول على الإقامة”.
هناك
مصاعب يجب على كل لاجئ سوري تجاوزها حتى يحصل على الإقامة ويبدأ حياته الجديدة في
ألمانيا، وأغلب اللاجئين الجدد لا يدركون ذلك.
وبالإضافة إلى
وضع السكن، يفاجأ اللاجئون بأن أوقات الوجبات في هذه المعسكرات محددة بالدقيقة، مع
تحديد أيضا لكمية الطعام ونوعه. يقول عمر خلف، وهو شاب سوري مقيم في ألمانيا منذ
ثلاث سنوات، لـ “صدى الشام”: “أعمل متطوعاً لمساعدة السوريين في
المعسكرات. كثيراً ما أرى الدهشة على وجوه السوريين عند وصولهم إلى الكامب وعند
تقديم الطعام لهم، فأصناف الطعام وكميته لا تكفيهم في كثير من الأحيان”. ويضيف
خلف: “هناك مصاعب يجب على كل لاجئ سوري تجاوزها حتى يحصل على الإقامة ويبدأ
حياته الجديدة في ألمانيا، وأغلب اللاجئين الجدد لا يدركون ذلك”.
كذلك، يعد الحصول
على الإقامة والعمل على لم شمل العائلات من أكبر المشاكل التي يعاني منها
اللاجئون، فهي تأخذ منهم الكثير من الوقت والجهد. تشير سهى العلي، سورية من حلب، إلى
هذا الموضوع، قائلةً: “سافر زوجي إلى ألمانيا منذ سنة تقريباً، أسكن وحدي مع أولادي
من دون معيل، بانتظار لم شملي مع زوجي والسفر إلى ألمانيا. لكن الإجراءات أخذت
وقتا ًطويلاً وأنا ما زلت انتظر”.
بعد
تخطي اللاجئين عقبة السكن في الكامبات، تبدأ رحلة الحصول على الإقامة والعمل على
لم شمل العائلات، وهو ما يعد من أكبر المشاكل التي يعانون منها.
كما يعتبر تعلم
اللغة الألمانية تحدياً آخر للسوريين، لكون اللغة الألمانية من اللغات الصعبة، وهي
اللغة الرسمية الوحيدة في البلاد. وفي هذا السياق، تقول لينا ميري، وهي مدرسة للغة
الانكليزية: “وصلت إلى ألمانيا قبل ستة أشهر تقريباً. أجد صعوبة في تعلم
اللغة الألمانية. أتقن اللغة الانكليزية بشكل جيد، ولكن الناس هنا لا يتكلمون إلا
بلغتهم الأم”.
وفي سياق آخر، يعمل
العديد من المواطنين الألمان على مساعدة اللاجئين السوريين في تخطي تلك المصاعب والاندماج
في المجتمع الألماني، حيث قدم العديد منهم مساعدات عينية ومادية للاجئين، ومنهم من
قام باستضافتهم في منزله. وقد أظهر استطلاع رأي ألماني حديث أن واحداً من كل خمسة
مواطنين ألمان تقريباً ساهموا بالفعل بشيء ما من أجل مساعدة اللاجئين. كما أن
الحكومة الألمانية أظهرت اهتماماً بالأعمال التطوعية المعنية باللاجئين، حيث أعلنت
وزيرة الدولة لشؤون الهجرة واللاجئين والاندماج بالحكومة الألمانية، أيدان أوزجوز،
لوسائل إعلام ألمانية، عن دعم الدولة للعمل التطوعي الخاص بمساعدة اللاجئين بـ 3.5
مليون يورو. وقالت أوزجوز خلال زيارتها لمشروع يتعلق بالعمل التطوعي لمساعدة
اللاجئين في العاصمة الألمانية برلين، إنه “من شأن هذا الدعم المادي المساعدة
على تأهيل متطوعين من الجمعيات الرائدة في مجال الرعاية الاجتماعية الحرة ودعم
مشاريع لمساعدة اللاجئين”.
استطلاع
رأي ألماني حديث يُظهر أن واحداً من كل خمسة مواطنين ألمان تقريباً، ساهموا بتقديم
شيء ما من أجل مساعدة اللاجئين.
وفي محاولة من
قبل السوريين لتوطيد علاقتهم بالألمان وإظهار المودة والامتنان لهم لمساعدتهم ولاستقبالهم
على أراضيهم، قام عدد من السوريين بعدة مبادرات إيجابية. وفي الحديث عنها، يقول عيسى لـ”صدى الشام”:
“قمت أنا وعائلتي، على غرار كثير من السوريين، بتنظيم حفلة تعارف تجمع بيننا
وبين جيراننا الألمان، وقمنا بطهو الطعام السوري، وقد أحبوه كثيراً”. كما نظم
عدد من الشباب حملة لشكر الشعب الألماني، قاموا خلالها بتوزيع الورود والشوكولا
وبطاقات مكتوب عليها كلمات شكر للشعب الألماني على استضافته للسوريين. وعن أسباب
هذه المبادرة، يقول أحمد: “نحن نقوم بهذا العمل لإعطاء انطباع جيد عن الشعب
السوري، فنحن ضيوف هنا، وعلينا أن نحترم قوانين هذا البلد وعادات وتقاليد شعبه”.
ومن الجدير
بالذكر أن ألمانيا استقبلت أكثر من 450 ألف لاجئ سوري منذ بداية العام الحالي، وفق
ما أعلن زيغمار غابرييل، نائب المستشارة الألمانية. وقال غابرييل: “سجلت
ألمانيا حتى الآن 450 ألف لاجئ، بينهم 105 ألف في شهر آب، و37 ألفا في الأيام
الثمانية الأولى من أيلول”، موضحاً أن “أكثر من مئة ألف آخرين سيسجلون
في أيلول/سبتمبر”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث