ثائر الزعزوع
خلال العام 2011، عرض التلفزيون السوري اعترافات لمن وصفه بالإرهابي
الخطير الذي نفذ عمليات في مدينة اللاذقية، وقد بدا معتوهاً حشاشاً لا يدري ما
الذي يقوله، وقد تحولت العبارات التي قالها المجرم الخطير إلى مجال للتندر
والسخرية. وحتى من نفذ عمليات المونتاج للاعترافات الشهيرة، لم يصدق كلمة مما سمعه
من “أبو نضير”، وبات يردد عبارة ربي يسر وهو يضحك، علماً بأنه موالٍ
للنظام حتى العظم، كما يقال.
وخلال السنوات التي مرت، تابعنا اعترافات لا تقل تلفيقاً عن اعترافات أبو
نضير، زينب الحصني التي بعثت من الموت مثلاً، كانت واحدة من الحكايات التي يمكن
التندر بها طويلاً، صحيح أننا نسيناها في زحمة ما يحدث وأمام هذا الدمار والقتل
اليومي، إلا أننا نعود لنتذكرها كلما قرر إعلام النظام إعادة السيناريو الرخيص
نفسه. ولعله من المفيد ألا ننسى أي تفصيل من هذه التفاصيل، لا الآن ولا مستقبلاً،
كي يعلم أولئك الذين سيقرأون تاريخ هذه الحقبة السوداء من تاريخ سوريا، ما هي
نوعية الحاكم والمحكوم، وإلى أي منحدر وضيع يمكن أن يهوي الحاكم ووسائل إعلامه في
سبيل زيادة الخراب والتدمير، بينما الإصلاح أسهل، وأقل تكلفة بكثير.
مناسبة استعادة الحديث عن الاعترافات هو اعترافات وافد أبو ترابي بكل
تأكيد، والمتهم باغتيال الشيخ وحيد البلعوس وعشرات آخرين في تفجيرين منفصلين في
مدينة السويداء، وقد اشتعلت المحافظة الهادئة نسبياً بعد هذا الاغتيال ولا أظن
أنها ستعود للهدوء مرة أخرى، فالبلعوس كان شخصية متفقاً عليها، له حضوره المهم، سواء على المستوى الاجتماعي والديني أم على المستوى السياسي، وقد برز
كقائد لحركة احتجاج وعصيان أرقت عصابة الأسد، بعد أن رفض أن يؤخذ أبناء السويداء
عنوة للخدمة في قوات النظام، وقد حاول النظام تطويعه مرات ومرات والالتفاف عليه،
لكنه لم يستطع، بل ظل يشكل شوكة في حلقه ويعطل قدراته على استثمار خصوصية محافظة
السويداء، التي تقطنها غالبية درزية، من أجل زيادة نيران الفتنة التي أشعلها في
عموم سوريا. المهم أن وافد أبو ترابي أطل على تلفزيون النظام جالساً بالطريقة
نفسها التي ظهر بها من سبقوه من المعترفين، وكانت أفكاره منظمة بطريقة مدهشة فكان
يروي بلا أي ارتباك أو تردد، لم ينس أي تفصيل صغير مما حدث، سواء على مستوى
التخطيط أو التنفيذ، ومثل جميع الذي جلسوا ليعترفوا سابقاً، فقد كان أبو ترابي
سوبرمان من نوع خاص ينتقل كيفما شاء ويخطط ويدبر دون أن تعترض طريقه أية صعوبات.
ظهور أبو ترابي التلفزيوني واعترافاته الملحمية تمت بعد يومين فقط من
اغتيال الشيخ البلعوس، علماً أن الأجهزة الأمنية، ووفق معلومات مؤكدة من محافظة
السويداء، كانت قد أغلقت أبوابها تحسباً لغضبة الحشود التي توعدت بأن تقتلع ذلك
النظام من جذوره، وطاف شباب السويداء مسلحين في شوارع مدينتهم يبحثون عن أي أثر
لقوات النظام، لأنهم كانوا يعرفون أن المستفيد الوحيد من قتل الشيخ البلعوس هو
النظام ولا أحد آخر. ولكن ولأن النظام يتعامل مع جمهوره ومؤيديه على أنهم مجموعة
من المغفلين الذين قد يصدقون كل ما يقال لهم، إذاً فما المانع من بث تلك
الاعترافات الكوميدية لشخص يتفق جميع أهالي السويداء على أنه من خيرة شبابهم، وأنه
كان على رأس الحراك المطالب بخروج قوات النظام من المحافظة، إذ لم يكن أبو ترابي
سوى عدو آخر للنظام تم التخلص منه من خلال إجلاسه أمام كاميرا التلفزيون وجعله
يعترف بأشياء تم تلقينه إياها، طبعاً من خضع من السوريين للاعتقال ولو مرة واحدة
يعرف ما هي الأساليب الحقيرة التي قد تتبعها أجهزة المخابرات لإجبار المعتقلين على
قول ما لا يقال، ولا يخطر في البال، وجميعنا نذكر ظهور شيخ الثورة أحمد الصياصنة
والشهيد الحي حسين هرموش، وكثيرين غيرهم، وكلنا نذكر كيف أجبر الفنان جلال الطويل
على الظهور وإبداء الندم، لذلك فالأمور بالنسبة لنا محسومة ولن نصدق أي كلمة مما
قاله أبو ترابي عبر شاشات إعلام العصابة القاتلة. إذاً لماذا أظهر النظام ذلك
الاعتراف عبر شاشته؟ وهل يأمل حقاً أن يصدقه أحد؟ بكل تأكيد لا، لكن ثمة الكثير من
الحمير الذين قد يصدقون هذه الحلقة الرديئة من المسلسل الطويل، دون أن يسألوا
أنفسهم لماذا تم التوصل لقاتل الشيخ البلعوس ولم يتم التوصل لقاتل العميد محمد
سليمان وعماد مغنية وأحد قيادات حماس، ولماذا طويت تلك التحقيقات وسجلت ضد مجهول،
بينما تتفوق أجهزة الأمن على المفتش كادجيت وعلى كونان في سرعة اكتشاف الجاني
واعتقاله؟
هذه الأسئلة لا يطرحها أولئك الحمير على أنفسهم، لأنهم ببساطة مجموعة من
الحمير، ما زالوا يصدقون أن ثمة مؤامرة كونية تتعرض لها سوريا، وهم حمير صدقوا أن
أهالي حي الميدان نزلوا ليشكروا الله على نعمة المطر، وهم حمير صدقوا أن إسرائيل
زودت الثوار بعربات في القصير. هم بكل بساطة، حمير جداً لأنهم يصدقون ولو لحظة
واحدة أن بشار الأسد يصلح أن يكون رئيساً يجلس على كرسي، بدل أن يكون متهماً يوضع
على الخازوق… وربي يسر
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث