الرئيسية / تحقيقات / اللاجئون السوريون .. اهتمام عالمي مفاجئ …وأرقام مخيفة في رحلة الحياة والموت

اللاجئون السوريون .. اهتمام عالمي مفاجئ …وأرقام مخيفة في رحلة الحياة والموت

مازال الإنسان السوري هو الأشقى على وجه المعمورة، فكما كانت
سورية بأمانها وطيبة أهلها
، قِبلة
يتوجه إليها كافّة سكان العالم، اقترن اسم البلاد اليوم بالشقاء والموت وإجرام الأسد،
فمات من مات، واعتُقل من اعتُقل، ومن بقوا أحياء لاذوا بالفرار علّهم يهربون من
الجحيم، ليكُتب عليهم أن يذوقوا كافة أصناف العذاب منذ رحيلهم، ويقتنعوا أخيرا أن
كلمة الموت لا تليق إلا بهم، أو هكذا أصبحت..

غياث شهبا

لم يكن (آلان) الطفل الوحيد الذي قضى في ظلمات البحر، لكنه تميّز عن غيره بأن أحد
المارة استطاع أن يلتقط صورة لجسده الصغير وقد هزت تلك الصورة العالم بأسره. فخلال
خمس سنوات من القتل والتشريد المنظم الذي تكفّل به الأسد، لم يلحظ العالم آلاف
الصور للأطفال السوريين المضرجين بدماء الحقد والطائفية، واكتفى قادته بالصمت تجاه
براميل الأسد والطلب منه (بلباقة) عدم استخدام السلاح الكيماوي في قتل المدنيين،
مشرّعين له القتل بالوسائل الإجرامية الأخرى. تسبب إجرام الأسد بهجرة آلاف
السوريين قسراً من بلادهم، ليصل العدد للملايين، بعد أن سرّع الأسد في خلق الأسباب
التي تساهم بترحيل السوريين عن أرضهم، لتغيير معالمها الديموغرافية خدمة للمشروع
الإيراني في المنطقة. هذا النزوح الكارثي هو الأكبر في التاريخ الحديث بعد الحرب
العالمية الثانية. ومن بين ملايين النازحين، كلّف مئات آلاف المهاجرين أمواج البحر
بتحديد مصيرهم، فإما يكونوا أو لا يكونوا، فمن ذاق مرارة ترحيله من وطنه، لن تزيده
ملوحة البحر إلا مرارة، واختناقا، ومن بعدها غرقا.. 

اهتمام
عالمي مفاجئ

شهدت الأيام القليلة الماضية اهتماما إعلاميا غير مسبوق بقضية اللاجئين السوريين، بعد
انتشار صورة غرق الطفل (آلان) في البحر المتوسط ، فخصصت مئات الصحف العالمية صفحتها
الأولى لصورة هذا الطفل، وألقت اللوم على القادة الأوروبيين وسياساتهم تجاه اللاجئين،
اللذين لم يجازفوا بحياتهم سوى للعيش بأمن وكرامة حُرموا منها نتيجة الصراع الدائر
في سوريا.

ساهمت صورة (آلان) والصحافة العالمية بشكل كبير، في حشد الرأي العام العالمي
تجاه اللاجئين السوريين من الناحية الإنسانية، فنظم الآلاف مظاهرات واحتجاجات تضامنية
مع قضية اللاجئين، وجرت هذه الاحتجاجات في ألمانيا والنمسا، وفي العديد من الدول الغربية،
داعية إلى استقبال المهاجرين وعدم التفرقة بينهم وبين المواطنين الأصليين. كما نظم
المواطنون فعاليات ضخمة لاستقبال السوريين المنهكين من رحلتهم الطويلة، فقدموا لهم
الأطعمة والمشروبات، وعرضوا عليهم مساكنهم ليتشاركوا بها معهم، ما اضطر القادة في شتى
دول العالم للإدلاء بتصريحات خجولة، ادّعت فيها الأسى الكاذب، فلم تخرج عن البروتوكولات
الرسمية التي ترثي حال الطفل وتعزي عائلته، متجاهلين السبب الرئيسي الذي أدى لنزوح
السوريين واستشهاد مئات الآلاف منهم، متمثلا بنظام الأسد الذي بدوره شارك عبر وسائل
إعلامه برثاء من هرب أهله من بطش الأسد. ولم تكتف حكومة النظام بذلك، فقد أصدرت بيانا
تدعو به السوريين إلى ماسمته “العودة لحضن الوطن” بسبب سوء معاملة السوريين
في الخارج. وكل هذا يندرج في إطار الرقص على جثث السوريين.

لم تخرج تصريحات قادة العالم إزاء حادثة (آلان) عن إطار
البروتوكولات الرسمية، التي اضطروا لفعلها لامتصاص الغضب العارم في الرأي العام العالمي.

طريق الحياة.. والموت..!

للوصول إلى أوروبا، يقصد أغلب السوريين طرقا باتت معروفة للكثيرين، ففي أول خطوة يتوجب
على المهاجرين الوصول إلى تركيا، ثم التوجه إلى مدن إزمير واسطنبول حيث يتواجد العديد
من المهربين الذين يتعهدون بإيصالهم إلى الوجهات المطلوبة. الطريق الذي يختاره المهاجر
يتحدد تبعا لأمواله وقدرته على تحمل التكاليف والأخطار، فمن استطاع تحصيل قدر وافر
من المال يتخطى 8 آلاف يورو، بإمكانه السفر بواسطة الطائرة، لكن محاولته غالبا ستكلل
بالفشل، ويحق له تكرار المحاولة ريثما تنجح العملية. أما أصحاب الإمكانيات
المحدودة فيلجؤون إلى إحدى طريقتين، إما السفر برا، وهي طريقة معقدة ومتعبة وقد
تستغرق شهورا للوصول إلى الجهة المرغوبة، إضافة إلى أنها محفوفة بالمخاطر نظرا
لاضطرار المهاجرين إلى السير على الأقدام، ولمسافات طويلة، في طرق جبلية وعرة أو
داخل غابات خطيرة، أو السفر عبر البحر، وهي الطريقة التي تتبعها النسبة الأعظم من
المهاجرين لانخفاض تكلفتها واختصارها للوقت، بالرغم من مخاطرها التي تصل إلى
المجازفة بالحياة.

تبدأ الرحلة بالانتقال بحرا إلى اليونان، وتتراوح تكاليفها بين 1000 و3000
دولار للشخص الواحد، بحسب الوسيلة، والتي قد تكون قاربا مطاطيا أو سياحيا. وفي كل الأحوال،
يأخذ المهرّبون اللاجئين إلى جزيرتي كوس ولوبوس اليونانيتين القريبتين من المياه التركية،
وبعدها يتم نقلهم إلى ميناء براوس القريب من أثينا. وتعد المرحلة الأولى أخطر مراحل
الرحلة، وفيها تأخذ الأقدار مجراها، فتلعب شدة الرياح دورا في قلب القوارب، وهو ما
أودى بحياة المئات غرقا، فقد ابتلع البحر المتوسط ما يزيد عن 2400 ضحية من السوريين
منذ بداية العام الحالي.

غرق في عام 2015 حوالي 2824 مهاجرا، منهم 2400 سوريا، وفي شهر
نيسان وحده غرق حوالي 1312 مهاجرا
.

ما
وراء البحار

بعد انتهاء (مرحلة الموت) في لعبة البحث عن الحياة، يتجمع آلاف السوريين في العاصمة
اليونانية أثينا لينطلقوا في رحلتهم البريّة، والتي تبدأ بنقلهم إلى الحدود المقدونية
غالبا، وقد أعلنت مقدونيا عن دخول 3 آلاف مهاجر يوميا إلى أراضيها، رغم تشديد إجراءاتها
في منعهم من التقدم. يسجل المهاجرون بياناتهم في مقدونيا في مراكز استقبال خاصة بهم،
ليتم نقلهم بعد ذلك إلى الأراضي الصربية، التي أعلنت بدورها عن استقبالها لأكثر من
160 ألف مهاجر منذ بداية العام.

بعد اليونان ومقدونيا وصربيا تأتي أصعب العقبات البرية التي تواجه اللاجئين
وهي دولة هنغاريا، فقد أقامت سياجا من الأسلاك الشائكة على طول حدودها مع صربيا، والتي
تمتد لـ 175 كيلو متر، منعا لدخول اللاجئين. ورغم ذلك، دخل في الشهر الماضي أكثر من
50 ألف لاجئ، حسب السلطات الهنغارية. يعاني اللاجئون في هنغاريا كافة أصناف الذل وسوء
المعاملة والإجبار على ما يعرف بالبصمة التي تجعلهم لاجئين فيها، وقد قام بعض
المهاجرين بحرق أصابعهم بغية عدم التسجيل في هذا البلد، وقام البعض الآخر بطلاء الأصابع
بالسوائل اللاصقة التي تحجب تفاصيل البصمات عن الأصابع.

يتجمع اللاجئون في محطة بودابست للقطارات كي يغادروا جحيم هنغارية باتجاه
النمسا ومن يسعفه الحظ يصعد القطار أولا. ليس بالضرورة أن يكون قطار النمسا حقيقيا،
فقد لجأت السلطات الهنغارية في عدة مرات، إلى خداع الركاب بإخبارهم أن القطار القادم
سيأخذكم إلى النمسا، لكنه بالحقيقة يغير اتجاهه إلى مراكز الاحتجاز، ومن ثم الإجبار
على (البصمة). من نجح بالوصول إلى النمسا عبر محطة بودابست يتوجه بعدها براً إلى ألمانيا.
وقد تسببت إحدى المحاولات بكارثة إنسانية قبل أيام، راح ضحيتها 71 مهاجرا سورياً قضوا
اختناقا في شاحنة مغلقة تركها سائقها على إحدى الطرق الدولية في النمسا. بعد الوصول
إلى ألمانيا، يستقر أغلب اللاجئين هناك، حيث أعلنت الحكومة الألمانية مؤخرا عن استعدادها
لتلقي 800 ألف لاجئ جديد هذا العام. بعض المهاجرين يتابعون مسيرهم إلى دول أخرى كهولندا
والسويد وفرنسا.

أقامت هنغاريا سياجا من الأسلاك الشائكة على طول حدودها مع صربيا،
والتي تمتد لـ 175 كيلو متر، منعا لدخول اللاجئين، وقد دخلها، رغم ذلك، أكثر من 50
ألف مهاجر خلال الشهر الماضي.

قام بعض اللاجئين في هنغاريا ببحرق أصابعهم، فيما غمر آخرون
أيديهم بالسوائل اللاصقة لتجنّب (البصمة) في هنغاريا.

أرقامٌ مخيفة

كشف المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن 2824 شخصاً غرقوا وفُقدوا منذ بداية
عام 2015 حتى نهاية الشهر الثامن منه، فيما اعتُبر شهر نيسان الأسوأ على المهاجرين،
بمجموع غرقى ومفقودين بلغ 1312 غريقاً أو مفقوداً. وقال المرصد إن أعداد اللاجئين الذين
وصلوا أوروبا خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2015 كلاجئين أو طالبي لجوء، بلغت
نحو 380 ألف شخصاً، مقارنة بنحو 145 ألفا في الفترة ذاتها من العام الماضي، متوقعا
تجاوز الأعداد النصف مليون مع نهاية العام. وبيّن أن شهرَي تموز وآب شهدا طفرة في أعداد
الذين وصلوا إلى الاتحاد الأوروبي، حيث بلغ عددهم نحو 190 ألف لاجىء، وصل معظمهم عبر
البحر المتوسط إلى إيطاليا واليونان، فيما وصل البعض من تركيا عبر الحدود البرية مع
بلغاريا، أو عبر البحر إلى إسبانيا. وقال التقرير إن عدد طلبات اللجوء المقدمة إلى
أوروبا منذ بداية العام 2015 وحتى نهاية شهر تموز، بلغت 583.758 طلباً، منها
126.232 طلباً قدمه سوريون، وكانت ألمانيا الدولة الأكثر استقبالاً لطلبات اللجوء في
أوروبا.

أعداد اللاجئين الذين وصلوا أوروبا خلال الأشهر الثمانية الأولى
من العام الحالي بلغت نحو 380 ألف شخصاً، مقارنة بـ 145 ألفا في الفترة ذاتها من العام
الماضي.

وأوضح التقرير أن اللاجئين وطالبي اللجوء الذين وصلوا إلى أوروبا هذا العام
وصلوا إليها عبر ثلاثة معابر رئيسية، هي اليونان، والتي يصل إليها اللاجئون عادةً عن
طريق منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، وبلغ عدد اللاجئين الذين وصلوها خلال الأشهر
الثمانية الأولى من عام 2015، نحو 241.712 شخصاً، تليها إيطاليا، والتي يصل إليها اللاجئون
عادةً عن طريق منطقة وسط البحر الأبيض المتوسط أيضا، وقد وصلها خلال الأشهر الثمانية
الأولى من عام 2015، ما مجموعه 116,300 لاجىء أو طالب لجوء، وأخيراً إسبانيا، والتي
يصل إليها اللاجئون وطالبوا اللجوء عادةً عن طريق الإبحار من منطقة غرب البحر الأبيض
المتوسط، وقد وصلها خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2015، ما مجموعه 8,000 شخص.
وفي كل المعابر السابقة، تصدر السوريون أرقام الوافدين إليها.

منذ بدء الصراع وحتى نهاية شهر آب 2015 لجأ ما مجموعه
4,088,078 سورياً إلى دول الجوار السوري، فيما يُتوقع أن تصل أعدادهم مع نهاية هذا
العام إلى 4.27 مليون شخصا.

ونوه التقرير إلى أنه وبجانب أعداد أولئك الذين وصلوا أوروبا قادمين من سوريا،
بلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين في دول الجوار السوري لدى مفوضية الأمم المتحدة
لشؤون اللاجئين (
UNHCR)، منذ بدء الصراع في سوريا وحتى نهاية شهر آب 2015،
ما مجموعه 4,088,078 لاجئاً سوريا، فيما يُتوقع أن تصل أعدادهم مع نهاية هذا العام،
إلى 4.27 مليون شخصا.

وفي تركيا، أشارت إحصاءات رسمية نقلها موقع (تورك برس)، أن خفر السواحل التركي
قبض على 12,872 مهاجراً في عام 2014 وحده، حيث بلغ معدل عدد المهاجرين الذين يتم الإمساك
بهم يوميا من قبل خفر السواحل التركي 35 شخصاً. كما بلغ عدد المهاجرين الذين أمسك بهم
خفر السواحل التركي في عام 2013، 8,047 مهاجراً، مِنهم 6,937 في بحر إيجة.

وكانت السلطات التركية قد أعلنت عن إنقاذها لـ 1118 مهاجرا في ثلاثة أيام
فقط بين 1 و4 أيلول. كما أشارت السلطات في بيان لها، أنه تم إنقاذ 44 ألفا و155 مهاجرا
غير شرعي اعتبارا من بداية العام 2015، فضلا عن ضبط 57 مهربا خلال الفترة ذاتها.

أنقذت السلطات التركية 1118 مهاجرا في ثلاثة أيام فقط بين 1-4
أيلول

التغريبة السورية لن تنتهي مأساتها عند هذا الحد، فرغم الترحيب الشعبي
الواضح من قبل العديد من سكان القارة الأوروبية، مازال الواقع ينبئ بقادمٍ أسوأ،
ومازال القادة العرب يقفون صامتين تجاه ما يحدث مع (إخوانهم) السوريين. ويرى
الكثيرون أن هذه الحملة العالمية للتضامن مع الشعب السوري سيخمد بركانها مع الوقت،
فيما يتساءل آخرون عن سبب تأخر الحملة رغم كثرة المجازر التي قام بها نظام الأسد. أثار
هذا الاهتمام الشك والريبة بالنسبة للكثيرين، فأعداد ضحايا اللاجئين كنسبة شهريّة كانت
أكبر من الوقت الحالي في شهر نيسان الماضي، ولم تلق كل النداءات حينها أيّ تجاوب.
فهل لهذا الموضوع علاقة بتسيير أمور المخططات الهادفة للتغيير الديموغرافي في سوريا؟
هذا ما ستكشفه للسوريين الأيام البعيدة القادمة..

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *