خضر الآغا
خلال الثورة السورية، واستفحال
النظام السوري بتوحشه تجاه السوريين، من خلال تهجير الناس وتدمير بيوتهم وقصفهم
بكافة صنوف الأسلحة، وبشكل خاص بعد وصول المعتقلين في سجونه إلى أرقام قياسية لم
يسبق لحكومة في العالم أن قامت بها، وبعد استفحال ظاهرة الموت تحت التعذيب التي
هزت الضمير العالمي بعد تسريب مئات الصور لمعتقلين ظل النظام السوري يعذبهم
ويعذبهم حتى ماتوا… في هذه الأثناء تكونت لدى السوريين والمتعاطفين معهم ظاهرة
مقارنة بين ما يقوم به النظام السوري وما تقوم به إسرائيل.
لقد ظلت إسرائيل لفترة طويلة،
المجرمَ الأول في العالم، أو في المنطقة، فهي التي هجّرت الشعب الفلسطيني بأكمله،
وارتكبت بحقه المجازر تلو المجازر، واعتقلت الكثير من شبابه ونسائه وشيوخه، ونفت
العديد منهم وشردتهم في بلاد الله… ونتيجة هذه الممارسات، تشكلت في العالم مؤسسات
ومنظمات وحركات تناصر الفلسطينيين وتدافع عنهم، وتُظهر إسرائيل على أنها المجرم
الدولي الأخطر، لكن المحمي من دول عظمى.
عندما ظهر النظام السوري على
حقيقته، التي كان يحاول إخفاءها عبر إرغام الناس على السكوت والصمت، وانكشف أمام
العالم بجرائمه التي لم يحصل مثلها في التاريخ الحديث للبشرية، برز سؤال مهم:
أيهما أكثر إجراماً، وأيهما المجرم الأول في العالم: إسرائيل أم النظام السوري؟
راح الناس يستحضرون صوراً عديدة
للمقارنة بينهما، ومن أبرزها المقارنة بين معتقل خارج للتو من معتقلات إسرائيل،
وآخر خارج للتو من معتقلات النظام. الأول يبدو بصحة جيدة، بملابس نظيفة، وقادراً
على رفع رأسه إلى الأعلى مزهواً بنفسه، فهو يستطيع أن يجاهر أمام إسرائيل نفسها
بأنه كان معتقلاً لديها دفاعاً عن قضية آمن بها ضد العدو الإسرائيلي، ويستطيع،
أيضاً، أن يتحدث أمام الإعلام ويرفع شارة النصر ويقول، متحدياً إسرائيل، ما يشاء
من عبارات التصميم على النصر واسترجاع الحق ودحر العدو، وما إلى ذلك…
أما الثاني، أي المعتقل الخارج من
سجون النظام، فيبدو، إن صدف وتم تصويره سراً، مهلهل الثياب، متسخاً، رأسه إلى
الأرض ليبدو ذليلاً مقهوراً، لا يجرؤ على الالتفات حوله، وغير مسموح له أن يتكلم،
وإن سمح له بالكلام فسيقول ما يمليه عليه النظام، وسيصف نفسه ورفاقة بأحط الصفات،
ويقول عن نفسه أنه ضد الوطن وإرهابي، وأنه أجير لدى دول وجهات خارجية، وأنه باع، ومستعد
لأن يبيع، أسرته وعائلته ورفاقه ووطنه بأبخس الأثمان.. باختصار، سيجبروه على أن
يقول عن نفسه: إنا بلا كرامة! و”الكرامة” هذه هي واحدة من الأسباب
الأولى التي خرج السوريون بثورتهم لاستردادها. الأمر الذي يعني أن المعتقل
“بلا كرامة” أصلاً، فكيف يطالب بشيء هو لا يملكه أصلاً! الأمر الذي
يعني، أيضاً، أنه لا يحق له التعبير ولا التظاهر ولا الثورة لأجلها!
السوريون يتذكرون حادثة مروعة
راحوا خلال الثورة يتناقلونها علناً، وهي صورة الطيار السوري الذي أسرته إسرائيل
في حرب تشرين، تلك الحرب التي تعهد بموجبها حافظ الأسد بحماية حدود إسرائيل، وقد
حماها فعلاً إلى يومنا هذا. تم أسر الطيار بعد أن أسقطت الدفاعات الإسرائيلية
طائرته، وقد أجرت إذاعة إسرائيلية مقابلة معه، وسأله المذيع عن عدد الصواريخ التي
تحملها طائرته فأجاب: خمسة صواريخ. فقال المذيع الإسرائيلي: نحن نعرف أنها تحمل
أربعة. رد الطيار: صحيح، لكنني أنا الصاروخ الخامس!
تناقل السوريون هذه الجملة بنوع من
الحماس والفخر بهذا الطيار الذي قال ذلك متحدياً إسرائيل بعقر دارها، وأطلقوا على
هذا الطيار لقب “الصاروخ الخامس”.
عام 1982، كان النظام قد شن حملة
اعتقالات طالت معارضيه، وكان هذا الطيار من بين المعتقلين. رفاقه الذين كانوا معه
في السجن نقلوا أن عناصر الأمن الذين كانوا يشرفون على تعذيبه، ويعذبونه بأنفسهم،
كانوا يهزؤون منه عندما يطلبونه للتعذيب قائلين: تعا، صاروخ خامس، تعا كول دولاب.
كان الطيار يبكي أحياناً ويقول: بإسرائيل
ما أكلت ولا كف!
كثيرة هي الصور التي يتناقلها
السوريون والمتعاطفون معهم من غير السوريين عن الفرق بين مجرمين: إسرائيل والنظام
السوري، وهم يعرفون جيداً أن إسرائيل لم تقتل شعبها، بل على العكس، توفر له
متطلبات الحياة التي يفتقد السوري أبسطها. فيما النظام السوري يقتل شعبه هو.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث