عبد
القادر عبد اللي
على
مدى أكثر من خمسين يوماً والطائرات التركية تقصف مواقع حزب العمال الكردستاني في
الداخل التركي وشمال العراق، وقبل حوالي أسبوع بدأت عمليات نزول القوى البرية
والوحدات الخاصة التركية إلى المدن في جنوب شرق الأناضول، وهناك مؤشرات كثيرة على
أنها ستدخل لاحقاً إلى شمال العراق وحتى شمال سورية، لإبعاد عناصر هذا الحزب الذين
قد ابتعدوا أصلاً، وغادروا إلى إيران. وقد تلقى هذا الحزب ضربة عسكرية لعله لم
يتلق مثلها في تاريخه، فهي المرة الأولى التي يقارب عدد ضحاياه الألف خلال فترة لم
تبلغ الشهرين، هذا عدا عن الجرحى والأسرى.
في
الحقيقة، إن هذه العمليات لا تنفصل بأي شكل من الأشكال عن مجريات الأحداث في
سورية، والمنطقة كلها، ففي المنطقة محور إيراني، ومحور سعودي تركي، وهناك الولايات
المتحدة الأمريكية التي تمنع انتصار أحد المحورين على الآخر، وكلما تقهقر طرف، بثت
الحياة فيه.
ما
يجري في جنوب شرق تركيا وشمال العراق يشبه كثيراً ما يجري للحوثيين وأنصار علي عبد
الله صالح في اليمن، فحزب العمال الكردستاني حدد خياراته بالتحالف مع إيران،
وانقلب على ما سمي في السياسية التركية “مرحلة السلام”. وعلى الرغم من
إنكاره هذا التحالف، فإن الإيرانيين يثبتونه، وخاصة بعد أن أعلن وزير الداخلية
الإيراني باللباس العسكري، أنه في معسكر لحزب العمال الكردستاني في إيران، فهل
هناك إثبات أكثر من هذا؟ غير هذا، نحن نطالع الصحف الموجهة إيرانياً تتحدث عن
انتصارات ساحقة ماحقة لحزب العمال الكردستاني، وقرب القضاء على حزب العدالة
والتنمية، وهي متطابقة تماماً مع ما كانت وسائل إعلام ما يسمى
“المقاومة” في بداية عملية الحزم السعودية على اليمن، فقد كانت صحفا
بقينا نعتقد أنها محترمة حتى الأمس القريب، تتحدث عن انتصارات سحقت الجيش السعودي،
ولم تُبق منه شيئاً، وعن قرب نهاية آل سعود. والآن، الأخبار نفسها تنقلها وسائل
الإعلام نفسها، ولكنها تستخدم “آل أرضوغان” بدلاً من آل سعود.
لا
أريد أن أفرط بالأمل، ولكن كل انتصار صغير على حلفاء إيران هو تفاؤل، وحزب العمال
الكردستاني سيبقى فترة ليست قصيرة قبل فك ارتباطه بإيران –هذا إن فك هذا الارتباط-
والتأقلم مع الواقع السياسي التركي. وإذا كان الاتحاد الوطني الكردستاني وسيط
العمال الكردستاني مع السلطات الإيرانية، فإنه ليس ثمة تحالف كامل بين هذين
الحزبين. لهذا فإن هذه الحرب لن تؤدي إلى نتائج ملموسة لإيران سوى مواد صحفية
تتحدث عن مملكة وهمية هي المملكة (أو السلطنة) التركية، وأسرة مالكة (الأسرة
الأرضوغانية) غير موجودة على أرض الواقع، وبالتالي ستحقق انتصاراً إلهياً عندما
تنتهي فترة حكم إرضوغان، ويذهب إلى البيت مثلما ذهب سابقه عبد الله غول.
وبالطبع،
فإن داعش لا تنفصل عن هذا الحلف، فهي التي أنقذت النظامين الدميتين بيد إيران في
سورية والعراق، والصراع بين داعش وحزب الاتحاد الديمقراطي “PYD” هو صراع على الشريط الحدودي شمال
سورية، والهدف منه واحد وهو قطع طرق الإمداد عن مقاتلي المعارضة في الجنوب، أي أن
الهدف الاستراتيجي هو واحد: “خنق الثورة السورية، وتثبت الحكم الإيراني في
سورية”، لأن ببقاء هذا النظام مصلحة للطرفين، فالفوضى أخصب أرض لاستمرار
أمراء الحرب، وتهجير الناس، والتغيير الديموغرافي. وبالطبع لكل منهما هدف ثانوي
غير هذا، وهو “تأسيس دولة”.
تركيا
تخوض الآن حرباً برية وجوية شاملة ضد طرفي الصراع (داعش وحزب العمال الكردستاني)،
ولا يمكن فصل العمال الكردستاني عن الاتحاد الديمقراطي، والهدف هو تنظيف الشريط
الحدودي شمال سورية من “المنظمات المتطرفة” بغض النظر عن انتماءاتها… هذه
الحرب ليست من أجل السوريين، وليست من أجل الأمريكان، أو أي طرف آخر، إنها من أجل
تركيا، ومصلحة قومية تركية. ولكن من يسمون أنفسهم “ثواراً” أو
“مجاهدين” في سورية، مثلهم مثل السياسيين الآخرين، هم الأقل خبرة بالعمل
السياسي، فليس لديهم خطة للاستفادة من المعطيات والتوازنات الجديدة على ما يبدو.
المقتل
هو أن يعتقد البعض أنهم يضحكون على أجهزة المخابرات العالمية كلها، ويستعدون
للحلول محل داعش، ليس كقوة مسيطرة على الأرض التي ستنتزع من داعش فقط، بل كفكر
تكفيري قمعي يكون استمراراً لداعش باسم جديد. هذه الحسابات هي حسابات مراهقين
سياسيين، فالتجربة الشعبية تعطي كثيراً من الحكم، ولا أفضل من الحكمة الشعبية التي
تقول: “إذا حلق جارك بلّ ذقنك”، فمن يعتقد بأنه سيضحك على المخابرات
الأمريكية والتركية، ويحظى بأرض داعش على طبق من ذهب، ويطبق فيها شرع البغدادي
باسم آخر، عليه أن “يبل ذقنه منذ الآن”، لأن حلاقة الذقن الرطبة أسهل من
الجافة وأقل إيلاماً…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث