رغم أهمية إنجازات قراصنة الثورة في الحرب الرقمية، إلا أن
انتصارات النظام لم تكن أقل شدّة، بل تجاوزتها في كثير من الأوقات، فكان ضعف
الإمكانيات وقلّة التنظيم بالنسبة للثوّار يصبّ في مصلحة النظام، فاعتزل الكثير من
الثوار أعمالهم، لأن اليد الواحدة لن تصفّق، في وقت تابع آخرون المسير علهّم يجدون
اليد الأخرى.
يبذلون جهودا مضنية للظفر بمعلومة تفيد الثورة السورية عسكرياً أو لوجستياً أو حتى
معنويا. تتعدى تبعات الحرب الرقمية الشخصيات العسكرية والإعلامية، فتصل إلى نجوم
الشاشة والمشاهير المؤثرين بالرأي العام، فقد استهدف القراصنة الثوار في غاراتهم
الإلكترونية العديد من الضباط والمسؤولين والرموز المعروفين بدعمهم لإجرام النظام،
والذين جنّدها الأخير لجذب الرأي العام المحلي إلى طرفه، كالممثلين ونجوم الدراما
والمخرجين والمغنّين. واكتشف الثوّار في اختراقاتهم لأجهزة هؤلاء، العديد من
الكوارث الأخلاقية التي تعدّت مسمّى الفضيحة بأشواط. يقول (الهكر) أبو عمر تلكلخ: “اكتشفنا
أثناء اختراقنا لأجهزة العديد من الفنانين الموالين للنظام، والذين يملكون قدرة
على التأثير في الرأي العام المحلي والعربي، العديد من الفضائح. فمنذ وقت قريب،
كشف القراصنة محادثات للممثل بشار اسماعيل مع منال الأسد، وأغلب المحادثات غير
أخلاقية وتحمل طابعا جنسيا، ومن الشخصيات التي اخترقنا أجهزتها وظهرت لنا فضائحهم
الأخلاقية والإنسانية، الممثل عباس النوري، المخرج مؤمن الملا، المخرج طارق عائشة،
باسل حيدر، هالة القصير، سامر شقير، رجاء يوسف وابنتها نور أحمد، وحسين مرتضى، أحد
رموز إعلام النظام”.
للمعارضة نصيبها من الاختراق
“هناك بعض الشخصيات من المعارضة السورية، والمحسوبة على الثورة المجيدة،
والتي تاجرت بقضيتنا على حساب دماء الشعب السوري واللاجئين، تم اختراق أجهزتهم وفضح
سرقاتهم المالية”، هذا ما أكده القرصان (القيسي)، ليبيّن أن المعارضة لم تسلم
من قراصنة الثورة. يضيف أسعد الحلبي: “بعض قادة المعارضة يقيمون في أفضل الفنادق
وأولادهم في أرقى الجامعات، بينما يقبع اللاجئون في غياهب التشرد. وقد اخترقنا عدة
أجهزة ومواقع إلكترونية خاصة بهم، وفضحنا ممارساتهم المالية وتعاملهم مع المنظمات ذات
الطابع الإيديولوجي المضر بالثورة السورية”. بينما يبرر (سيريان ثوندر) لـ”صدى
الشام” اختراق بعض مواقع المعارضة وتعطيل بعضها الآخر بقوله: “جل الشباب
السوري خارج الجامعات ولا يستطيع الحصول على قوت يومه، والمعارضة تهمل مسؤولياتها المترتبة
عليها. وإذا تحدثنا فقط عن المنحى التعليمي، فسوريا تحتاج بالمستقبل لكفاءات أكاديمية،
والمعارضة نسيت هذا الجانب، كان همّها الأكبر الاحتفاظ بسلطتها بحجة دعم الثورة”.
كان هنالك نوع آخر من نوايا قراصنة الثوار إزاء اختراق المواقع الإلكترونية
للمعارضين وصفحاتهم الرسمية، فحسب (الهكر) قرصان درعا: “كنا نكتشف بعض الثغرات
في صفحات أو مواقع مهمة تابعة للمعارضة السورية، ونقوم بتنبيه المعنيين أن صفحاتهم
معرضة للاختراق كي يستدركوا الأمر، وعندها نقدم استشاراتنا ومساعداتنا التقنية دون
مقابل. وفي حال لم يكن هناك تجاوب أو حدث شيء من اللامبالاة، نخترق الصفحة التي تحدثنا
عنها لنري المسؤولين مدى أهمية الأمر. عندها يستوعبون الخطر المحيط بهم، ويطلبون مساعدتنا
التقنية في حماية مواقعهم”.
والتي تاجرت بقضيتنا على حساب دماء الشعب السوري واللاجئين، وفضحنا حساباتهم
المالية المشبوهة.
المعنيين أن صفحاتهم معرضة للاختراق كي يستدركوا الأمر.
أخلاقيات القراصنة
لم يكتفِ قراصنة الثوار بذلك، فأخذوا دور المنقذ في الكثير من حالات الاختراق
التي قام بها قراصنة النظام بحق شخصيات مهمة في المعارضة. فبحسب (الهكر) حسن بانياس:
“في الشهر الثاني من العام الماضي طلب منا أحد أبرز القادة العسكريين استعادة
حسابه الإلكتروني بعد أن تم اختراقه وإغلاقه من قبل هكر محترف تابع للنظام، وبعد عناء
طويل تم استعادة حسابه وحمايته إثر خطأ وقع به الهكر”.
وعن واقعة مشابهة، يحدثنا (قرصان درعا): ” في العام الماضي، علمت إحدى
الناشطات أنه تم اختراق جهازها بواسطة أحد قراصنة النظام الذي حاول استغلالها، وقد
أخبرتنا على الفور. وعندما تدخلنا لحماية معلوماتها، اكتشفنا أن هذا القرصان يملك العديد
من المعلومات التي جناها من عشرات الناشطين”.
أنشأ قراصنة الثورة بعض المنتديات السرية للتواصل فيما بينهم، لوضع الفِرق
بصورة الإنجازات وإظهار جديد التطورات في العالم الرقمي وتداولها بين الأعضاء. كذلك
أسسوا صفحات توعوية للثوار من أجل حماية أنفسهم إلكترونيا، كمنتدى (أمان سوريا)، و(قراصنة
سوريا).
يهتم القراصنة الثوّار بالقيم الأخلاقية والإنسانية، ويعنون باحترام
الخصوصية. فكما يقول أبو محجوب: “لا نقوم أبدا بنشر البيانات ذات الخصوصية العائلية،
حتى لو كان الضحية من المؤيدين لنظام لأسد. فنحن نخوض معركتنا بشرف وكرامة، ولا
نبتز أحدا ولا نبيع ثغرات مواقع إلكترونية لأي جهة كانت، عُرض علينا الكثير من
الرِّشى ولم نقبل على الإطلاق”.
أحد القراصنة الثوار: لا نقوم أبدا بنشر البيانات ذات الخصوصية
العائلية، حتى لو كان الضحية من المؤيدين لنظام لأسد، فنحن نخوض معركتنا بشرف وكرامة.
قراصنة النظام
بعد أن استطاعت المجموعة التابعة لقراصنة النظام أن تخترق جهاز أحد المعارضين،
حيث استخدمت كافة أساليب (الهندسة الاجتماعية) وأخذت دور الفتاة كما أسلفنا في الجزء
الأول من التحقيق، وبحسب التقرير الذي نشرته شركة أمن المعلومات fire eye، تمكنت المجموعة من الحصول على
معلومات بالغة الأهمية، وكان لها دور بارز على الأرض. فحسب التقرير، وصلت المجموعة
لمعلومات مهمة عن هجوم خططه الثوار لتحرير بلدة خربة غزالة في ريف درعا منتصف عام 2013،
وقد ساعد اختراق حاسوب الشخص المعارض المجموعة على كشف كافة جهات الاتصال التي يتعامل
معها، مما سهل عليهم متابعة الخطط العسكرية التي يرتبط وأصدقائه بها، لفترة تجاوزت
الثلاثة أشهر. وبيّن التقرير أن خطة المعركة كانت تتضمن حوالي 700 إلى 800 مقاتل، وكانو
منقسمين إلى مجموعات لتنفيذ هجمات متباعدة وموسعة لأجل القيام بكمين حربي مفاجئ، فحددوا
مواقع القوات الاحتياطية وفق مناطق متدرجة، كذلك تم الكشف عن طرق الإمداد بالذخيرة
والغذاء، وكافة التفاصيل التكتيكية والعسكرية للهجوم، وأنواع الأسلحة المستخدمة وأرقام
وبيانات تحدثت عن الذخيرة المتوافرة.
كشف مجموعة تابعة لقراصنة النظام طرق الإمداد بالذخيرة
والغذاء ومواقع القوات الاحتياطية وأنواع الأسلحة المتوافرة، إضافة إلى كافة
التفاصيل التكتيكية والعسكرية لهجوم كان الثوار يخططون للقيام به في درعا.
وحسب الدراسة فإن كشف هذه المعلومات من خلال دراسة وتحليل الملفات التي سرقها
قراصنة النظام، والتي تحوي الاتصالات السرية وخطط الثوار، فقد تمكنت المجموعة من كشف
الاستراتيجية العسكرية في المعارك الدائرة، إضافة إلى خطط الدعم اللوجستي ومعلومات
شخصية.
كنوزُ جناها قراصنة النظام
وكما تقول الـ fire eye، فإن المجموعة التي نفذت الهجوم اهتمت بالقوائم التي تحوي أسماء، وبعد
فحص هذه البيانات تم إيجاد الكثير من القوائم التي تعرّف عن آلاف المقاتلين المنتسبين
لكتائب الثوّار. بعض تلك القوائم كانت تحوي أسماء وتواريخ ميلاد، بينما يحوي بعضها
الآخر أرقام هواتف المقاتلين وأنوع الأسلحة التي يحملونها، كذلك تضمنت القوائم أسماء
لبعض ضباط النظام وحزب الله لملاحقتهم ومن ثمّ تصفيتهم.
كذلك سرقت المجموعة معلومات بالغة الأهمية عن المعارك القادمة، والتي تحوي
صورا لأقمار صناعية مرفقة بملاحظات وخرائط لأرض المعركة. ومن خلال إحدى هذه السجلات،
تم رصد محادثات تتكلم عن تحركات شحنة صواريخ أمريكية الصنع طراز “تاو”، وتم
تحديد مكان وزمان التسليم.
غنم قراصنة النظام قوائم بأسماء المقاتلين وأرقام هواتفهم
ونوع السلاح الذي يحمله كل فرد منهم. كما استطاعوا الاستحواذ على معلومات سياسية
وبيانات عن الناشطين الإعلاميين ومراكز اللاجئين.
تسريبات خطرة
لم تكتف المجموعة بسرقة البيانات العسكرية، فمن سجلات المحادثات استطاعت أن
تحظى بنظرة داخلية عن سياسة المعارضة السورية، كمحادثات مع شخصيات من الائتلاف وأسرار
التحالفات المتغيرة، وتفاصيل عن بنية المعارضة متضمنة تشكيلات الأحزاب السياسية وتحالفاتها.
كذلك استطاع قراصنة النظام الاستحواذ على معلومات متعلقة بالنشاطات الإنسانية
في سوريا ودول الجوار، وقوائم تتضمن الاحتياجات الإنسانية ومتطلبات مخيمات اللاجئين،
وبيانات عن اللاجئين وأسمائهم ونماذج الطلبات التي يجب أن تُملأ من قبلهم كي يحصلوا
على المساعدات.
لم يكن الناشطون الإعلاميون بعيدين عن ناظر المجوعة، فاستهدفت الأخيرة الناشطين
الشباب الذين يعملون من داخل سوريا مع المراكز الإعلامية المحلية، وتمكنت من الوصول
لجهاز الحاسوب الخاص بأحدهم وسرقة مقطع فيديو لاجتماع، وعدة مقاطع للقاءات مع وسائل
إعلامية، وقوائم تحوي توثيقات تتعلق بالتحقيقات حول استخدام النظام للأسلحة الكيميائية.
ترى الشركة التي أجرت الدراسة أنّ المجموعة التي نفّذت الهجوم قامت بإنشاء
مجلد لكل جهاز تم اختراقه على الخادم الخاص بها، وهذه المجلدات تحوي عدداً معيناً من
قواعد بيانات جلسات السكايب المسروقة، وقد ساهم بهذا استخدام الضحايا نفس جهاز الحاسوب
بسبب قلة الإمكانيات وضعف شبكة الإنترنت في سوريا.
استخدم الضحايا في عدة حالات حاسوباً واحداً لأكثر من شخص،
ما عرّض بيانات كل الأشخاص المشتركين للاختراق.
صعوباتُ وفرص مهدورة
اعتزل الكثير من قراصنة الثوّار العمل نتيجة لانعدام الدعم المطلوب، فكلهم
يعملون بمجهودات فردية يتحملون مصاريفها، ويحملون وحدهم وزرها.. فاعتُقل الكثير منهم،
واستشهد بعضهم تحت التعذيب في سجون النظام، كذلك تم ترحيل أحدهم من بلد مجاور وتسليمه
لنظام الأسد بتهمة جريمة المعلوماتية، فالقانون الدولي يحرّم القرصنة الإلكترونية بشكل
عام، إضافة إلى الضغوط الممارسة عليهم من قبل إدارة مواقع التواصل الاجتماعي كالفيس
بوك ويوتيوب. كل هذا جعل العديد من القراصنة يفكروا في ترك الجبهة التي عملوا بها بالخفاء.
يقول القرصان أمجد الزعبي متحسراً: “ربما يوصف الذي نقوم به بمسمى الجرائم
الإلكترونية، ولكننا لانبتزّ أحدا ولا نكسب أموالا، ولنا غاياتنا النبيلة. فقد قيل
عن روبن هود بأنه سارق، لكنّه كان يسرق ليطعم الفقراء، ونحن لدينا قضيتنا العادلة،
ونخوض معركة بيننا وبين النظام”. يضيف أمجد: “أغلب القراصنة الذين اعتزلوا
هذا العمل، لم يقوموا بذلك سوى لأسباب خارجة عن إرادتهم؛ فلم يكن الدعم موجودا على
الإطلاق. وفي بعض الأحيان كانت جهود أشهر تضيع هباء بسبب عدم وجود التقنيات المناسبة
التي لا نستطيع شراءها. نحن لا نريد شيئاً لأنفسنا، ولكننا نتحسر على أدمغة تستطيع
أن تقدم أضعاف النتائج التي يقدمها أعداؤهم في الطرف الآخر، في حال تم تدبير الحد الأدنى
من الدعم الضروري المطلوب”.
من الأقوى..؟
تتفاوت الآراء حول اليد العليا في جبهة الحرب الرقمية في سوريا، فبعضهم يرى
تفوّق الثوار على قراصنة النظام في هذه المعارك، وآخرون يرون العكس. القرصان (القيسي)
يؤكد “علوّ كعب “هكرز” الثوار على نظرائهم من قراصنة النظام، ضمن الإمكانيات
المتاحة لهم والظروف الصعبة التي يعيشونها إذا ما قورنت بدعم النظام المطلق لعناصره
في الجبهة الرقمية، إضافة إلى التفوق في الخبرة بسبب الجهود المضاعفة التي يقوم بها
الثوار على مدار الساعة”. بينما تظهر الدراسة السابقة تفوق النظام الواضح في هذه
الجبهة وتأثيره على الأرض. وفي كلا الحالتين، يتضح جليا تفوّق نظام الأسد من ناحية
التنظيم والدعم وامتلاكه للبنى التقنية والاستشارات الدولية، وحشد كافة مراكزه الأمنية
وعلاقاته الدولية للانتصار في هذه الجبهة. وبغض النظر عن تفوق القراصنة في المعارضة
على عناصر النظام من الناحية الفردية والإبداعية، إلا أنه لا يمكننا إنكار إهمال القيادات
العسكرية والسياسية في أوساط المعارضة لأهمية هذه الجبهة، وحصر كل النشاطات والإنجازات
ضمن بوتقة النشاطات الفردية التي تواجه النظام بأبسط الإمكانيات. فالأخير يقدم دعما
حكوميا هائلا لعناصره الذين يملكون مكاتب خاصة، إضافة إلى الدعم اللوجستي والإعلامي،
لأنه أدرك قبل المعارضة، أن لكل حرب في العصر الحالي جبهتها الرقمية.
يتفوق قراصنة الأسد تنظيميا وماديا ولوجستيا، فيما تبقى
أعمال الثوار فردية دون أي دعم. وذلك لأن الأسد أدرك قبل المعارضة، أن لكل حرب جبهتها
الرقمية.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث