الرئيسية / منوعات / منوع / قبضايات دوما

قبضايات دوما

خضر الآغا

ظاهرة “القبضاي” كانت
منتشرة في سوريا منذ بداية القرن العشرين، كان لكل حي من أحياء المدن الكبيرة، حلب
ودمشق خاصة، قبضاياته: حي الشاغور، حي الميدان، حي السكرية… ولأن دمشق هي المركز
الرئيس كونها العاصمة، فإن قبضايات دمشق كان لهم تأثير واسع على قبضايات سوريا،
فأثروا عليهم بلباسهم وطرق مشيهم ونبرة الصوت الممطوطة، فكان القبضايات يمطون
كلماتهم كل حسب لهجته. لكن الصفات التي تجمعهم واحدة منذ البداية وهي: النخوة،
الشهامة، إحقاق الحق، مساعدة الفقراء، حماية الضعفاء، وما إلى ذلك… لكن الصفة
الأبرز لديهم هي حماية أحيائهم والدفاع عن أهالي الحي. القبضايات يعتبرون أهالي
الحي جميعاً أهلهم، وأطفال الحي أطفالهم، ونساء الحي بناتهم أو أخواتهم.

اللباس وطريقة المشي والمظاهر
الأخرى التي كانت تدل على القبضاي، اختفت مع تطور وتغير المجتمع، لكن الصفات
الأخرى بقيت لديهم كما هي.

القبضايات مازالوا موجودين في
المدن والأحياء السورية. دوما من المدن التي لم تزل فيها ظاهرة “القبضايات”
متواجدة بكثرة، أهالي دوما يتباهون بهم ويشعرون بالاطمئنان لوجودهم لأنهم أصحاب
النخوة والشهامة، وقبضايات المدينة يفتخرون بأنهم أبناء دوما، يتكلمون عن مدينتهم
كأنها أم المدن، وأحلاها…

السوريون لم يكونوا يعرفون دوما
بشكل حقيقي وعن قرب، باستثناء المدن والأحياء المجاورة. تعرفوا على دوما خلال
الثورة. السوريون يعرفون أن دوما من أوائل المدن التي خرجت بعد درعا. على كل حال، فإن
المدن السورية تتنافس فيما بينها على أسبقية المشاركة بالثورة، مثلا مدينة بانياس
تقول إنها هي الأولى التي ثارت بعد درعا، فيما السلمية تقول إنها هي، لا بانياس،
الأولى! ولكن، عندما قالت دوما إنها هي التي ثارت بعد درعا لم يتكلم أحد ولا كلمة
بعد ذلك، فقد ثارت دوما على نحو قوي وبصوت عال سمعه أهل الشام وأهل سوريا كلهم، وقالت:
يا درعا نحنا معاكي للموت. حينها قال قبضايات دوما: إذا لم ننصر درعا الآن فإن النظام
سيستفرد بها كما استفرد بحماة في الثمانينات. وعندما أراد النظام (تهدئتها) بأن
يدفع (دية) الشهداء، رفض قبضاياتها استلام (الدية) وأرسلوا رسالة مع الأشخاص الذين
أرسلهم النظام، قالوا: نحن لم نرد على قتل النظام لأولادنا بالقتل، ولكن لو رأينا
شبيحته مجدداً في دوما بعد الآن سنقتلهم. وبالفعل، خاف الشبيحة وعناصر الجيش،
وبقوا وقتاً طويلاً ينتشرون على مداخل المدينة ولم يتجرؤوا على الدخول إليها.

أحد القبضايات أرسل رسالة إلى
الحاجز على مدخل المدينة وهدده أنه لو فتش نساء دوما أو النساء الداخلات إلى
المدينة فإنه يعرف كيف يمنعهم. أهالي دوما يعرفونه جيداً وقد تمركز في إحدى البنايات
يراقب الحاجز فيما لو لم يمتثل للتهديد، وكان منذ ذلك الوقت هو المطلوب الدوماني
الأول للنظام!

لم تتوقف دوما عن التظاهر ضد
النظام طيلة المرحلة السلمية للثورة، وكانت من أوائل المدن السورية، أيضاً، التي
قامت بحماية المتظاهرين بقوة السلاح من بطش النظام، ومن أوائل المدن التي تجرأت
وأخرجت النظام منها بالقوة.

قبضايات دوما لم يحموا مدينتهم
وأهلهم فحسب، بل حموا كل من لجأ إليهم هارباً من ملاحقات النظام، وكل من لجأ إليهم
جريحاً بهدف العلاج. فقد قاموا بتهريب العديد من الثوار والنشطاء الملاحقين،
وعالجوا الكثير من الجرحى والمصابين ولو كلفهم ذلك حياتهم، وقد كلف ذلك بعضهم
حياته بالفعل، فقد استشهد العديد منهم خلال نشاطاتهم الإنسانية هذه. ولم يكتفوا
بأن يستقبلوا من يلجأ إليهم فحسب، بل كانوا يغامرون بحياتهم للوصول إلى من هم
بحاجة إلى ذلك خارج المدينة.

منذ بداية الثورة لم تتوقف دوما عن
الغليان: تظاهرات كما ينبغي أن يكون التظاهر، وقتالٌ كما ينبغي أن يكون القتال،
ونخوة وشهامة وعزة نفس كما ينبغي لهذه القيم أن تكون. دوما (كيّعت) النظام،
وأعجزته، يقصفها بأنواع الأسلحة فتخرج من الرماد لتقاتله بقوة صاحب الحق. أكثر من
مجرزة ارتكبها النظام في دوما لتسكت، ولم تسكت، لتهدأ ولم تهدأ.. ولأنها عنيدة كل
هذا العناد، ومصممة كل هذا التصميم، قابلها النظام بعنف غير مسبوق، وارتكب فيها،
بحق أهلها المجزرة تلو المجزرة… مجزرة 16/ 8 ليست الأولى ولن تكون الأخيرة في
عرف هذا النظام فائق الإجرام..

لكن دوما صار لديها خبرة هائلة في
الخروج من المجازر، وفي أن تقول للطاغية: أنت هالك ودوما باقية.

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *