غالية شاهين
مرت ثمانية أشهر
وأنا بانتظار تلك الورقة، وكان قد مر قبلها سنة ونصف من انتظار الفرصة لتطأ قدماي
أرضا أوروبية. وقبلها أيضا مرت سنتان ونصف في سوريا، وأنا أنتظر انتصار الثورة،
بعد ثمانية وثلاثين عاما من انتظار أن تحدث المعجزة ويزول حكم الأسد.
لا شيء مما انتظرت
قد تحقق حتى الآن، إلا تلك الورقة الصغيرة التي تعترف بي كلاجئة في أوروبا. كان
يجب أن أقفز من الفرح عند استلامها..فأنا الآن أملك جواز سفر أوروبي يخولني التنقل
بحرية. وسأحصل على راتب شهري ومنزل مدفوع الإيجار والفواتير، وهو كل ما يحلم به
السوريون الآن، لكنني في كل يوم مر في هذا الانتظار الطويل، كنت أخسر حرفا من
أبجديتي، لأغدو الآن كتابا فارغا من الكلمات يعيد البحث عن معانيه من جديد، أو مدينة
منكوبة فقدت كل سكانها وتركت الريح تلعب وحيدة في الأزقة.
لريما يشغلنا
الانتظار بملئه لساعات عمرنا الضائعة، فيسد مسام الروح يوما بعد آخر، لتختنق في
النهاية أحلامنا في أعشاشها. وعندما يأتي ما ننتظر وتفتح السماء نافذة للشمس،
نكتشف فجأة أن الأعشاش قد غدت قبورا مليئة بزغب كان يحلم أن يطير.
قد يعتقد البعض
أنني أبالغ في هذا، لكنني الآن أدركت أنه لم يبق لي أجنحة.
في كل خطوة أخطوها
في هذي البلاد الخضراء المترفة بالحياة، أعرف أكثر معنى أن شيئا فينا قد تصحّر.
كلما رأيت بساطة الحياة والفرح هنا، تؤلمني حقيبة ثقيلة أحملها على ظهري وتدعى
الوطن. كلما تعلمت كلمة من لغتهم، تاريخهم وثقافتهم،تحضر أمامي أحجار سوريا
الناطقة بأن الحياة بدأت فيها، وأن التاريخ صاغ ترابها لؤلؤا، وجعلنا نحن
السوريين، سفنا لا تعرف مرساتها غير رمال تلك الشواطئ.
ماذا أفعل
بالإقامة هنا، وأنا لا أملّ أبحث دون جدوى، عن وجه مدينتي وملامحها في كل شارع أمر
به؟ كيف سأعرف معنى الحب هنا، وأنا مدمنة على دمشق، وقد تركت روحي معلقة بين
شبابيك حاراتها العتيقة؟كيف سينبض قلبي في هذي البلاد وشراييني مخنوقة بشهقات أحبتي
هناك؟
مدينة منكوبة أنا،
والسوريون كلهم مثلي. يزفرون فينطلق رماد البيوت المهدمة. يستنشقون الهواء البارد
هنا، فتتنفس ألعاب الأطفال المتشبثة بأوصالهم المقطعة تحت الردم هناك. يفترشون
الحدائق الغناءة محاولين استبدال ذواكرهم، فتباغتهم رائحة الشهداء الذين زُرعت بهم
حدائق سوريا. يأخذون صورا تذكارية أمام كل معلم يمرون به، مبتسمين سعيدين، يرفعون
علامات النصر على أنفسهم، ويعودون إلى منازلهم الدافئة ليعيدوا ترتيب هزائمهم في
الخزائن.
هي أوطان جديدة
إذا، سقفها عالٍ لكي نستطيع الصراخ تحته كما نشاء، لكننا الآن جميعا بلا حناجرنا،
وقد خذلنا الصوت.
قد نستطيع استبدال
البلاد كأمكنة، بأمكنة أجمل، وقد نستطيع استبدال اللغة بأخرى أكثر عالمية، كما
نستطيع تغيير النكهات التي نحبها في الطعام، والذوق الذي اعتدناه في انتقاء
الملابس والأغنيات، لكنها الذاكرة!!! ماذا سنفعل بها؟ أو ماذا ستفعل بنا؟ لو أنهم
فقط يمنحوني ذاكرة جديدة بدلا من ذاكرتي، فقط ذاكرة جديدة، كنت سأستغني عن البيت
والراتب وحتى جواز السفر، لأنني حينها فقط سأستطيع أن أقول أنه أصبح لي
وطنجديدسأبدأ فيه حياتي مرة أخرى.
لا تخف إيها
العالم ولا تتكدر، فنحن سعداءجداالأن؛سعداء كعصافير حصلت
أخيرا على قفص مرصّع بالزمرد، أو كنباتات برية أهداها رجل طيب بيتا دافئا جدا لكنه
بلا نوافذ، أو كغزلان كانت على وشك الانقراض، فحماها البشر الطيبون بوضعها في
حديقة حيوانات واسعة لكنها مسيجة بشباكٍ قوية تفصل بينها وبين الغابة التي يجول
ويصول فيها الصياد. سعداء نحن جدا…كلاجئين
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث