مدينة داريا

صدى الشام/

 

ارتبط اسم داريا وتاريخها بتاريخ مدينة دمشق، أقدم عاصمة في التاريخ، وهي تكاد تلتصق بها، فتبعد عنها مسافة 8 كم باتجاه الغرب. تعد داريا من أكبر مدن الغوطة الغربية، وريف دمشق الغربي وتقع في منطقة تتوسط بين حي المزة ومعضمية الشام شمالا، وجديدة عرطوز جنوبا، ومدينة صحنايا وكفر سوسة والقدم شرقا.

تعود كلمة “داريا” للسريانية القديمة، وهي مشتقة من كلمة “دار” التي تعني البيوت الكبيرة، ويرجع تاريخ داريا إلى فترات ما قبل الميلاد، حيث عثر فيها على تمثال لإله الحب عند اليونان (ايروس) وهو موجود في المتحف الوطني بدمشق.

كانت داريا معقلا للغساسنة إلى أن جاء المسلمون وفتحوها عام 635 م على يد أبي عبيدة الجراح، ومرت على داريا أحداث كبيرة خلال العصرين الأموي والعباسي، حيث حرقت ونهبت عام 26 هجري وأيضا في عام 233 هجري، ولم تنج من الغزو الصليبي عام 543 ه وغزو التتار عام 799 ه، وقد عاثوا فيها فسادا وتدميرا. كما شهدت داريا معركة سميت معركة “داريا الكبرى” عام 1926 بين المجاهدين والثوار من أهالي داريا وبين الفرنسيين.

تغنى بها العديد من الشعراء، كقيس الهلالي وحسان بن ثابت، والصنوبري، والبحتري الذي قال مفتونا بجمالها “والعيش في ليل داريا إذا بردا   والراح نمزجه بالماء من بردى”.

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011 ضد نظام الأسد، لم تتوان أو تتأخر هذه المدينة العريقة ذات التاريخ العريق عن المشاركة في الثورة، بل كانت السباقة إليها، فكانت أولى المظاهرات فيها بتاريخ 25 آذار 2011، والتي كانت انطلاقة لخروج المظاهرات الأسبوعية السلمية ذات الطابع المدني، والتي اعتبرت نموذجا يحتذى في سوريا. إلا أن قوات النظام قامت بفتح النار على المتظاهرين في يوم “الجمعة العظيمة” التي خرج فيها حوالي 15 ألف متظاهر في داريا، ما أدى لمقتل 7 متظاهرين، وانتشرت بعدها الحواجز الأمنية في المدينة وبدأت حملات الدهم والاعتقال للناشطين من الشباب. لكن المظاهرات التي تنادي بالحرية والوحدة الوطنية والتضامن مع باقي المدن السورية استمرت بشكلها المدني، ورفعت فيها لافتات تطلب من الجيش حماية الشعب لا قتله. وفي 1 أيار قام النظام بقطع الاتصالات عن المدينة وحصارها حصارا خانقا، وضعت خلاله الدبابات والحواجز العسكرية على مداخل المدينة.

وفي 6 أيلول، اعتقلت قوات النظام الناشط المدني غياث مطر، والذي كان له دور كبير في تنظيم المظاهرات المدنية، والتي تميزت بتقديم المتظاهرين الورود والماء لقوات الجيش، لكنه أعيد إلى المدينة شهيدا تحت التعذيب، وبدأ رد النظام على المدنية والسلمية بمجزرة كبيرة يوم السبت 25 آب 2012 والذي سمي بيوم “السبت الأسود”، راح ضحيتها 440 شهيدا.

نتيجة لإيغال النظام بالعنف والقمع والمجازر بدأت تظهر علائم تشكيل للجيش الحر من بعض سكان المدينة وبعض المنشقين بأسلحتهم الفردية البسيطة لتتشكل الكتائب التي شاركت بصد هجوم النظام الشرس على داريا بتاريخ 8/11/2012. بعدها قام الأهالي بتشكيل المجلس المحلي بداريا الذي كان علامة فارقة بتنظيم شؤون المدينة وكان سببا في استمرارية صمودها لسنوات، والحقت بالمجلس الكتائب المقاتلة من خلال المكتب العسكري في هيكلية تنظيمية تتكون من عسكريين ومدنيين، أثبت خلالها المجلس نجاحه بتشكيل سلطة مدنية عسكرية بمواجهة محاولات النظام اقتحام المدينة والسيطرة عليها عبر حصار خانق دام لسنوت، لم تستطع فيه كل المنظمات الدولية إدخال ولو علبة حليب لأطفالها او سلة غذاء لمن بقوا فيها بعد أن نزح معظم أهلها، او هُجروا منها.

سنوات استخدم النظام فيها كل أنواع الأسلحة الثقيلة وقصف للطيران بالبراميل المتفجرة وأنواع مختلفة من الأسلحة المحرمة دوليا كالقنابل العنقودية والنابالم الحارق، دمر فيها معظم أجزاء المدينة التي فاجأته بصمودها حتى باتت هاجسا يقض مضاجع قادته، ورعبا لجنوده وكل الميليشيات التي استقدمها.

داريا ومن بقي فيها مرغوا وجه النظام بالتراب خلال السنوات الأربع الماضية لتتحول إلى أيقونة صمود أسطوري، ووسما فارقا في ذاكرة الثورة السورية.

بتاريخ 25/8/2016 الذي يصادف يوم السبت الأسود “المجزرة”، ونتيجة اتفاق فرض على من بقوا فيها، غادرها آخر المقهورين، وسط خذلان تخلى فيه الأخوة والأصدقاء والعالم عنهم.

 

شاهد أيضاً

أعمال السوريات في تركيا.. مشاريع صغيرة تصارع البقاء وأحلام كبيرة مهددة بالتعثر

يمامة دعبول – صدى الشام مجد، أمّ لأربعة أطفال، حصلت على منحة من منظمة أورانج …

العمل خلف الأبواب الموصدة.. الاقتصاد الخفي للاجئات السوريات داخل المنازل في تركيا

هاديا المنصور في أحد أحياء مدينة شانلي أورفا التركية، يبدأ نهار حسناء الشيخ أحمد مبكراً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *