كسبت الثورة السورية منذ اندلاع شرارتها الأولى تعاطف الرأي
العام الغربي (المحايد)، متمثلا بدعم الثورة وإظهارها
كثورة شعب أراد انتزاع حريته من براثن النظام، ما دعا الأخير لوصف ما يجري
بالمؤامرة الكونية التي تستهدف ممانعته المزعومة. ومع مرور الوقت، باتت منابر الغرب الإعلامية
تميل لاستخدام مصطلحات النظام، وتلجأ في كثير من الأحيان إلى تفنيد عملياته العسكرية،
فحصل تغيّر خطير في الرأي العام العالمي تجاه الثورة السورية.
كان الإعلام محرك الثورة الأول، كان بالمقابل أحد الأطراف الرئيسية التي حرفت الثورة
عن مسارها أيضاً. هذا التحريف والتحوير مورس عن عمد، من جهات متآمرة على الثورة، عبر
شبكة العلاقات الشخصية القوية التي يتمتع بها النظام، وبفضل المال السياسي الذي أغدقه
الأخير على تلك الشخصيات بدون حساب، وباستغلال جهل بعض الجهات الثائرة التي لم تقم
بمراجعة شاملة لكم الأخطاء التي ارتكبتها على مدار خمسة أعوام من عمر الثورة.
ولئن بدا للوهلة الأولى أن النظام كان الأكثر تخبطاً إعلامياً في بداية الثورة،
خصوصاً مع التفاف مؤسسات إعلامية عريقة مع الثورة السورية، فإن الحقيقة باتت اليوم
في واقع يوحي بعكس ذلك. ورويداً رويداً بدأت الكثير من تلك القنوات التي ادّعت الحياد
الإعلامي، ونقصد هنا الغربية منها، بدأت بالعزف على وتر مصطلحات النظام، بعد أن كشرت
عن أنيابها وانتقلت إلى الخط الرمادي في أحسن أحوالها، هذا إن لم نقل إنها انتقلت إلى
الجانب المقابل، مثل قناة فرانس 24، وسكاي نيوز، والـ bbc والألمانية الأولى وغيرها. فما الأسباب التي دفعت
بعض وسائل الإعلام الغربية إلى ذلك؟
بدا للوهلة الأولى أن إعلام النظام هو الأكثر تخبطاً في بداية
الثورة، لكن الواقع اليوم يوحي بعكس ذلك، فقد بدأت القنوات الغربية بالعزف على وتر
مصطلحات النظام
البداية من جنيف 2
يشير المعارض السوري فهد المصري، إلى أن فترة انعقاد مؤتمر “جنيف
2” تمثل بداية تغلغل النظام في الإعلام الغربي، ويوضح بالقول: “روج النظام
في المؤتمر مصطلح “الحرب على الإرهاب”، حيث ظهر الحديث عن أسلمة الثورة بقوة
خلال ذلك المؤتمر. ومنذ ذاك الوقت، اختزل العالم التعامل مع الثورة السورية، بالتعامل
مع تنظيم الدولة الإسلامية”.
وبعد أن شدد المصري، الناطق الإعلامي الأول باسم القيادة المشتركة للجيش السوري
الحر، على فشل كل المشاريع الإعلامية الثورية، قال: “جميع المبادرات الإعلامية
الثورية فردية، ولم تتمكن من الوسائل والأدوات. ويعود ذلك إلى الهيمنة السياسية والمالية
لفصيل معين، إلى جانب أن بعض الوسائل ممولة من متنفذين ربما يكون لديهم إيديولوجيات
وأجندات غير وطنية”.
ويضيف المصري في تصريح لـ “صدى الشام”، أنه في المقابل “النظام
السوري لديه الإمكانيات، ولدى كل مؤيديه وحلفائه هدف واحد هو إنقاذ هذا النظام، وبالتالي
تتلقى دوائر صنع القرار في دمشق النصائح من القريبين منها حول آليات التعامل مع الإعلام
الغربي والدولي”.
ويتابع بالقول: “إن وسائل الإعلام الدولية، بمختلف توجهاتها، تريد أن
تكون في موقع الحدث، والنظام سمح لها بذلك لتكون تحت ناظريه، ولكي يقودها نحو المسارات
التي يريد. وعلينا أن نأخذ في عين الاعتبار أيضا، شراء النظام لذمم العديد من الصحافيين،
علاوة على أن العديد من وسائل الإعلام الغربية مخترقة من النظام ومن حلفائه، مثل قناة
فرانس 24، التي يسيطر على خطها التحريري موالون للنظام وإيران وحزب الله والقيادي
اللبناني ميشيل عون.
روج النظام في مؤتمر جنيف 2 مصطلح “الحرب على الارهاب”،
وظهر الحديث عن أسلمة الثورة. ومنذ ذاك الوقت اختزل العالم التعامل مع الثورة السورية
بالتعامل مع تنظيم الدولة الإسلامية.
لونا الشبل ومكتب بيروت
“الإرهابيون يقتلوننا عشوائياً بقذائف مصنوعة من جرات الغاز (مدفع جهنم)،
بينما نحن لا نجد جرة غاز للطبخ. الأطفال خائفون أثناء عبور الشارع، والأهالي ينتظرون
الموت، لكن رغم ذلك حلب بخير، وعصية على الإرهاب، والمقامات الموسيقية الأندلسية لا
زالت تعبق في لياليها”.
لم يحتج ذكر كل ماسبق إلا لخمس دقائق فقط، في تقرير متلفز بثته القناة الأولى
الألمانية من داخل مناطق سيطرة النظام في مدينة حلب. أجاد التقرير قلب الحقائق ليصور
الجلاد على أنه الضحية. وكانت تلك الدقائق القليلة كفيلة بإثارة حفيظة الناشطين والمراقبين
على الجهة المقابلة، أي المعارضة، وكأن على رؤوسهم الطير، كيف حدث هذا؟ ولماذا يسمح
النظام بدخول تلك القنوات إلى مناطق سيطرته بعد أن كان يحرمها؟
سؤال ذهبت به “صدى الشام” به إلى ياسر حجي، صحافي سوري يتمتع بعلاقات
جيدة مع صحافيين أجانب، مقيم في وقت سابق في واشنطن وأثينا وغيرها من عواصم البلدان
الغربية لسنوات طويلة، فأجاب: “النظام مؤخراً افتتح مكتبا إعلامياً له في بيروت
على اتصال مباشر مع القصر الجمهوري، وتحت إشراف الإعلامية لونا الشبل، المقربة من رأس
النظام، وصار يقدم التسهيلات لهؤلاء الصحافيين، حتى ولو كانت تغطيتهم الإعلامية السابقة
ضد النظام. والتسهيلات تتضمن التعهد بالحفاظ على حياتهم، وتأمين الإقامة وطرق المواصلات
لهم، وكل ما يلزمهم أيضاً، وبلا مقابل مادي”.
ويضيف: “بدأ النظام يستمع إلى المشورات والنصائح التي يقدمها الحلفاء.
وبما أنني على اطلاع بالرأي العام الغربي، فعلى سبيل المثال ونحن بصدد التقرير الألماني،
المواطن الألماني أساساً لا يمتلك الدراية الكافية بالشأن السوري، ولذلك عند مشاهدته
لتقرير يبث على قناة ألمانية سيصدق ما جاء فيه، لأنه لا يمتلك الوقت، ولن يكلف نفسه
عناء البحث عن مصادر أخرى. ولذلك، هل يحتاج النظام لأكبر من هذه الخدمة، أي تأليب الرأي
العام العالمي الشعبي ضد الثورة؟”.
ويزيد حجي، وهو الناطق الإعلامي باسم قوى الثورة في حلب: “ضعف التواصل
مع الصحفيين الأجانب من قبل الأوساط المعارضة قلل من حجم تعاونهم معنا، علاوة على الأخطاء،
وأهمها التضييق على حركتهم داخل مناطق المعارضة، والنظرة السلبية عنهم”.
ويختتم موضحاً: “النظام يمتلك مؤسسات إعلامية مستقلة، بينما نحن نعاني
ضعفاً في كل شيء، ولذلك نحن لا زلنا نتسلق الجبل بتعب، بينما وصل النظام القمة، وهو
ينعم براحة نسبية الآن. وقد يكون ضعفنا وعجزنا عن مخاطبة الرأي العام الدولي عاملا
مريحا إضافيا للنظام أيضاً”.
افتتح النظام مكتبا إعلامياً في بيروت تحت إشراف لونا الشبل،
وبه قدم التسهيلات للصحفيين الأجانب، والتي تتضمن تأمين الإقامة والمواصلات وكافة
الحاجيات.
كارثة خطف الصحفيين الأجانب
لم تكن حادثة خطف ثلاثة صحفيين إسبان مؤخراً في مدينة
حلب هي البداية، لكنها قد تكون قاتلة في توقيتها، سيما وأنها جاءت بعد إطلاق سراح الإيطاليات
الرهائن، وسط حديث يدور عن دفع مبالغ مالية كبيرة من جهات رسمية في الحكومة الإيطالية
لجهات رسمية مقابل إطلاق سراحهم.
يتساءل ناشط إعلامي من مدينة حلب، طلب عدم الكشف عن اسمه: “نحن من أبناء
المدينة ونخاف التجوال في المناطق خشية من الخطف، فكيف بالصحافيين الأجانب؟”. ويضيف خلال حديثه لـ”صدى
الشام”: “عندما تصبح مناطقنا مسرحاً للصوص والمرتزقة، لأن الشرفاء من الثوار
يتواجدون على الجبهات فقط، فلا تستغرب أن يهاب الصحافي الأجنبي القدوم إلى مناطقنا،
وأن يفضّل العمل في مناطق سيطرة النظام على العمل في مناطق المعارضة”.
ويبين بالقول أن “الإعلام الثوري لم يرتقِ في أدائه إلى المهنية التي
يستطيع من خلالها مخاطبة الرأي العام الغربي، ويلقي باللائمة على الائتلاف السوري والحكومة
المؤقتة”، بعد أن تساءل “لماذا لم يتم العمل على تأسيس مؤسسة إعلامية متكاملة
تابعة للائتلاف تستطيع مخاطبة الرأي العام الغربي، سيما وأن أغلب أعضاء الائتلاف،
والسياسيين في الثورة السورية، هم من أصحاب الكلمة المسموعة في الرأي العام الغربي،
من أمثال برهان غليون، وميشيل كيلو وغيرهم، ما أوجب على الائتلاف السوري معالجة قضايا
الصحافيين الأجانب ومحاولة جذبهم للعمل في المناطق المحررة”.
عندما تصبح مناطقنا مسرحاً للصوص والمرتزقة، فلا تستغرب أن
يهاب الصحافي الأجنبي القدوم إلى مناطقنا، وأن يفضل العمل في مناطق سيطرة النظام
الائتلاف يرد
“بالفعل، هناك معطيات تقف وراء تبدل السياسات الإعلامية للقنوات الغربية،
وأغلب القنوات حولت مسارها عقب أسلمة الثورة السورية”، يقول الإعلامي أحمد كامل. ويوضح كامل، وهو المستشار
الإعلامي السابق لرئيس الائتلاف خالد خوجة، لـ”صدى الشام”، بالقول:
“لا سياسات ثابتة لدى هذه القنوات. عند أسلمة الثورة شاهدنا تبدلاَ في مواقفهم،
لكن عند استخدام النظام للسلاح الكيماوي في أكثر من واقعة عادوا إلينا من جديد، هذه
السياسات تتغير وفق معطيات الوضع الداخلي”.
وعن الجهود التي يبذلها الائتلاف السوري في التعامل مع المنظومة الإعلامية
الغربية، قال: “لدينا مكتب إعلامي خاص وأبوابه مفتوحة لهم، شأنه شأن كل المكاتب
الإعلامية الأخرى. لازلت على تواصل معهم، وأحاول إيصال صوت الثورة إلى أغلب تلك الوسائل
عبر المداخلات التلفزيونية التي أقوم بها، سواء للتلفزيون الفرنسي، أو البريطاني، وحتى
القنوات المؤيدة للنظام، والميادين على سبيل المثال”.
عزا كامل عدم تأسيس الائتلاف السوري لقناة تلفزيونية خاصة به إلى عدة أسباب،
من بينها ضعف التمويل لدى الائتلاف، بعكس ما يشاع إعلامياً. كما يرى أيضاً أن الإعلام
في الدول المتحررة يجب أن يكون إعلاماً حراً، فيما يقتصر دور الدولة على التنظيم فقط،
كحال الدول الأوربية التي ألغت دور وزارات الإعلام.
وتساءل كامل ما هو الجديد الذي ستقدمه قناة الائتلاف، والساحة الثورية تغص
بعشرات القنوات البديلة الداعمة للثورة؟ مشدداً على أن الائتلاف لا يسعى للسلطة على
الإعلام في الوقت الراهن ولا في المستقبل.
شيطنة الثورة، والزج بها في أتون التشدد
“حرص النظام منذ بداية الحراك السلمي، على تصويره بأبشع الصور ووصفه
بالإرهاب، إلى أن تكفل ظهور تنظيم “الدولة الإسلامية” بتصوير الفيديو كليب
لأغنية الشيطان المكررة (الإرهاب)، وجعلها مقترنة بالأدلة”.
يرى الممثل والمخرج الإذاعي السوري عماد نجار، أن الثورة ظلمت في كل شيء،
وتم تكريس أشخاص غير أكفاء لإدارتها على كافة السبل والأصعدة. ويوضح خلال حديثه لـ”صدى
الشام”: “لأن هؤلاء هم غير أكفاء ولا يمتلكون المؤهلات الكافية، ولا الحجج
الإقناعية، فمن الطبيعي أن يستغل النظام كل ما سبق، سيما وأن الأخير أدرك أهمية الإعلام،
وبات يعتمد على مراكز أبحاث دولية مهتمة بالعمل على الرأي العام”.
فالفلتان الأمني وحالات الخطف والفوضى وغيرها، هي عوامل قد تحمل الصحافي الأجنبي، حتى
ولو كان محايداً، على نقل صورة سيئة عن المناطق المحررة.
ويتابع نجار، المقيم في العاصمة الفرنسية باريس: “النظام ينفق الملايين
من الدولارات كرشاوى تقدم للمسؤولين عن المحطات الإخبارية الغربية، ووجد هؤلاء المسؤولين
ضالتهم في ظهور التنظيم، لذلك لا تستغرب اليوم إن قلت لك أن الرأي العام الغربي يرى
في داعش ممثلاً وحيداً للثورة السورية، على الرغم من أنها أهم اعداء الثورة، مقابل
إعلام عالمي مناصر للثورة يدعي أسلمة الثورة، والجزيرة خير مثال على ذلك”.
ويجزم محدثنا على أن أخطاء المعارضة على الأرض ساعدت النظام أكثر مما كان
يتصور، فالفلتان الأمني، وحالات الخطف والفوضى وغيرها، هي عوامل قد تحمل الصحافي الأجنبي،
وحتى لو كان محايداً، على نقل صورة سيئة عن المناطق المحررة.
وينهي نجار بالحديث عن تغيرات في مواقف سياسية لأطراف عالمية من قضية الثورة
السورية يجب أخذها بعين الاعتبار.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث