لم يكف هول ما يعانيه
أبناء العاصمة من طغيان القبضة الأمنية لنظام الأسد، فما زال الأخير يزيد من ممارساته في
تجويع السوريين، حتى ولو كانوا يقيمون في المناطق التي يسيطر عليها. فابتدع النظام
أساليبا كثيرة وخلق ممرات ضيقة وثغرات قانونية تساعد على انتشار الفساد، والذي كان
له دور مهمّ في الحفاظ على ما تبقى من سلطات له في دمشق. وكالعادة.. الشعب هو
الضحية.
تعددت أسباب وتبريرات رفع أسعار السلع
والبضائع التجارية، من انخفاض سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، في
ظل عقوبات اقتصادية وفقدان للمعابر الحدودية مع البلدان المجاورة، ما تسبب بصعوبات
في عمليات الاستيراد والتصدير، وندرة للبضائع. تزامن كل ذلك مع عودة النشاط الفاسد
لمكتب مكافحة التهريب والضابطة الجمركية، أو ما يعرف “بالمكتب السرّي”
التابع لمديرية الجمارك في حكومة نظام الأسد، والذي يلعب دوراً بارزاً في رفع أسعار
السلع، وتحميل السوريين الخاضعين لسيطرة النظام التجارية أعباء معيشية مضافة.
بداية الحكاية
بدأ عمل المكتب السرّي بموجب المرسوم رقم
/1145/ لعام 1950م. واستمر بعمله الملحق بمديرية الجمارك، إلى أن أقرّ مجلس وزراء
النظام مشروع قانون يتضمن إنهاء العمل بالمرسوم السابق. وذلك بتاريخ 19/9/2011،
بقرار حمل طابع كسب تأييد كبار التجار مع بداية الثورة السورية على نظام الأسد
وحكومته، بعد أن ذاع سيط فساد المكتب خلال عامين متتاليين 2009/2010، ليرفد
الخزينة العامة وجيوب المسؤولين بعشرات المليارات من الليرات السورية.
تنفيذياً، علّق مرسوم الأسد عمل المكتب
السّري، وأحال تخصصه إلى ملاحقة مهربي السلاح والمخدرات. حيث تم توزيع ونقل
الموظفين والمخبرين العاملين فيه إلى أقسام الجمارك الأخرى، بالإضافة لعزل العميد
الركن “تامر النخيل”، المسؤول عن المكتب، واستبداله بالعميد “ناصر
اسماعيل”، بعد ممارسات توصف بالتشبيحية مارسها النخيل خلال ترأسه المكتب.
ومع تعليق عمله، كان المكتب قد عُرف بين
كبار تجار دمشق وحلب وبقية المحافظات السورية، بأنه الأداء المالية الأكثر بطشاً
بيد حكومة الأسد، مبتعداً عن المهمة الأساسية التي أنشئ من أجلها في الخمسينيات،
حيث مارس عناصره، بدعم من الأسد الابن، فساداً ممنهجاً قدرته صحيفة
“الوطن” الموالية للنظام، بنحو مليون ليرة سورية سنوياً لأصغر محل
تجاري، تتفاوت بين بضائع مصادرة ورشاوى وضبوط رسمية بالمخالفات.
بعد توقف لأكثر من 3 أعوام، عاد المكتب
السرّي مطلع العام الحالي 2015، إلى نشاطه المحموم دون أي ضابط قانوني، لينتقل من
ملاحقة تجار السلاح والمخدرات ومهرّبي البضائع، إلى الجولات المنظمة على الأسواق
التجارية في المدن التي لا تزال خاضعة لسيطرة النظام، وأبرزها العاصمة دمشق.
وحول العوائد من الجولات الجديدة، أوضح
مصدر خاص من العاملين في مديرية الجمارك لـ”صدى الشام”، أن الغرامات
ارتفعت وسطياً من 500 ألف ليرة سورية إلى أكثر من 4 ملايين ليرة، بين رشاوٍ وبضائع
مصادرة، في ما يصطلح عليه “ضربة” للمحل التجاري الواحد، بزيادة فاقت
الأربعة أضعاف عما كانت عليه نهاية 2010.
ارتفعت الغرامات وسطياً من 500
ألف ليرة سورية إلى أكثر من 4 ملايين ليرة بين رشاوٍ وبضائع مصادرة، في ما يصطلح
عليه “ضربة” للمحل التجاري الواحد، بزيادة فاقت الأربعة أضعاف عما كانت
عليه نهاية 2010.
بالمقابل، صرّح مصدر مسؤول في الجمارك
لصحيفة “الوطن” الموالية، أنّ الزيادة على الإيرادات الجمركية ارتفعت
بنسبة 27% منذ بداية العام وحتى نهاية نيسان الماضي، حيث حققت 32.6 مليار ليرة،
مقارنة بـ 25.5 مليار ليرة خلال نفس الفترة من عام 2010.
نهبٌ مشروع!
يتحدث أحد تجار، والذي طلب عدم ذكر اسمه،
دمشق لـ”صدى الشام”، عن آخر مداهمة قام بها عناصر المكتب السري لمحاله
التجارية، والتي تعد الرابعة منذ مطلع العام الحالي: “تغلق سيارتي “بيك
أب” محملتين بنحو 18عنصراً مسلحاً مداخل السوق، لينفذوا انتشاراً في مكان
المحل، مع دخول ضابط مسؤول وعنصرين إلى داخل المحل التجاري. يتم إخراج الزبائن
وجمع هويات المتواجدين والعاملين ومصادرة أجهزة الجوال، ليلحق ذلك انتشار لعناصر
المكتب في أرجاء المحل والبدء بالأسئلة حول المستودعات وما تحويه من بضائع. مع طلب
البيانات الجمركية الخاصة بالأصناف الموجودة”.
يقول التاجر الدمشقي: “الحكاية تبدأ
بشكل حقيقي عند عملية الاستيراد وتسجيل البضائع لدى المديرية”. موضحاً كيف
يقوم المدعو “الكشاف”، وهو المسؤول عن الكشف على البضائع وإصدار
البيانات الجمركية، بتحريف تلك البيانات بشكل يسمح للتاجر بالتصريح حول 20% فقط من
قيمة البضائع المستوردة، مقابل رشوة يتم دفعها بشكل روتيني”.
وحول السبب وراء عدم التصريح الحقيقي عن
البضائع، يوضح التاجر بأن “ارتفاع ضريبة الجمارك، والتي تصل إلى 300%، يرفع
من قيمة البضائع إلى نحو 5 أضعاف. حينها، ستتكدس في الأسواق، فالتاجر لن يدفع
الضريبة إلّا من قيمة السلعة”. مشيراً إلى أن “التجار في الغالب يعمدون
عبر الرشوة أيضاً، إلى رفع نسبة السلع الدعائية، والتي تعتبر معفية من الجمارك،
للتخفيف من قيمة الضريبة”.
ويؤكد التاجر، أن “عمل الكشاف غير النظامي
معروف لدى المديرية، حيث يعد دليلاً مرشداً للثغرات الموجودة في البضائع المستوردة
لكل تاجر وبشكل مفصل، ليعين فيما بعد عناصر المكتب السرّي على تنفيذ
“الضربة” بمعرفة مسبقة حول كل ما يخالف به التاجر القوانين، مع نوعية
البضائع المخالفة وقيمتها، وحتى مكان تواجدها”.
يعد الكشّاف دليلاً مرشداً
للثغرات الموجودة في البضائع المستوردة لكل تاجر وبشكل مفصل
أرقامٌ مخيفة..
أكد المصدر العامل في مديرية الجمارك
لـ”صدى الشام”، أن “نحو ألف مخبر جديد تم توظيفهم منذ بداية العام
2015، لملاحقة التجار وتقديم تقارير حول المحال ونشاطها. حيث يتقاضى المخبر لقاء
ذلك نسبة 8.5% من قيمة السلع المصادرة، والتي يعتبرها المكتب مخالفة”.
1000 مخبر جديد تم توظيفهم
منذ بداية العام 2015، لملاحقة التجار وتقديم تقارير حول المحال ونشاطها، ويتقاضى
لقاء ذلك نسبة 8.5% من قيمة السلع المصادرة
من جهتها، بيّنت مديرية الجمارك، في تقريرٍ
لها نشرته صحيفة “الوطن” الموالية، أن “عدد القضايا التي حققت فيها
الضابطة الجمركية خلال شهري نيسان وأيار 2015، بلغت نحو 600 قضية، بغرامات تجاوزت
المليار ليرة”.
وحول الرشاوى التي تفوق العائدات، أوضح
التاجر الدمشقي أن “الضابط المسؤول عن المداهمة بدأ بالتفاوض معي حول المبلغ
الواجب دفعه كرشوى لتجنب كتابة ضبط ومصادرة البضائع. وتم الاتفاق على 4 ملايين
ليرة سورية دُفعت “نقداً” بشكل فوري، وُزعت بين الضابط والعناصر.
بالإضافة إلى حصة للمخبر المسؤول عن السوق”.
ويضيف التاجر: “إنّ الملايين الأربعة
لم تمنع الضابط من مصادرة بضائع بقيمة 200 ألف ليرة سورية، يتم المصالحة عليها في
مقر مديرية الجمارك، بزيادة 300% عن القيمة الحقيقة، وهو ما يعادل 600 ألف ليرة
لصالح الجمارك”.
بالمقابل، يروي تاجر من دمشق، هرب بعمله
إلى دولة مجاورة بعد مداهمات متتالية من المكتب السري لمحاله، كيف تم اعتقال ولده
إثر أحد المداهمات، وكيف كلفه ذلك نحو 10 ملايين ليرة للإفراج عنه. واصفاً ذلك
بالعادة الروتينية للمكتب، حيث تشمل المداهمات الكبيرة سجن أحد العاملين أو
المسؤولين، لتحميله شكلياً المسؤولية عن المخالفات.
من جهة أخرى، كشف المصدر في المديرية أنّ “نشاط
المكتب السري حصد في شهري نيسان وأيار، أكثر من 50 مليار ليرة سورية من الغرامات
كعوائد للمديرية. حيث لم يوفر المكتب خلال الفترة الماضية أي محل من المولات
التجارية مثل “الشام سنتر” في منطقة كفرسوسة، إلى المحال الصغيرة في
أسواق الحريقة والحميدية والصالحية وغيرها”.
تمييزٌ طائفي
يروي المصدر العامل في الجمارك عن أحد
عناصر المكتب السري، والذي أصبح شريكاً في عمل تجاري كبير بحي الزهراء بمدينة حمص،
الذي تقطنه غالبية من الطائفة العلوية الموالية لنظام الأسد، أنّه مع سماعه شائعات
حول استهداف محاله التجارية هناك هدّد عناصر المكتب السري بالكامل، محذراً بأن
الطائفة العلوية لن تسمح لأي دورية جمارك بمجرد المرور من الحي..
وأشار المصدر إلى أن “أسواق المدن
الساحلية، كاللاذقية وطرطوس، شهدت نشاطاً تجارياً بمشاركة عناصر من الجمارك، وهم
بالمعظم من الطائفة العلوية، بشكل غير معلن، متاجرين بما يتم مصادرته أو سرقته من
بضائع أحياناً، أو لتبييض السرقات الضخمة التي تدر عليهم يومياً ملايين الليرات
السورية”.
وفي العاصمة دمشق، يسيطر عدد من أصحاب
رؤوس الأموال الضخمة والداعمين بسخاء للأسد ونظامه خلال السنوات الماضية، على
العديد من المحال التجارية الكبيرة والممتدة في عدة أسواق، ويُستثنون من المداهمات
المذكورة. وكمثال على ذلك، استثناء المحال والمستودعات التابعة لـ”صائب
النحاس”، الملياردير الشيعي الداعم للأسد، من أي عملية مداهمة من قبل المكتب
السري.
يسيطر عدد من أصحاب رؤوس
الأموال الضخمة الداعمة للأسد على العديد من المحال التجارية الكبيرة والممتدة في
عدة أسواق، ويُستثنون من مداهمات المكتب السرّي.
التجار.. بين الصداقة
والخصومة
تفاوتت ردود أفعال التجار في ما تبقى من
أسواق بمدينة دمشق. حيث انقلبت في كثير من الأحيان، الصداقات المعقودة منذ بداية
الثورة بين نظام الأسد وكبار التجار، إلى عداوة جراء تسلّط عناصر المكتب السري على
مقدراتهم بشكل لا يخضع لأي قانون من قوانين الدول، بل يميل إلى نفوذ عصابات منظمة
تحظى بالحماية والدعم.
وبعد اجتماعات متتالية، رفع كلٌ من تجار
“الحريقة” و”العصرونية” و”خان الحرير”، عريضة موقعة
إلى غرفة تجارة دمشق، يشكون فيها ممارسات المكتب السري الجائرة خلال هذا العام.
حيث أكد أمين سرّ الغرفة “محمد حمشو”، أن “المشكلة تتمثل في ممارسة
المكتب السرّي لمهامه بطريقة مغايرة لدوره الحقيقي، من خلال تدخله في الأسواق بشكل
مباشر، والقيام بالمداهمات التي تؤثر سلباً على أداء الوسط التجاري”.
وسبق ذلك لقاء جمع عددا من التجار بالمدير
العام للجمارك “مجدي حكمية”، لمناقشة سياسيات المكتب السري. وكان رده
بأن “المكتب يقوم بواجبه الوطني تجاه السوق والمستهلك”. كما أكد على أن “سياسة
ترشيد الاستيراد خلقت نوعاً من التهريب، الذي ينقص الإيرادات على الخزينة العامة
للدولة ويساهم في تراجع دورة رأس المال”.
وقال حكمية: “إنّ الإدارة العامة
للجمارك مظلومة في استيفاء الرسوم الجمركية، بسبب التهريب الحاصل والضغط الحكومي
لاتخاذ إجراءات قانونية لمكافحته من داخل البلد”.
بالرغم من ذلك، يشرح التاجر الدمشقي
لـ”صدى الشام”، كيف يعوّل بعض التجار على القطع الأجنبي في حماية
أرباحهم، ما يجعل المقارنة بين ضرائب المكتب ورشاويه في 2010 ومثيلاتها في 2015،
تعود لصالح التاجر. حيث أن قيمة الملايين الأربعة بالدولار أقل بكثير مما دفعه
خلال عامي 2010/2011، وهو ما يقدر بمليون ليرة قبل أن تنهار العملة السورية من 50
ليرة مقابل الدولار الواحد إلى 300 ليرة في الوقت الراهن.
أما التاجر الذي انتقل لدولة مجاورة، فقد بيّن
أن “الكثير من التجار نقلو تجارتهم إلى دول، كلبنان وتركيا والأردن ومصر، في
محاولة للهروب من بطش عناصر الجمارك وتسلطهم، وحفاظاً على نشاطهم التجاري بعيداً
عن خطر الإفلاس”.
فسادٌ يتحمل وزره السوريون
ترتبط الزيادة الكارثيّة لأسعار السلع في
الأسواق التجارية التي يسيطر عليها نظام الأسد، بالنشاط الفاسد لعناصر الجمارك
والمكتب السري، والتي ترفع، بحسب التجار، من قيمة البضائع مع كل ضربة، حيث يوزع
التاجر كل الملايين التي دفعت في أي مداهمة على سعر السلعة الواحدة.
ويشير التاجر الدمشقي، إلى أن “المكتب
في نشاطه السابق بين عامي 2010 و2011، اقتصر في مداهماته على أسواق البضائع
الكمالية، كالإكسسوارات وأجهزة الموبايل والألبسة والأجهزة الكهربائية. أما الآن،
فلا يتم استثناء أي نوع من التجارة، في ظل كساد اقتصادي وهبوط في القيمة الشرائية
لليرة السورية بشكل مستمر، مع تراجع في دخل العائلة السورية وتزايد احتياجاتها
جراء ظروف النزوح”.
إن سوء الإدارة المالية في ظل السرقات
الضخمة وانهيار الاقتصاد السوري، مع صرف كل المقدرات في سبيل بقاء الأسد وحكمه،
جعل من المكتب السري بفساد عناصره، أداة للدفع بالإكراه لخزينة النظام في حربه. مع
دفع أضعاف ذلك لجيوب الضباط وعناصر الجمارك، بدعم ورعاية من الحكومة القابعة في
دمشق.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث