الرئيسية / رأي / الاستفادة من مشاريع الآخرين

الاستفادة من مشاريع الآخرين

عبد
القادر عبد اللي

عندما
أنشئت “منطقتا الحظر الجوي” في شمال العراق وجنوبه، تمكنت القوى المحلية
المتمثلة بالبرزاني وطالباني في شمال العراق، من تحقيق قفزات حضارية على صعيد
البناء والاستثمار. وأصبح الفارق شاسعاً جداً بين ما فوق خط العرض 36 وما تحته.
ولم تبق تلك المنطقة نقطة استقطاب لأبنائها المهجّرين فقط، بل تحولت إلى مقصد للعراقيين
المعارضين من غير الأكراد.

نستعيد
هذا الأمر لأن هناك مناطق من هذا النوع (على الرغم من اختلاف التسميات) بدأت تتشكل
في الشمال السوري بدعم من التحالف الدولي. فتركيا تمكنت “من أجل
مصالحها”، من انتزاع القبول الدولي بهذا الأمر من الولايات المتحدة بعد رفض
له لمدة طويلة.

المصالح
التركية من هذه المناطق معلنة وواضحة. وتتلخص في نقطتين هامتين:

1- الحيلولة دون موجات الهجرة الواسعة، فلم تعد
تركيا تستوعب عدداً أكبر من السوريين الذين أصبحوا عبئاً حقيقياً على هذا البلد.

2- منع حزب العمال الكردستاني من التمدد فيما
يسميه “الحزام العربي”، ويعتبره منطقة يسكنها العرب وهي حق تاريخي له،
وبقائه ضمن الكنتونات الكردية التي ليس فيها وحدة جغرافية. وبالطبع فإن غالبية
التركمان أيضاً، يسكنون في هذه المناطق، فمناطقهم أيضاً مستهدفة من هذا الحزب. من
جهة أخرى، تدعي تركيا بأن جزءاً من معسكرات حزب العمال الكردستاني قد انتقلت إلى
هذه المنطقة.

هناك
كثير من السوريين فضلوا البقاء تحت البراميل في المناطق التي خرجت من يد النظام،
ولكن ما بات يسمى على نطاق واسع جداً “أخطاء فردية” و”شرع
الله”، لعب دوراً لا يقل عن دور البراميل بتهجير الناس من بيوتهم. ولن أذكر
الرقة ومناطق داعش، فلنا في إدلب خير مثال. فبعد الانتصار الكبير الذي تحقق هناك،
بدأت الصراعات بين القوى، ودائماً تسمى فتنة، واستعيدت الثقافة الإقصائية بكل غبائها
على مرأى ومسمع من العالم كله. لذلك بعد تلك الانتصارات الميدانية، عادت الحال إلى
الجمود.

من
الغباء السياسي الاعتقاد بإمكانية حياة أي كيان (تنظيم أو دولة أو إدارة ذاتية…)
دون دعم خارجي، وعلاقات دولية. وهذا ما يعرفه جيداً قادة التنظيمات المتطرفة، لذلك
فإنهم لا يزرعون نهائياً، وحتى عندما يحاولون الحصاد يبددون غالبية الموسم من أجل
القليل منه، لأنهم يعرفون بقرارة أنفسهم أنهم زائلون، وإن لم يكن اليوم، فغداً.

مازال
الناس في سورية حتى الآن، يتذكرون بعض إنجازات فرنسا في سورية بالخير، على الرغم
من اعتبارنا لها دولة مستعمرة. فمن أراد أن يعمل استراتيجياً لا بد له من تحقيق
إنجاز ما. طبعاً عندما تنصح “الأمراء” بهذا، يستخدمون عبارة بشار الأسد
بسخرية: “ليس لدينا عصا سحرية”. ولكنهم يتناسون أن لديهم عصا –بل أسلحة-
يفرضون فيها على الناس الطاعة والولاء.

نعم،
أصبحت “المناطق الآمنة” حقيقة، وستتشكل أولها في منطقة إعزاز وتمتد
جنوباً إلى مائة كيلو متر تقريباً، يتقاسم فيها الحماية الأتراك (أربعين) والتحالف
الدولي (ستين)، وبالتنسيق بين الطرفين، وحتى غرفة عمليات مشتركة، مقرها معروف هو
في قاعدة أنجيرليك قرب أضنة. إنه مشروع للآخرين، كما كانت منطقة الحظر الجوي في
شمال العراق وجنوبه مشروعاً للآخرين. ولكن لنتذكر بأن الجنوب العراقي أيضاً كان
منطقة حظر جوي وضعت يدها عليها إيران، وأعادتها إلى ظلمات أحلك من ظلمات العصور
الوسطى الأوربية، بينما كانت القوى في الشمال تبني الجامعات العصرية، والمؤسسات
المدنية.

لدينا
ثلاثة نماذج في العراق: النموذج الجنوبي، الذي أسسته قم (بدعم أمريكي)، والنموذج
الشمالي الذي أسسه برزاني وطالباني (بدعم أمريكي)، والنموذج الأوسط الذي بقي تحت
إدارة صدام وفشل بتقديم أي نموذج بديل، وتحول إلى فئة يحاربها العالم كله، على
الرغم من تعرضها الشديد للظلم بسبب مشاريعها الرعناء.

ليس
عيباً استغلال مصالح الآخرين، وإيجاد نقاط مشتركة من أجل تحقيق ما هو إيجابي. وللجمهورية
التركية (وليس لحزب العدالة والتنمية فقط) مصلحة بتأسيس هذه المناطق في الشمال
السوري، وهي لا تخفيها، وتقولها بمناسبة ودون مناسبة. ولكن من جهة أخرى، بدأت
جوقتان بالنواح: الأولى تشتم العثمانية الجديدة التوسعية الاستعمارية وإلى ما
هنالك من صفات، والثانية: تنوح لأن بعض الدول العربية ستعيد العلاقات الدبلوماسية
مع نظام الأسد.

كل
الباكين يعرفون أن البكاء لا يعيد ميتاً. فهل هناك استعدادات حقيقية للاستفادة من
المشروع المزمع إنشاؤه في الشمال السوري، وتأسيس نموذج يقدم نفسه بديلاً لأمراء
الحرب والنظام؟

نهاية
النظام لن تكون بضرب القرداحة ببضع صواريخ غراد أو الدخول إلى اللاذقية، فالنظام
استخدم آلاف الأطنان من القذائف، ولم يستطع إسقاط “الشعب”. نهاية النظام
الحقيقة عندما تتشكل منطقة نموذجية في تلك المناطق الآمنة، يمكن مقارنتها مع
المناطق التي يسيطر عليها النظام، وتغدو بديلاً حقيقياً لها. بقدر ما تبدو القضية
صعبة، بقدر ما هي بسيطة أيضاً.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *