الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / سورية ما بين المنطقة الآمنة والمنطقة العازلة

سورية ما بين المنطقة الآمنة والمنطقة العازلة

د.بشار أحمد

ما بين المنطقة الآمنة والمنطقة العازلة
خابت آمال الملايين من السوريين بعد تخاذل المجتمع الدولي وعجزه عن إنشاء منطقة
عازلة أو منطقة آمنة يأوي إليها السوريون، وذلك بعد مضي أكثر من أربع سنوات من عمر
ثورتهم المجيدة.

فبعد أن طرحت فكرة المنطقة العازلة أو
المنطقة الآمنة في وقت مبكّر من عمر الثورة السورية، وتحديداً في مليونية تشرين
الثاني 2011، والتي حملت اسم “جمعة الحظر الجوي مطلبنا”، تلاها مليونية
أخرى في كانون الأول 2011 حملت اسم “جمعة المنطقة العازلة”، بقيت فكرة
المنطقة العازلة أو المنطقة الآمنة مجرّد خيار مطروح كَثُرَ الحديث عنه في أوقات
وخبى في أوقات أخرى. إلا أن التطورات العديدة التي حصلت في الآونة الأخيرة في
الشمال والجنوب السوري جعلت فكرة المنطقة العازلة أو المنطقة الآمنة تطرح وبشدة من
قبل تركيا شمالاً ومن قبل الأردن جنوباً، ليعود النقاش حول هذه المنطقة في سورية إلى
صدارة المشهد، وليحتل قائمة أولويات بعض دول الجوار ذات العلاقة بما يجري في
السورية.

وعلى الرغم من طرح فكرة المنطقة الآمنة أو
المنطقة العازلة في وقت مبكّر من عمر الثورة السورية، إلا أنّه وحتى وقتنا الراهن
لا زال اللغط سائداً عند الحديث عن هاتين المنطقتين. مرد هذا اللغط هو عدم التفريق
بين المفهومين.

فالمنطقة العازلة تعريفاً، هي منطقة محددة
تفصل بين طرفي نزاع، تسيطر عليها قوة دولية، هدفها منع استخدام الأسلحة بين طرفي
النزاع في هذه المنطقة من خلال خلق مساحة فصل بين القوات المتنازعة أو المتناحرة،
والمنطقة العازلة غالباً ما تكون بريّة، كما يمكن أن تقترن بحظر جوي
. وليس شرطا أن تقع المنطقة العازلة بين
دولتين، ولكن حسب نوعها وسبب خلقها، فقد تفصل المنطقة العازلة منطقتين.

وغالباً ما يتم فرض المناطق العازلة بموجب
قرار من مجلس الأمن الدولي، حيث هناك العديد من الشواهد حول إقامة مناطق عازلة
بموجب قرارات مجلس الأمن. ففي عام 1953، أقيمت منطقة عازلة منزوعة السلاح بين كوريا
الشمالية وكوريا الجنوبية، امتدت على منطقة عرضها أربعة كيلومترات وبطول 241 كيلومتر.
وفي قبرص أيضاً هناك الخط الأخضر الذي يفصل بين قبرص الشمالية وقبرص الجنوبية منذ
عام 1974. وفي الجولان السوري هناك منطقة منزوعة السلاح بموجب اتفاقية فض الاشتباك
عام 1974، تحت إشراف قوة دولية بين سورية والكيان الإسرائيلي.

يتم فرض المنطقة العازلة
أثناء النزاعات المسلحة، وبالاتفاق مع طرفي النزاع. أما المنطقة الآمنة فتُفرض
لحماية مجموعة لا تستطيع حماية نفسها، بقرار من مجلس بعد تكليف دولة أو اثنتين
بتنفيذه بالقوة.

أمّا المنطقة الآمنة، فهي منطقة محددة يتم
ُفرضها بموجب قرار من مجلس الأمن أيضاً، لكنها تفرض لحماية مجموعة من الناس لا
تستطيع حماية نفسها. حيث يتم تكليف دولة أو اثنتين بتنفيذ هذا القرار بالقوة. وغالباً
ما يكون فرض المناطق الآمنة مقترن بعملية حظر طيران أيضاً. وبالتالي فإن المنطقة
الآمنة لا يكون هدفها فض الاشتباك بين الطرفين المتنازعين في منطقة معينة، بل يكون
هدفها الأساسي تأمين مكان آمن يحتمي فيه الناس من الاشتباكات والاقتتال، إلى جانب تأمين التدخل الإنساني
وحماية حقوق المدنيين وضمان عدم التعرض للتعذيب، وهو ما يستتبع إقامة دفاعات أرضية
وجوية واستخباراتية قادرة على صد أي هجوم أو اختراق لهذه المناطق، والدفاع عن
اللاجئين وموظفي المؤسسات الإغاثية الدولية وعناصر القوات الدولية أنفسهم.

وبالتالي يمكن القول إن هناك فرق واضح في
القانون الدولي بين وظيفة المنطقة العازلة ووظيفة المنطقة الآمنة. فصحيح أنّ الاثنتين
تتطلبان قراراً من مجلس الأمن، وتتطلبان فرض حظر جوي، ووجود قوّات على الأرض. إلا
أنّ المنطقة العازلة يتم فرضها أثناء النزاعات المسلحة، وبالاتفاق بين الأطراف
المتحاربة أو المتنازعة لتحييد هذه المنطقة من الاشتباكات. أما المنطقة الآمنة فتُفرض
لحماية مجموعة لا تستطيع حماية نفسها، ويتم فرضها بمقتضى قرار من مجلس الأمن، بعد
تكليف دولة أو اثنتين بتنفيذ هذا القرار بالقوة
.

وعليه فإن الشعب السوري بحاجة إلى مناطق
آمنة تقيه صواريخ وبراميل الأسد، وتساعده في
تشكّيل قاعدة خلفية للثوار وملاذ آمن
للمنشقين من عسكريين ومدنيين، والهاربين من بطش النظام وإجرامه وبراميل الموت. كما
أنّها تساعده في تشكيل قاعدة مهمّة للتموين والاستراحة والتخطيط وإسعاف المصابين
والجرحى، وتفرض مناخاً ملائماً لعمل المؤسسات الثورية والمنظمات
الإغاثية والجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني كافة، وتخفف العبء عن دول
الجوار التي أضحت غير قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من اللاجئين. كما تساعد
الفصائل الثورية على الانتظام ضمن مؤسسة عسكرية وطنية واحدة ولها محددات وطنية واضحة
تساعدها في تحرير ما تبقى من الأراضي السورية. والأهم من ذلك كله، أن المنطقة الآمنة
تمثل خطوة جديّة ومتقدمة على طريق الخلاص من هذا النظام المجرم، ولهذا كله فالمنطقة
الآمنة أصبحت ضرورة ملحة ومطلبا ليس شعبيا فحسب وإنما مطلب إقليمي يخفف العبء عن
دول الجوار. إلا أن إقامتها ما زالت تعاني من الفيتو الروسي في مجلس الأمن، ومن عدم
توفر رغبة دولية لفرض هكذا قرار على النظام السوري، ليبقى الالتزام الأدبي والأخلاقي
والحقوقي والأممي غائبا عن تلبية مطالب الشعب السوري.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *