الرئيسية / رأي / ديموقراطية

ديموقراطية

ثائر الزعزوع

معلومة عامة قد لا يعرفها الكثيرون، ومفادها أن الديمقراطية لا يمكن أن
تبنى في دول تعتمد المحاصصة الطائفية والعشائرية والقومية، لأنها بذلك تكون عرجاء.
كما أنها لا يمكن أن تصنع على قياس جنرال معتوه استولى على السلطة إثر انقلاب
عسكري أو باستفتاء صوري سخيف، أو ورثها عن أبيه كما حدث لدينا. كما أن جميع أولئك
الذين يحملون فوق أكتافهم رؤوساً تفكر بعقلية المنتقم لا المتصالح، عليهم أن
يسقطوا الديمقراطية من أحاديثهم، لا لشيء، ولكن كيلا يصبحوا مثاراً لسخرية الآخرين.
يضاف إلى من تقدم بعض أصحاب المشاريع الدينية الذين يتحدثون أمام وسائل الإعلام عن
إيمانهم بالدولة المدنية، وعن احترامهم للاختلاف واقتناعهم بالانتخابات
والبرلمانات وما إلى ذلك، وتأكيدهم في كل شاردة وواردة أنهم سينخرطون في العملية
السياسية، وسوف يقبلون بما تسفر عنه ونحن نعلم أنهم كاذبون. أما أصحاب الحلم بدولة
إسلامية، ولا أقصد هنا تنظيم داعش لأن هذا التنظيم لا يناقش أية أفكار أو
احتمالات، المهم الشق الآخر من الحالمين بدولة إسلامية، والذين لا يعتمدون التقية
السياسية في خطابهم يقولون وبشكل واضح، إنهم يكرهون الديمقراطية، وهم لا يؤمنون
بها، ولا يمكن أن يعملوا بها في حال آلت الأمور إليهم. بين هؤلاء جميعاً ما زالت
فكرة الديمقراطية موجودة، وإن بشكل أقل، ولا تشبه تلك الديمقراطية التي كانت حلم
الثورة الأول، بل هي ديمقراطية اصطفائية انتقائية، قابلة للطي والتدوير، والتشكل
وفق الرغبات. وهي نفسها التي قال عنها رأس النظام إنها ديمقراطية منتجة محلياً،
وليست مستوردة من الخارج. والحقيقة أن لا أحد يريد استيراد أفكار من الخارج، لو
كان ثمة أفكار لدينا أصلاً، فمتى عرف العرب الحكم الديمقراطي، سواء قديماً أو
حديثاً؟ ومن يستطيع أن يذكر حراكاً ديمقراطياً في قطر عربي واحد فقط؟ وإن كانت تجربة
الكويت تحديداً قد لفتت الانتباه في السنوات الأخيرة، إلا أنها تظل ديمقراطية غير
مكتملة ومنقوصة، ومحكومة على الأغلب بمراسيم أميرية تلغي وتقيد. أما لبنان، الذي
تحول منذ عقود إلى مؤسسة تتقاسمها مجموعة من العوائل السياسية ذات الإرث الإقطاعي،
فإن تجربته في ممارسة الديمقراطية حكم عليها أصلاً بأن تكون خاضعة لتلك
الاستثمارات العائلية التي تضمن استمرار العمل السياسي في بعض البيوت، وتحرمه على
البعض الآخر. ثم إن وجود ميلشيا حزب الله يجعل أي حديث عن ديمقراطية في لبنان
ضرباً من الخيال. إذاً، ما هو النموذج الذي يمكن التأسيس عليه لبناء ديمقراطية
سورية تحمل تناقضات الحالة السورية، وتحمل أيضاً ما رشح خلال السنوات الفائتة منذ
اندلاع الثورة المباركة وحتى يومنا هذا؟

الحقيقة، إن الإجابة عن هذا السؤال لا تقل صعوبة عن توقيت طرح السؤال
والمغزى من طرحه بينما ما زال الاقتتال قائماً ومستمراً، وطالما أن البراميل
المتفجرة ما زالت تنهمر فوق المدن والقرى فتدمر ما تبقى. لكن أليس مطلوباً التفكير
بهذا السؤال مبكراً؟ ثم أليس مجدياً للرد على ماكينة النظام الإعلامية التي
استطاعت أن تفوز بالنقاط، ولن أقول بالضربة القاضية، على المشاريع الإعلامية
الثورية كلها، وحافظت وإن شكلياً، على خطاب إعلامي واحد منذ الخامس عشر من آذار
عام 2011 وحتى يومنا هذا، ورغم غبائه وعنصريته وكذبه، إلا أنه استمر، فيما لم
تستطع أي مؤسسة ثورية إدارة نقاش متوازن يبحث أسس تكوين الدولة، والقيم التي يجب
أن تبنى عليها، ولا حتى مناقشة النظام الديمقراطي الذي يمكن السير عليه، إذا كانت
الديمقراطية هي الحل حسبما يرى الكثير من المثقفين، وبعضهم ممن لم يعد يراهن على
الثورة، بل لم يعد يراهن على سوريا أصلاً؟

الديمقراطية التي يمكن استيرادها من الخارج وإدخال التعديلات المطلوبة
عليها كي تناسب الحالة السورية، تشبه بشكل أو بآخر جميع الاختراعات التي
استوردناها من الغرب، بدءاً بالهاتف المحمول ووصولاً إلى الطائرات والمطارات
والمولات والمصاعد والمستشفيات. وإذا كنا لا ننفك نردد في كل نقاش عن طبيعة الحكم،
مهما كان تافهاً، الآية القرآنية: “وأمرهم شورى بينهم”، فإننا نعلم
جميعاً أن ثلاثة أرباع الشعوب العربية والإسلامية لم تستشر في شيء منذ مئات
السنين، فهي تجد نفسها تحارب، وتوقع اتفاقيات سلام، وتعادي وتصالح، بل وقد يتغير
اسم الدولة، دون أن يتم النظر إلى الآية الكريمة مجرد نظر ولا التبصر في معناها.
بل إننا نغلب كل حسب هواه، آية أخرى: “وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي
الأمر منكم”، فأين الديمقراطية حين تتم الاستعانة بهذه الآية وإقصاء تلك؟

لا ديمقراطية، ولا هم يحزنون، هناك حكم استبدادي مستشر، لا في مؤسسات
الدولة عندنا فقط، بل في الجمعيات الاستهلاكية أيضاً. وأنا هنا لا أتحدث عن النظام
فقط، بل عن كل مؤسسة سورية مهما كانت صغيرة، سواء في غازي عنتاب، أم في استنبول،
أم في دمشق. لم يتجشم أحد عناء شرح فكرة الديمقراطية، ولا ما يمكن أن تحققه لدولة
محكوم عليها أن تبقى رهينة حرب أهلية قد تستمر سنوات إن لم يتم تدارك الأمر،
والبحث عن حلول سريعة… الديمقراطية حل، فاستشيروا وفكروا.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *