عبد
القادر عبد اللي
تحاول
تركيا منذ سنتين إيجاد دعم دولي من أجل فرض منطقة آمنة في شمال سورية. ولتركيا
مآرب كثيرة من هذه المنطقة، أولها: يمكن أن تخفّض عدد اللاجئين إلى أراضيها بنسبة
من المتوقع أن تصل إلى النصف خلال فترة قصيرة. وثانيها: وضع المجتمع الدولي أمام
مسؤولياته في القضية الإنسانية، ودعم اللاجئين السوريين، وسيكونون حينئذ خارج
مسؤوليتها وحدها، وهذا ما يخفف عنها أعباء اقتصادية كبيرة. وثالثاً: منع حزب
الاتحاد الديمقراطي الكردستاني من السيطرة على المناطق العربية والتركمانية في
شمال سورية من أجل توحيد الكنتونات الثلاثة التي أعلنها في الشمال، وهذا ما تعتبره
تهديداً لأمنها القومي.
لا
يمكن لتركيا أن تقيم منطقة من هذا النوع بشكل أحادي الجانب، لأنها ستواجه ضغوطاً
داخلية وخارجية كبرى إن أقدمت. ومنذ عشرين شهراً تقريباً تخوض مع الولايات المتحدة
نقاشات صعبة وحثيثة حول هذه القضية.
لعبت
الولايات المتحدة دوراً فاعلاً بتصفية الجيش السوري الحر، ليس من خلال عدم دعمه
فقط، بل من خلال منع تقديم الدعم له أيضاً. وهكذا ساهمت بشكل شبه مباشر بتقوية
المجموعات الإسلامية المتطرفة. ولم تُقصّر هذه المجموعات برد الجميل، فمارست
ممارسات سابقت بها قوات الأسد في المناطق التي تخضع لسيطرتها. وحينئذ تمكنت
الولايات المتحدة من كشف أوراقها بوضوح، وقالت إن الأسد ليس أولوية بالنسبة إليّ.
ولكن عدم الإبقاء على الأسد يكاد أن يكون أولوية كل من يرى خطراً إيرانياً يهدده
في المنطقة. فالولايات المتحدة الأمريكية لم تفعل ما فعلته في سورية خدمة لأصحاب
المشروع الساساني الذي ترافق إعلانه بشكل لا يمكن أن يكون مصادفة، مع إعلان
الولايات المتحدة أن إسقاط الأسد ليس أولوية بالنسبة إليها.
من
جهة أخرى، تحالفت الولايات المتحدة الأمريكية مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني
“PYD“، وأصبح هذا الحزب شريكاً أساسياً لها في محاربة داعش. هنا
خشيت تركيا من تمدد هذا الحزب إلى المناطق الأخرى التي ليس فيها أكراداً، ويعتبرها
الحزب هي مناطق كردية تم إسكان العرب فيها، وهذه المناطق تشمل الشمال السوري كله
حتى إدلب وشمال اللاذقية إلى البحر المتوسط.
ضمن
هذه التعقيدات العملياتية والسياسية ضغطت تركيا على الولايات المتحدة، وطرحت ما
سمي “الخطة باء”، وهي تأسيس مناطق آمنة معزولة. وبالطبع ستكون هذه
المناطق بين الكنتونات الكردية الثلاثة، لمنع تحقيق سيطرة “PYD”
على تلك المناطق. وكان من أشكال هذا الضغط هو حشد قواتها بمحاذاة الحدود السورية،
وتسريب الأخبار بأنها ستدخل لتشكيل أولى هذه المناطق.
يبدو
أن الولايات المتحدة شعرت بجدية الطرح التركي، فهرع جون ألين، مبعوث الرئيس
الأمريكي في التحالف الدولي لمحاربة داعش، إلى تركيا، وخاض جولتين من المفاوضات
بلغت عشر ساعات، وتم التوقيع على اتفاق أثار كثيراً من اللغط، والقراءات.
كل
ما سربته الخارجية التركية هو السماح للقوات الأمريكية باستخدام قاعدة إنجيرليك
القريبة من أضنة لإقلاع طائرات من دون طيار. وبالطبع فإن هذه الطائرات ستخفف من
(أخطاء القصف) الذي يصيب المدنيين، ويجعل الأمريكان يعتمدون على مقارنة الإحداثيات
التي تعطيها “PYD” مع ما تستطلعه هذه الطائرات، ومساهمة
هذه الطائرات بقصف مواقع داعش عندما تشتبك مع قوات المعارضة المسلحة في الشمال
السوري. بالمقابل، تقوم الولايات المتحدة بمنع طائرات النظام السوري من تقديم
الدعم لداعش عندما تدور المعارك بين هذا التنظيم، وما تسميه تركيا التنظيمات
الإسلامية المعتدلة.
بهذا
المعنى، إنها منطقة شبه آمنة، وتقتصر على حظر جوي لمناطق تسترجعها المعارضة
المسلحة من داعش، لكيلا تقع بيد قوات الأسد.
ولكن
الواقع هو أنه مجرد اتفاق أولي، مثله مثل اتفاق تدريب المعارضة السورية وتسليحها.
ونتذكر أن تركيا بعد جهود كبيرة وضغوط شديدة تمكنت من انتزاع اتفاق مع الولايات
المتحدة الأمريكية يقضي بتدريب المعارضة السورية (المعتدلة) وتسليحها. ولكن
الذرائع التقنية التي تطرحها الولايات المتحدة بين فترة وأخرى، حالت دون هذا الأمر،
وأصبح نوعاً من الطرفة. علماً أن رقم ألف مقاتل الذي طرح في الاتفاق للتدريب
كمرحلة أولى، بحد ذاته، هو رقم طريف. فهل يمكن أن يحدث ألف مقاتل فرقاً في القتال
الدائر.
وهكذا،
لا بد من الانتظار من أجل معرفة النتائج على الأرض، ومدى جدية الولايات المتحدة
الأمريكية بتقديم الحماية للمعارضة السورية، وجدية الطرف التركي بمتابعة هذا الأمر
وفرضه على الأرض عملياً….
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث