الرئيسية / رأي / غزل النظام السوري بتركيا

غزل النظام السوري بتركيا

صدى الشام _ عبد القادر عبد اللي/

لعبة إيران والنظام السوري مع تركيا هي نفسها لم تتغير منذ أواسط الثمانينيات عند تأسيس حزب العمال الكردستاني حتى الآن. وهي استخدام هذا الحزب ورقة ضغط على تركيا من أجل تحقيق مكاسب سياسية.

فشل الأسد الأب بتحقيق المكاسب التي كان يرجوها من هذه اللعبة، وانتهت بتوقيع اتفاقية أضنة عام 1998 التي أخرج بموجبها زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان من سورية، إضافة إلى أن تلك الاتفاقية خرقت “السيادة الوطنية” خرقاً طفيفاً جداً بالنسبة إلى ما يجري هذه الأيام بأنها سمحت للقوى الأمنية التركية بتنفيذ عمليات داخل سورية. وقد نفذت القوات الأمنية التركية سنة 2004 عملية اعتقلت بموجبها عدداً من الناشطين الإسلاميين الأتراك من قلب العاصمة دمشق، واقتادتهم إلى تركيا.

عند عودة الصراع المسلح بين حزب العمال الكردستاني والقوى الأمنية التركية في أواسط عام 2015 أبرزت إيران دورها بهذا الصراع، ونزل وزير داخليتها إلى معسكرات حزب العمال الكردستاني، والتقط الصور مع المقاتلين، ونشرها ليقدم رسالة بأن هذا الحزب يعمل برعاية إيرانية، وحاولت إيران مقايضة دعمها لحزب العمال الكردستاني مقابل دعم تركيا للمقاومة السورية التي تقاتل ضدها، ولكن تركيا لم ترضخ للمطالب الإيرانية.

في الفترة الأخيرة بدأت تنشر أخبار في وسائل إعلامية عديدة تدور في فلك إيران بشكل خاص، حول إمكانية عودة العلاقات التركية مع النظام السوري لتوحيد الجهود ضد الجناح السوري من حزب العمال الكردستاني “PYD”، ونُشرت كثير من التصريحات المجتزأة لرئيس الحكومة التركية بن علي يلضرم لتخدم هذا الهدف، وقد زور عبد الولي الفقيه عطوان (هو اسمه الحالي إلى أن يجد إلهاً آخر) تصريحاً لرئيس الجمهورية التركية يقول فيه إن الأسد الذي بيني وبينه دم رفض الانقلاب العسكري التركي.

واعتماداً على هذه الفبركات، رأى كثير من “المحللين” أن الاتفاق بين نظام الأسد وحكومة العدالة والتنمية التركي ممكن، وأن هناك نقطة مشتركة بينهما يمكن أن تؤدي إلى تفاهم معين هي محاربة الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، والحيلولة دون قيام فيدرالية أو إدارة مستقلة في الشمال السوري.

زيارة وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف إلى أنقرة، وتأكيده أنه متفق مع الجانب التركي على ضرورة “وحدة الأراضي السورية” أعادت حمى التكهنات إلى الساحة، وقد وصلت هذه التكهنات إلى بناء حلف ثلاثي بين تركيا وإيران وروسيا لدعم الأسد مقابل محاربة حزب العمال الكردستاني “بالطبع خارج الجناح الإيراني (PJAK)”.

من غير المعقول أن يصدق النظام السوري هذه الأخبار التي فبركها هو بنفسه أو قياداته الإيرانية، ولكنه على ما يبدو كان مقتنعاً بالأمر، وهذا هو دافعه لفبركتها، فأراد أن يرسل رسالة إلى الحكومة التركية بأنه يمكن أن يكون فاعلاً ضد العمال الكردستاني عموماً، وجناحه السوري خصوصاً، فقامت طائراته لأول مرة بقصف بعض الأماكن قيل إنها مدنية وعسكرية في القامشلي.

كانت قد حدثت سابقاً بعض الصدامات المحدودة بين نظام الأسد والجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، ولكنها سرعان ما هدأت، وتم حل المشاكل بينهما بشكل ودي، وعادت الأمور إلى مجاريها، ولكن النظام السوري هذه المرة أراد التأكيد على القطيعة كما يبدو، فأعاد قصف مناطق يسيطر عليها الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني عدة مرات خشية ألا تكون رسالته واضحة.

وفي هذه النقطة جاء تصريح رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني (الجناح السوري للعمال الكردستاني) صالح مسلم لموقع القبس الإلكتروني الكويتي يصب بهذا المنحى فقال عن عمليات قصف النظام: “شهادة حسن سلوك إلى تركيا، خصوصاً بعد التحرك الإيراني الأخير باتجاه أنقرة”.

نعم، لقد لعب النظام السوري بالورقة الكردية، وخدمته في أكثر من مفصل، وزاوية. ولكن هذه الورقة لم تعد بيده، وبعد حصول هذا الحزب على دعم أمريكي وأوربي قوي، ووصول قوات عسكرية من الولايات المتحدة وبعض الدول الأوربية لتقاتل في صفوفه، وتحت رايته، فهل يرد على نظام الأسد، أو يحسب له حساباً؟

تأخر نظام الأسد كثيراً باستخدام هذه اللعبة، وها هي الولايات المتحدة الأمريكية الراعية الحقيقية للحرب في سورية عموماً، والداعمة للجناح السوري لحزب العمال الكردستاني خصوصاً تهب فوراً لإعلان حظر جوي في المناطق الكردية. وقد أعلنت هذا الحظر من طرف واحد، ودون حاجة للشرعية الدولية، ولم تخش الدفاعات الأرضية السورية التي كانت تقدمها ذريعة لعدم إعلان أي حظر جوي عن مناطق أخرى لحماية المدنيين السوريين الآخرين، وأن تلك الدفاعات تحمل خطراً على طائراتها…

إذا كان الأسد فعلاً يرسل رسالة إلى الحكومة التركية، أو يقدم شهادة حسن سلوك بحسب وصف صالح مسلم، فهو يبيع ما ليس له للأتراك، ولكن هل الأتراك أغبياء إلى درجة أن يُخدعوا بحركات من هذا النوع؟ ألا يفاوضون الأمريكان على مصير الأسد ودعم حزب العمال الكردستاني منذ سنوات؟ فهم يفاوضون صاحب العلاقة الأساسي هناك في البيت الأبيض، وليسوا بحاجة لمختار المهاجرين في قضية أكبر منه بكثير.

لعبُ النظام السوري بهذه الورقة يمكن أن يكلفه غالياً، فهو الذي كان يحتمي بالحزب الكردي، وليس العكس، والحرب بينهما لن تكون لصالح النظام، ولعله يدفع مزيداً من الخسائر على الأرض في ظل الدعم الدولي الكبير للحزب الكردي.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *