صدى الشام _محمد أمين/
لا اعتقد أن الشاعر التونسي الأشهر -رغم أنه لم يعمّر طويلا (1909–1934)- أبو القاسم الشابي كان يحلم أن تعيش قصيدة له قالها محرضا التونسيين على الثورة ضد المحتل الفرنسي في عشرينيات القرن العشرين، أن تعيش إلى أواخر عام 2010، حيث رددتها جموع الثائرين في بلده، ولكن ليس على المحتل هذه المرة، وإنما على نظام زين العابدين بن علي الذي طغى في البلاد، كما فعل أغلب رؤساء الدول العربية، فجاءتهم عاصفة ثورية فزلزلت عروشهم، وغيرت مجرى التاريخ العربي كله.
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر
ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر
إِذَا طَمَحَتْ لِلْحَيَاةِ النُّفُوسُ فَلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ الْقَـدَر
أبيات من قصيدة/رصاصة انطلقت منذ أكثر من تسعين عاما لتستقر في الوجدان العربي في أوائل العقد الثاني من القرن الجديد، حيث امتلأت الميادين في عدة دول عربية، من تونس إلى ليبيا، إلى اليمن، إلى مصر، وسوريا، بالمنادين بالثورة، والطامحين إلى الحياة بعد عقود استبداد، وفساد، وإفساد، استشرى بحيث بات هو القاعدة، وأحلام الجماهير هي الاستثناء. طيلة قرن كامل، كان هناك عدد من الشعراء يوقدون قناديل الحرية إذا ما أدلهم الليل، ويعزفون على أوتار الثورة، والانعتاق من كل عبودية حاولت دول الاستعمار القديم ترسيخها في النفوس، سواء عندما كانت تهمين بشكل مباشر على الشعوب العربية، أو من خلال أنظمة زرعتها كي تكون الوكيل في تكريس ثقافة الخوف، والهزيمة.
خلال القرن العشرين برز عدد من شعراء العربية الذين كانوا “الملهم”، و”الدليل” في رفض إعلان الاستسلام أمام مختلف المشروعات التي عملت على إدخال العالم العربي كله في نفق التسليم بما هو كائن، ونسيان ما يجب أن يكون.
صامتٌ لو تكلّما لفظّ النّارَ والدّما
قُل لمن عاب صمتهُ خُلق الحزمُ أبكما
هو بالباب واقفُ والرّدى منه خائفُ
فاهدئي يا عواصف خجلاً من جراءتهْ
إنها أبيات شعر قالها الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان -وهو أيضا لم يعمّر طويلا (1905-1941)- إبان الثورة الفلسطينية على المحتل البريطاني في ثلاثينيات القرن المنصرم، استحضرها شباب الربيع العربي، وخاصة في سوريا عندما اضطر السوريون إلى حمل البندقية دفاعا عن أنفسهم، وراهنهم، ومستقبلهم، بعد أن أوغل نظام الاسد في القتل، والتدمير، والتشريد لإرجاعهم إلى بيت الذل مرة أخرى. تتشابه إلى حد بعيد التجربة الفلسطينية النضالية المستمرة منذ أكثر من سبعين عاما، مع التجربة السورية، حيث قام – ولا يزال- نظام الأسد بإعادة إنتاج ما قام به الصهاينة، بل تفوق عليهم في ممارسة كل صنوف القتل بحق السوريين الذين أعلنوا الثورة على حكمه، وتُركوا -كما تُرك الفلسطينيون- وحدهم في مواجهة آلات موت لا ترحم.
ولكن تبقى تجربة شاعر العربية البارز محمود درويش (1941 – 2008) هي الأهم، حيث كان شاعر الثورة الفلسطينية، وصوتها، وضميرها الحي، وخاصة بعد عام 1948 الذي شهد بدء “التغريبة الفلسطينية” التي لم تنته، وبدء مأساة لا تزال تتفاعل، ولكن مأساة السوريين تقدمت عليها بمراحل.
ترك محمود درويش إرثا كبيرا من النتاج الشعري الثوري الذي يتجاوز حدود القضية الفلسطينية، ويشكّل إلهاما لكل الثائرين على الظلم في العالم العربي، حيث حضر -ولا يزال- في أذهان السوريين، وكأنه يعبّر عن ثورتهم، وعن تطلعاتهم للحرية.
يا دامي العينين..
يا دامي العينين والكفين إن الليل زائل
لا غرفة التوقيف باقية.. ولا زرد السلاسل
نيرون مات ولم تمت روما… بعينيها تقاتل
وحبوب سنبلة تجف.. ستملأ الوادي سنابل
لا أعتقد أن هناك ما يعبّر عن حال مئات آلاف المعتقلين السوريين داخل معتقلات نظام الأسد، كما هذه الأبيات التي قالها محمود درويش عن معتقلات الاحتلال الإسرائيلي التي تبدو- ويا للعار- أفضل حالاً من معتقلات الانظمة العربية على وجه العموم، ومعتقلات نظام الأسد خاصة، حيث تجاوز ما يحدث في الأخيرة منذ عام 2011 حدود خيال الشعراء والكتّاب، بحيث باتت اللغة عاجزة عن وصف ما يمارسه جلادو الأسد بحق السوريين الذين انتفضوا مطالبين بحريتهم، وكرامتهم.
أبيات شعر يرددها المعتقلون السوريون في سجونهم الرطبة، وهم على ثقة أن نيرون العصر غير قادر على كسر إرادتهم، وهو زائل، وهم باقون، وأن دماء من استشهدوا تحت التعذيب تسقي حقول الحرية التي لا بد أن تزهر، ولو بعد حين.
يا أمنا انتظري أمام الباب
أصوات أحبابي تشق الريح، تقتحم الحصون
يا أمنا انتظري أمام الباب.. إنّا عائدون
هذا زمان لا كما يتخيلون.. بمشيئة الملاّح تجري الريح ..
والتيار يغلبه السفين
ماذا طبخت لنا؟ فإنّا عائدون
وكأن محمود درويش في هذه الأبيات ينطق بلسان حال ملايين السوريين الذين هجرتهم آلات الموت الأسدية، وباتوا غرباء في المنافي القريبة، والبعيدة، عيونهم تدمع كلما ذكروا سوريا، بلادهم التي استباحها الطارئون، وحولوها إلى بحيرات دماء، ودموع. أجسادهم في بلاد الشتات المؤقت، وقلوبهم خلفوها في سوريا تؤنسها، وتحرس الذكريات.. ذكريات وطن يُخلق من جديد.
حاصر حصارك لا مفر.. اضرب عدوك لا مفر..
سقطت ذراعك فالتقطها وسقطت قربك فالتقطني
واضرب عدوك بي فأنت الآن حر.. وحر.. وحر.
قتلاك أو جرحاك فيك ذخيرة فاضرب بها
اضرب بها عدوك …أنت الآن حر.. وحر.. وحر.
حاصر حصارك لا مفر.. اضرب عدوك لا مفر..
سقطت ذراعك فالتقطها وسقطت قربك فالتقطني واضرب عدوك بي
فأنت الآن حر.. وحر.. وحر
حاصر حصارك بالجنون وبالجنون
ذهب الذين تحبهم.. ذهبوا فإما أن تكون أو لا تكون
حاصر حصارك لا مفر.. اضرب عدوك لا مفر..
قصيدة “درويشية” قالها أثناء الحصار الإسرائيلي لمدينة بيروت في عام 1982، تعبّر عن حال العديد من المدن السورية المحاصرة من قبل مغول العصر، قوات نظام الأسد، وميليشيات الموت الطائفي المتنقل التي شرّع لها الأسد أبواب سوريا كي تقتل، وتفتك بالسوريين. حاصر السوريون الغزاة الجدد بالصبر، والإرادة التي تأبي أن تنكسر، ولن تنكسر، مهما “طمى الخطب”، ومن ذاق طعم الحرية، وصعد جبالها، لن يعش مرة أخرى بين الحفر.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث