عمّار الأحمد
لا
أعرف إن كان الساسة الأمريكان يمتلكون حس السخرية. ولكن سخروا من السوريين
باستثناء الكرد، فالعدد المبشر بالتدريب لمواجهة الدولة الإسلامية هو ستون ذكراً
بالتحديد! لا زيادة ولا نقصان. الزيادة التي اختبروها رفضت الانصياع للأمريكان بأن
تحارب داعش وحده، وقالت بأنها ستحارب النظام السوري كذلك. أما النقصان فقابل
للحدوث مستقبلاً فربما يكتشفون أصلاً إسلامياً ما في تاريخ الستين هؤلاء. إذاً
وبعد هذا العدد والذي يُمنع من مقاتلة النظام منعاً كلياً، ستتحرر سورية ولا شك من
داعش الذي أصبحت مساحة خلافته أكبر من عدة دول أوربية مجتمعةً.
لم
أفاجأ من التصريح الأمريكي. فهو يهزأ بالمعارضة وبدماء السوريين وبحركة حزم وأحرار
سورية من قبل. السياسة الأمريكية بأكملها كانت سياسة قتل الثورة وتدمير سورية.
يلاحظ ذلك من جراء أي تحليل جاد لما فعلته أمريكا حين قصف النظام الغوطتين
بالكيماوي في أب 2013، وقتل أكثر من ألفي إنسان وهم نيام، فأخذت
الكيماوي وشعرت إسرائيل بسعادة لا تضاهى. وتكرر الأمر ذاته حينما تكرر طلب المجلس
الوطني ولاحقاً الائتلاف الوطني للتدخل العسكري، أي الأمريكي بصورة رئيسية، فجاء
التدخل ضد داعش وبما يدعم النظام وإيران، فالأخيرة داعمة للنظام ومتحالفة مع
الأمريكان في العراق “ضد” داعش. ولم يشكل التدخل السافر لحزب الله
وإيران سبباً كافياً لاعتبارهما يؤيدان الإجرام المنظم ضد الشعب الأعزل.
التصريح الأمريكي يهزأ بالمعارضة وبدماء السوريين وبحركة حزم
وأحرار سورية
لا
غرابة إن يجدوا ستين فرداً فقط يطيعون أوامرهم، فكافة السوريين باستثناء الستين
وال بي يا دي يرفضون السياسة الأمريكية في سورية، وباستثناء النظام الذي لا ينبس
هو وممانعوه بكلمة بخصوص الانتهاك اليومي للسماء السورية، وكأن هناك تحالفاً مع أعظم
دولة إمبريالية. أمريكا تسعى لصفقة النووي مع إيران ومن أجل هذه الصفقة قضت على
سورية وعلى ثورتها، بل ولم تستجب حتى للضغوط الخليجية من أجل أخذ تخوفاتها بعين
الاعتبار بسبب تلك الصفقة وأثارها الإقليمية اللاحقة، سيما أن إيران تعتبر نفسها
متحكمة، وقبل الصفقة بأكثر من أربع دول عربية.
أمريكا
واضحة بسياساتها؛ لا تدخل عسكري، لا حظر جوي، لا حماية دولية، لا سلاح مضاد
للطائرات ويمنع على تركيا مقاتلة النظام مع داعش، وهكذا. سياستها هذه تكررت بخصوص
تركيا المتخوفة من حزب البي يا دي الذي يسعى لإقامة إدارة مدنية كردية في جنوب
تركيا، وهو ما ترفضه تركيا وتقبل به كما يبدو أمريكا؛ إذاً الهدف الأمريكي من وراء
سياستها هو إعادة إنتاج النظام ولكن بصورة ممسوخة، وأن يكون ألعوبة بيد كل الدول الإقليمية
والدولية. فعلاً هي تريد سورية خارج المعادلة الإقليمية.
النظام وممانعيه لا يبدون أي تصريح بخصوص الانتهاك اليومي للسماء
السورية، وكأن هناك تحالفاً مع أعظم دولة إمبريالية
ما
دامت هذه سياسة أمريكا، فإن على كافة السوريين أن ينتهوا من الأوهام بخصوص دور أمريكي
جديد ومختلف عما تمّ، وهو ما كرره الإخوان المسلمون والمجلس الوطني والائتلاف من
بعده؛ وكل نقد يؤكد ذلك هو صحيح بالكامل. يستدعي هذا التحليل تغييراً رئيسياً لكل
سياسات المعارضة وكل الثوريين السوريين؛ والعودة للانطلاق من الوطني السوري،
والتخلص من كل سياسة ساهمت في إطالة عمر النظام ودمار سورية وتأجيل انتصار الثورة.
والكارثة الأكبر تطور الجهادية بشكل غير مسبوق وتحكمها تقريباً في مختلف مناطق
الثورة باستثناء بعض المناطق، والتي لا زالت تقاتل النظام بكل قوة وشراسة ودون أي
توقف، كبلدة داريا الأسطورية مثلاً.
التغيير
المفترض يكون برفض كل تحليل ينطلق من الأكثرية الدينية والأقليات الطائفية، أو أن
سورية ذاهبة نحو التقسيم بين الكرد والعرب ودولة داعش ودولة العلويين وسوى ذلك، وإعادة
تأمين الدعم للجيش الحر ورفض اعتبار كل قوة ليست وطنية من قوى الثورة، وهي بكل
الأحوال لا تعترف أصلاً بالثورة، ورفض كل محاكمة غير مدنية، واعتبار السوريين بشرا
أولاً ولهم الحقوق والواجبات ذاتها بعيداً عن الصفة الدينية. وكان لهذا الموضوع
الدور الأخطر في إنقاذ النظام لجهة أنه يمثل الأقليات والدولة المدنية والملايين
التي كانت بحلب وأصبحت أغلبيتها في دمشق واللاذقية وهناك ملايين أخرى هي الآن تحت
سيطرته، عدا عن المهجرين خارج سورية. التخلص من هكذا سياسات أصبح قضية حياة أو موت
للثورة.
النظام
أكثر من ضعيف، وهذا محط إجماع من قبل محللين مختلفين في مرجعياتهم الفكرية، فهو
غير قادر على شن أية عمليات عسكرية باستثناء القصف الجوي، القصف الذي أفشلت أمريكا
بالتحديد إيقافه، وذلك بمنعها إدخال مضادات طيران، وهو الآن يعتمد عليه النظام
بشكل رئيسي. فلولاه لما دمرت حلب ولا كل البلدات السورية، ولخرج من درعا ولحوصرت
كل المدن التي لا زال يسيطر عليها ولفُرض الحل السياسي؛ إذاً حكاية الستين هي
سخرية مريرة من كل السوريين، ومن هنا رفض السوريون السياسة الأمريكية هذه.
ضعف
النظام ورفض الدول الإقليمية والدولية مساندة الثورة يمكن تعويضه بانتهاج سياسات
وطنية بما يدعم كل جبهات القتال ضده، وضرب المناطق الأكثر حساسية للنظام في قلب
العاصمة، والإفراج عن كافة المعتقلين المدنيين لدى المعارضة وإجبار الفصائل
الجهادية على ذلك الإفراج، فهو سينهي النظام إعلاميا وشعبياً حيث سيكون المختطفون
مجدداً بين ذويهم المفترض أنهم موالون!
كفى
تلذذاً بسخرية الآخرين من ثورة السوريين، ولن يُوقف هذه المهازل إلا الثوار، فهل
نعي أن سورية أصبحت على رمية حجرٍ من إسقاط النظام، وتنتظر الأيدي التي تستطيع
التصويب جيداً!
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث