رانيا
مصطفى
النظام
متآكل متهالك، لكن الثورة عاجزة عن إتمام سقوطه! تحقق تقدم كبير خلال الشهرين
الماضيين، لجيش الفتح شمالاً والجبهة الجنوبية جنوباً، لكن ذلك التقدم توقف.
فالداعمون في الخليج وتركيا يريدون توقيف المعركة، ولا تريد أمريكا حسماً للمعركة؛
المطلوب هو الضغط على النظام لقبول الحل السياسي استناداً إلى مبادئ جنيف 1.
الداعمون يريدون كذلك وضع حدٍ لتمدد إيران في المنطقة، خاصة بعد تقاربها مع أمريكا
فيما يخص برنامجها النووي.
بالأصل،
إن قرار تشكيل جيش الفتح جاء بقرار من الممولين، وحقق انتصارات مفاجئة، وتوقفاً
مفاجئاً. انضمت له النصرة، وهي فرع تنظيم القاعدة، لكنها تؤجل مشروعها في الإمارة،
دون أن تخفيه.
التحكم
عبر التمويل ما كان ليصير لولا الضعف الذي يعاني منه الجناح العسكري للثورة؛ حيث
تسيطر المناطقية على المناطق المحررة، والرغبة في السيطرة والحكم، وغياب التواصل
بين المناطق المحررة، وبالتالي غياب الاستراتيجية القتالية للثورة. للتمويل
الخارجي شروطه، فقد دُعمت الجهادية والتوجهات السلفية منذ البداية، على حساب
المجالس العسكرية التي كان يشكلها منشقون، مما أدى إلى تفككها في النهاية، ومطاردة
الكتائب ذات التوجهات الوطنية العامة، ثم منعها من التواجد في معظم مناطق سورية.
وهنا، درعا استثناء، وكذلك بعض المناطق التي آثرت المصالحة مع النظام والحفاظ على
الأرواح مع الاستمرار بالتضييق على الثورة، وبرزة مثال على ذلك.
لكن
خطأ المجالس العسكرية وغيرها من تشكيلات الجيش الحر، كان بالعموم هو السعي إلى
الحصول على الدعم الخارجي من أوروبا وأمريكا وغيرها، وإغفالها حقيقة أن المجتمع
الدولي لا يمكن أن يدعم الثورات إلا ليخرّبها. وبالمثل، المعارضة الممثلة بالمجلس
الوطني والائتلاف لا تخفي اعتمادها على أوهام إقناع الغرب بضرورة إسقاط النظام ولو
بالقوة الخارجية، لنشر الديمقراطية عوضاً عن الاستبداد. كان يجب على الجيش الحر،
دعم نشوء تشكيل سياسي من قلب الثورة، ووضع استراتيجية سياسية وعسكرية موحدة
لمستقبل سورية، والعمل على التنسيق بين فروعها في كل الأراضي السورية، وعدم التعلق
بأوهام الحصول على الدعم الخارجي، بل الاعتماد على ما سيغنموه من عمليات خاطفة ضد
جيش النظام، وعلى التمويل الذاتي من تجار محليين منخرطين في الثورة.
هنا
يمكن الوقوف عند تجربة داريا، حيث تمول ذاتها عبر تجارها. وكذلك تجربة برزة، التي
كان يحصل فيها الجيش الحر على السلاح من النظام، سواء بعمليات ضده أو بشرائه من
حواجز ومستودعات جيش النظام. وكذلك تجربة حمص القديمة، وربما يحدث ذلك جزئياً في
ريف حماه الشمالي.
الخارطة
العسكرية للكتائب العاملة على الأرض توضح مدى تناحرها، واختلاف مشاريعها؛ فأحرار
الشام والنصرة في الشمال، وجيش الإسلام في الغوطة، وكلها لها توجهات سلفية. وهناك
وحدات حماية الشعب الكردية في الشمال الشرقي، والجيش الحر جنوباً، والعشائر في
الشرق والجنوب. التوحد لا يتم إلا بالتسليم لأجندة الأقوى ولإرادة الداعمين. وهنا
نجد أنه من الاستحالة ضم الأكراد إلى أي من التشكيلات الإسلامية، وكذلك من الصعب
انضمام الجبهة الجنوبية، الرافضة للأسلمة، إلى جيش الفتح جنوباً. وربما الصدام هو
المصير في كثير من الأحيان، وهو أسوأ ما يمكن أن يحصل في مناطق مشتعلة ضد النظام.
الجهادية شكّلت ثورة مضادة داخل الثورة، حتى وإن حققت إنجازات ضد
النظام؛ فهي لا تلبث أن تتفرغ إلى أجندتها ودورها في فرض أسلمة المجتمع بالقوة
والسيطرة عليه، بمثل طرق النظام، أي بالاعتقالات والإخفاء القسري والقتل بعد تلفيق
تهم جاهزة تتعلق بالتكفير، وتشابه تهم التخوين ووهن نفسية الأمة التي تقول بها
مخابرات النظام.
كما
أن محاباة الجهادية والأسلمة سمح بتغلغل تنظيم الدولة داعش إلى المناطق المحررة.
تنظيم الدولة هذا يتم تضخيم قوته إعلامياً، عبر المشاهد البشعة للمجازر التي يقوم
بها. والواقع أن قوته ليست بهذا الحجم المضخّم، فمعظم المناطق التي استولى عليها
إما لعجزٍ في الجيش الحر عن السيطرة والاستمرار نتيجة قلة الدعم وضياع الهدف، كما
حدث في الرقة وريفها، أو لأن النصرة وبقية الجهاديات حابتها وسمحت بها لقربها منها
بالعقيدة، وهو ما حصل في مخيم اليرموك، أو بسبب انسحاب النظام منها قصداً، لأغراض
إعلامية وسياسية، كما في تدمر.
فالقليل
من الدعم للأكراد في الشمال الشرقي من قبل الأمريكان جعلهم يحدّون من قوة داعش في
الكثير من المناطق. التحالف لا ينوي مطلقاً تصفية داعش، ولا دعم الأكراد، ولكن فقط
خلق حالة اقتتال تضعف الطرفين وتبقي الأكراد بعيدين عن الثورة، وتضيّع وجهتهم
الوطنية بسبب المجازر العرقية التي تقوم بها داعش، وردة فعلهم عليها فيما يتعلق
بتهجير العرب من بعض مناطقهم.
الجهادية
تسببت في تطفيش الشعب من الثورة وانكفائه، وجعل الأقليات مرغمة على الوقوف في صف
النظام، رغم أنها قاطبة باتت لا تثق به وترفض الخدمة في صفه، لكن ليس أمامها إلا
الخيارات الأسوأ منه، حتى من شارك منها بالثورة باكراً، كالأكراد وأهالي السويداء
والسلمية.
وهنا
نقف عند حادثة مجزرة قلب لوزة، والتي حاول وليد جنبلاط التخفيف منها
و”لفلفتها”، وهو موقف يغطي على خطر الجهادية على الثورة كلها، وليس على
الأقليات فقط. فإدانة الحادثة ليس بسبب سقوط حوالي 20 شهيداً وحسب، فقد سقط خلال
أربع سنوات، قرابة نصف مليون شهيد دون اكتراث. كان ينبغي أن تكون الإدانة من باب
ما تفعله الجهادية بالثورة، حيث هناك مسبقاتٌ تسببت بالحادثة، ومنها ما تفرضه
النصرة على الدروز في جبل السماق من أسلمة وتمنعهم من ممارسة طقوسهم الخاصة، وتفرض
الحجاب والخمار على النساء، وتكفّر من يعترض. لتأتي المجزرة بضحاياها العشرين،
نتيجة وفضحا لما تقوم به النصرة وجيش الفتح، وهو ما ينافي ثورة السوريين جميعاً.
وليست
القصة قصة دروز وأقليات وحسب، بل أن جيش الفتح والنصرة يقومان باعتقال الكثير من
النشطاء الأساسيين في الحراك الشعبي الأول تحت تهمة التكفير.
وبالطبع
هذا يجعل كل الضمانات تسقط أمام الدروز والأقليات، بما فيها الخطاب الوطني للجيش
الحر في درعا، وتجعلها مضطرة للوقوف في صف النظام، خاصة بعد تأسيس جيش فتح إسلامي
في درعا، في مواجهة مع الجبهة الجنوبية.
إذاً،
التفكك هو مصير الثورة، والتوحيد لا يتم إلا عبر الداعمين، وغرضه الضغط على
النظام، وخلق تناحر بين الفصائل، وبالتالي إرادة الداعمين هي ما يتحقق. فكيف
الخروج من هذه الحال؟.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث