عبد
القادر عبد اللي
نعم،
لقد وقع ما كان السوريون يخشون منه قبيل كل انتخابات تركية، وهو الخوف من عدم
تحقيق حزب العدالة والتنمية النجاح الذي يؤهله لتشكيل حكومة بمفرده.
لا
شك أن نتيجة الانتخابات العامة لها انعكاسات كثيرة على السياسة التركية الداخلية
والخارجية.
سيضطر
الحزبان (أو الأحزاب الثلاثة) التي تُشكل الحكومة إلى تقديم تنازلات لبعضها بعضاً
في أي قرار يُتخذ من أجل الوصول إلى حلول وسط. ومن بين هذه القرارات ما يتعلق
بالقضية السورية.
ما
إن ارتاحت حكومة العدالة والتنمية قليلاً في القضية السورية بعد التقارب مع
السعودية، حتى جاءتها هذه النتيجة التي لم تحقق لها فوزاً كاملاً يمنحها حق تشكيل
الحكومة وحدها، وبالتالي ستشارك أحزباً أخرى في هذه الحكومة.
هناك
حزبان، أحدهما موقفه معلن وصريح من النظام السوري، وهو دعمه وتأييده التام، وقد
زار رئيسه دمشق، وقدم رسائل مفادها أنه ونظام الأسد في خندق واحد. صحيح أن هذا
الحزب، وهو حزب الشعب الجمهوري الذي يعيش حالة من التناقض السياسي الحاد، فهو ضد
الإسلام السياسي في تركيا، ولكنه مستعد لتقديم كل شيء في سبيل دعم الإسلام السياسي
الإيراني. والأغرب من هذا، أن برنامجه المعارض تأسس منذ عام 2002 حتى انطلاق
الثورة السورية على “منع تحويل تركيا إلى إيران ثانية” على يد حزب
العدالة والتنمية. ولكن الثورة السورية قلبت كل شيء، ولم يعد يستخدم إيران في
أدبياته، وحتى إنه في الحقيقة من الناحية السياسية أصبح أقرب الأحزاب إلى إيران.
الحزب
الثاني هو حزب الشعوب الديمقراطية، الحزب الجديد الذي حقق له فوزه بالانتخابات فرصة
كبرى بحصوله على ثمانين مقعداً برلمانياً، وبالتالي إمكانية مشاركة حزبه في تشكيل
الحكومة التركية. ولم يفاجئ زعيم هذا الحزب أحداً بإجراء لقاء مع تلفزيون المنار،
واعتباره حزب الله مقاومة. فهو يعتبر أن كل سوري معارض لنظام الأسد هو إما نصرة أو
داعش، وهكذا فهو إرهابي. وبالطبع لا يمكن لحزب سياسي يعمل ضمن المنظومة الدولية أن
يدعم الإرهاب. لا شك بأن مشاركة هذين الحزبين أو أحدهما في حكومة ائتلافية تركية
سيؤثر سلباً على القضية السورية.
يبقى
خيار واحد هو تحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية. هذا الحزب القومي
يعرف أيضاً اضطرار الحكومة للتحالف معه، ولهذا يمكن أن يفرض شروطاً قاسية بالنسبة
إلى حزب العدالة والتنمية من أجل أن يشارك في الحكومة. ولعل الضغط الشعبي في
أوساطه من أجل الدخول في الحكومة يدفعه لتقديم بعض التنازلات.
القضية
السورية ليست على جدول أعمال هذا الحزب، ولعل القضية الأهم بالنسبة إليه هي ما
أسمته حكومة العدالة والتنمية “مرحلة الحل”، وهي مرحلة حل القضية
الكردية سلمياً. فهو من أشد المعارضين للحل السياسي، ويدفع باتجاه استمرار العمل
على الحسم العسكري، ويعتبر أن حل القضية الكردية بالطريقة التي يطرحها حزب العدالة
والتنمية يؤدي إلى تقسيم تركيا.
لن
تكون هناك خلافات بين الأحزاب التركية في قضايا الإدارة والوزارات وسياسة الدولة
عموماً إلا في نقطتين: القضية السورية، والقضية الكردية.
تركيا
بحاجة حل سياسي سلمي للقضية الكردية، إذ يربط كثير من المراقبين الازدهار
الاقتصادي الذي عاشته تركيا في العقد الأخير بالسلام مع الأكراد، حيث كانت الحرب
لا تكلف تركيا أرواحاً فحسب، بل تكلفها نفقات مادية باهظة أيضاً، ومع تحوّل هذه
النفقات إلى التنمية، شعر المواطن بأهمية السلام.
ثمة
جانب آخر، وهو أن الحرب والصراع يعيد الجيش إلى الواجهة، أي يعيده حاكماً من وراء
ستار، وبالطبع هناك المستفيدون من الحرب في الطرف الآخر، والذين يسمون الصقور في
حزب العمال الكردستاني وليس لهم مصلحة بالسلام.
حزب
الشعوب الديمقراطية يعي هذه التوازنات، ويعي أن تحالف العدالة والتنمية مع حزب
الحركة القومية يؤثر سلباً على قضيته، فهل ينحى منحى الصقور؟
نعم،
هناك مساومات كبرى بدأت منذ الآن وراء الأبواب المغلقة من أجل رسم سياسة الحكومة
التركية المقبلة الخارجية والداخلية. ولا شك بأن ما يقال خلف الأبواب المغلقة غير
ما يقال أمام الكاميرات. ولكن هناك نقطاً مشتركة بين الحالتين. وهي أن القضية
السورية لن تحظى بالدعم الذي كانت تحظى به سابقاً، وهذا لا يتعلق بالتوازنات
التركية الداخلية فقط، بل يتعلق أيضاً بتردي عمل الائتلاف وعدم تقديمه نموذجاً
بديلاً للنظام. وإذا كانت المرحلة القادمة ستشهد تشكيل جسم جديد للمعارضة السورية
يحل بديلاً عن الائتلاف، فهل ستلعب الحكومة التركية القادمة دوراً مختلفاً في
تشكيله ويكون لإيران دور فاعل بتشكيله؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث