البلاد مرحلة جديدة هذه الأيام، في ظل تطورات عدة حصلت في الإسبوعين الماضيين.
ففصائل “جيش الفتح” في الشمال، باتت على تخوم أهم معاقل النظام الشعبية
في البلاد، وفصائل الجنوب أحرزت انتصارات جديدة . لكن عدة متغيرات طرأت على الوضع
الميداني في جبهات أخرى، خاصة في شمال شرق البلاد، حيث أبدت فصائل المعارضة
الكبرى، مخاوفها من طموح الأكراد، الذين يتقدمون بدعم من التحالف الدولي، بينما
يقف اهالي السويداء جنوباً على خيط رفيع، إثر إفرازات معركة مطار الثعلة”
أحمد حمزة – صدى
الشام
عسكرية، في شمال سورية وجنوبها وشرقها وغربها، وكأن الجبهات اشتعلت كلها دفعة
واحدة.
ففي أقصى شمال
البلاد، تواصل فصائل المعارضة محاولاتها لطرد مقاتلي تنظيم “الدولة
الإسلامية” من المواقع التي هاجموها بغتة بريف حلب الشمالي نهاية أيار
المنصرم، ونجحوا فعلاً في مساعيهم لوقف تمدد “داعش” نسبياً هناك. في حين
ما زال التنظيم يتربص قرب مارع، معقل فصائل المعارضة في حلب.
وهجوم التنظيم
المباغت هذا، تزامن مع الحديث عن تشكيل “جيش فتح” في حلب، لطرد قوات
النظام من المناطق التي تسيطر عليها هناك، وجاء بالتوازي مع التقدم اللافت لـ “جيش
الفتح” في معارك إدلب، ما دفع المعارضة مجدداً لتعيد حساباتها، بعد أن اعتبرت
هجوم “داعش” الأخير، طعنة في الظهر. خاصة أنه ترافق مع شن طيران النظام
الحربي غارات دامية على ريف حلب الشمالي الذي هاجمته “داعش”.
وكان “جيش
الفتح” في إدلب، بدأ الأسبوع الماضي عدة معارك، أفضت للسيطرة على مناطق مهمة
بريف المحافظة، التي باتت قاب قوسين من الخروج كلياً عن سيطرة النظام. وبات مقاتلو
“جيش الفتح” يهددون بشكل مباشر مناطق الساحل وسهل الغاب، أهم معاقل
النظام الشعبية على الإطلاق في عموم سورية. وهذا يحدث للمرة الأولى منذ بداية
الثورة قبل ما يزيد عن أربع سنوات.
بالتوازي مع ذلك،
اشتعلت جبهات أخرى، شمال شرق البلاد. فقد تواصلت المناوشات شبه اليومية، على أطراف
مدينة الحسكة، بين قوات النظام و”وحدات حماية الشعب” الكردية (ypg) من جهة، ومقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية” من جهة أخرى، دون
أن ينجح التنظيم بالتقدم لداخل المدينة، أو يُفلح النظام وميليشياته (كتائب البعث
والدفاع الوطني) بإبعاد خطر التنظيم عن محيطها القريب، مع محاولة حكومة الاسد
لاستمالة طائرات التحالف بهدف صد التنظيم عن الحسكة، من خلال توسيع مناطق سيطرة
الـ (ypg) داخل الحسكة، لكن رفض مؤيدي النظام في الأحياء
العربية، يحول دون ذلك.
والى الغرب من
الحسكة، وقرب الشريط الحدودي مع تركيا، شهدت جبهة تل أبيض بريف الرقة، معارك عنيفة
بين تنظيم الدولة الذي تلقى صفعة بخسارته للمدينة أمس الإثنين، بعد زحف القوات
المشتركة في غرفة عمليات “بركان الفرات” من الشرق ونجاحها بدخول تل أبيض.
وكانت قبل ذلك أحرزت تقدماً لافتاً، مستفيدة من غطاء جوي توفره طائرات التحالف
الدولي.
غير أن المعارك
هناك ترافقت مع اتهامات واسعة من قبل المعارضة لـ “وحدات حماية الشعب”
الكردية، بارتكابها انتهاكات واسعة تهدف خلالها لتغيير ديمغرافية المنطقة.
وكانت صحيفة
التايمز البريطانية قد ذكرت، بحسب مصادرها من داخل واحدة من أكبر المنظمات
الحقوقية التي تعمل في سورية، أن الـ (ypg)، التي تعد
أحد أقرب الحلفاء للغرب في الحرب ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، أحرقت
القرى العربية في مناطق عدة سيطرت عليها شمال وشمال شرق سورية، وطردت الألاف من
السكان المحليين. وهو ما نفته الوحدات الكردية، ودللت على ذلك بأنها تخوض حرباً ضد
“داعش” بالاشتراك مع فصائل من الجيش الحر، وأن هجرة السكان إنما كانت
بسبب العمليات العسكرية في مناطقهم .
لكن ذلك لم يمنع
15 فصيلاً (بينهم جيش الإسلام وحركة أحرار الشام والجبهة الشامية والاتحاد الإسلامي
لأجناد الشام وفيلق الرحمن) من دق ناقوس خطر تغيير ديمغرافي قد يحصل. حيث أصدرت
الفصائل بياناً مشتركاً أمس، حذرت خلاله من محاولة تقسيم البلاد، معتبرين أن ذلك
“خطا أحمر”، وهددت بعدم الوقوف “مكتوفة الأيدي أمام حملة التلاعب
بديموغرافية البلاد، والتطهير العرقي والطائفي الذي يتعرض له أهل سورية من العرب
السنة، والذي كان لحماقات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتصرفاتها المشبوهة
وغدرها بالمجاهدين دور بارز فيه”.
وغير بعيد عن
مناطق الجزيرة السورية، وبعد إحكام “داعش” سيطرته على مدينة تدمر بريف
حمص الشرقي، مواصلاً تمدده المريب في البادية، وهو المتواجد أساسا في القلمون الشرقي،
أطلقت المعارضة السورية، في التاسع من حزيران الجاري، معركةً سيطرت خلالها على جبل
الأفاعي في منطقة القلمون الشرقيّ، بعد اشتباكات عنيفة مع تنظيم “الدولة
الإسلامية”.
وشارك في المعارك
هناك فصائل عدة، أهمها “جيش الإسلام” و”تجمّع كتائب وألوية الشهيد
أحمد العبدو” و”جيش أسود الشرقيّة” و”حركة أحرار الشام
الاسلامية”.
وكان خروج مقاتلي
المعارضة من مناطقهم (خاصة بالغوطة الشرقية) نحو القلمون الشرقي لمواجهة التنظيم،
ضرورة ملحة لهم. حيث أن تنظيم “داعش” اقترب من الغوطة وبات مشاركاً مع
النظام في حصارها، وكذلك يقف (داعش) حجر عثرة بوجه طرق إمدادات فصائل القلمون
الغربي، والذي يشهد بدوره معارك استنزاف لا تتوقف مع مقاتلي حزب الله.
وسقط قتلى جدد للحزب
اللبناني، في الأيام القليلة الماضية بالقلمون، حيث تؤكد المعارضة أنها تنجح في
تكبيد الحزب خسائر بشرية كبيرة، بينما يتحدث الأخير عن إحراز تقدم هناك، في حين
يلف الغموض تفاصيل تلك المعارك الدقيقة، والتي يُحشد لها إعلامياً من الجانبين.
ودفعت معركة
القلمون بالأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، للظهور 4 مرات خلال عشرين يوما،
ليعلن في كل مرة عن تحقيق انتصار جديد. فيما اعتبر مراقبون أنها محاولات لتهدئة
حاضنة الحزب الشعبية، إثر تزايد أعداد القتلى في صفوف مقاتليه.
وأخيراً وفي
الجبهات الجنوبية، نجحت المعارضة الثلاثاء الماضي، بالسيطرة على اللواء 52 بريف
درعا، وهو القريب من مطار الثعلة، وتزيد مساحته عن 1200 هكتار، وتتداخل أرضيه جغرافياً
بين ريفي درعا الشرقي والسويداء الغربي. كما يُعتبر من أهم ثكنات النظام العسكرية
بريف درعا، وحصناً دفاعياً عن قطعات النظام العسكرية في ازرع، الواقعة على الأتوستراد
الدولي المؤدي للعاصمة دمشق.
ولم ينتظر مقاتلو
المعارضة كثيراً، فبعد يوم واحد (الأربعاء 10حزيران) أعلنوا بدء معركة لطرد قوات
النظام من مطار الثعلة العسكري بريف السويداء الغربي. وهي المعركة التي لم تُحسم،
لكنها أفرزت واقعاً جديداً في مدينة السويداء، التي تقطنها غالبية درزية. بات
النظام والمعارضة يتنازعان لاستمالتها، أكثر من اي وقتٍ مضى، في حين أصبح موقف هذه
الأقلية دقيقاً للغاية، فهم بغالبيتهم لا يأمنون جانب النظام، لكنهم يخشون انهيار
قواته، وتمدد تنظيم “الدولة الاسلامية” نحو مدينتهم، واضعين بحساباتهم
حساسيات سابقة، مع جيرانهم في سهل حوران، الذي أصبح بمعظمه بيد فصائل المعارضة.
البلاد مرحلة جديدة تبدو معقدة الى حد ما، وبدأت تتضح معالمها خلال الأسبوعين الأخيرين،
وربما تدفع جمع الأطراف لإعادة ترتيب أوراقها. فمخاوف المعارضة من طموح الأكراد
بريف الحسكة والرقة، وهجوم “داعش” على ريف حلب الشمالي، وتوسعه شرق
البلاد، وسط خشية حقيقية من طموحه للتمدد نحو غوطة دمشق وجنوب سورية. كلها عوامل بالغة
الأهمية، خاصة أنها تأتي في وقتٍ أحرزت فيه المعارضة تقدماً لافتاً بدرعا جنوباً،
وبات آلاف مقاتليها على تخوم الساحل وسهل الغاب شمالاً، وهم المنتشون بانتصاراتهم
الأخيرة. لكن تطور المجريات الميدانية جعلهم ينظرون بعينٍ نحو الجنوب والغرب، حيث
معاقل النظام، وعينٌ أخرى، نحو الشمال والشرق، حيث تهديدات “الدولة
الإسلامية” التي تسعى للتمدد نحو مناطقهم.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث