صدى الشام _ وسام فرنجية/
“اغفروا لي حزني وخمري وغضبي
وكلماتي القاسية.
سيقول البعض: بذيئًا
لا بأس
أروني موقفا أكثر بذاءة ممّا نحن فيه”
مظفر النواب
حياته:
مظفر بن عبد المجيد بن أحمد حسن بن أحمد بن إقبال بن معتمد النّواب، ولد في بغداد عام 1934م.
عاش النواب في بيتٍ مترفٍ يسودُه الوئام والسعادة والحياة الهانئة، فقد كانت والدته، وهي وجيهة بنت علي من مواليد بغداد، متعلمةً درست إلى الثانوية في مدرسة الراهبات في بغداد، ومطلعةً على اللغة الفرنسية، وتجيد العزف على البيانو الذي كان في بيت والدها.
أمّا والده عبد المجيد وهو من مواليد عام 1910 م لم يكن يشتغل بأيّ مهنة، بل كان ثرياً وأرستقراطياً كوالده أحمد حسن، إذ كانت العائلة ثرية وأرستقراطية، فقد سكنت عائلة النواب قصراً فخماً.
وفي المرحلة الابتدائية، كان الفضل لأستاذه أحمد التكريتي في إيقاد أول قدحة شعرية في نفس مظفر النواب، حيث كان المدرس قد كتب نصف بيت شعر: “قضينا ليلة في حفل عرس” فالتفت إلى النواب وطلب منه أن يكمل البيت فأجاب النواب دون تردد: كأنا جالسون بقرص شمس.
انتاب الأستاذ مشاعر مختلطة من الدهشة والفرح والاستغراب، وأخذ يشيد، وذهب إلى المدير وشرح له ما حدث. كلّ هذا كان دافعا للنواب أن يتخطى حاجز الخجل، وأخذ يفطر بالشعر، وصار بعد ذلك يكتب أبياتاً ويأتي بها إلى للتكريتي؛ ليصححها. وفي المرحلة المتوسطة صار يشارك بقصائد في الصحف الجدارية التي تنظم في المدرسة، ومن المدرسين الذين أولوه اهتماماً الأستاذ عبد المجيد دمعة الذي أدهشه النواب حينما أّلف قصيدة على غرار قصيدة أبي تمام.
لكن حياة العائلة السعيدة لم تستمر، فحدثت الاضطرابات التي أثرت على استقرارها، فكانت بمثابة صدمة للنواب الذي لم تكتمل أحلامه بعد، فقد تدهورت حالة العائلة المادية ولم يبقَ غير راتب والده مصدراً وحيداً للرزق، حتى إنَّ النواب لم يجد أجرة السيارة للذهاب إلى الجامعة.
عمل النواب مدرساً في إحدى مدارس بغداد، لكن سرعان ما تم فصله لعلاقته بالحزب الشيوعي. ومع قيام النظام الجمهوري في العراق 14 تموز 1958 م تمَّ تعينه مفتشاً في مديرية التفتيش الفني بوزارة التربية.
في عام 1963 م اضطر النواب للهرب من العراق بعد اشتداد الصراع السياسي بين القوميين والشيوعيين، فقد كان هروبه إلى إيران عن طريق البصرة عبر البساتين المتاخمة للحدود مع إيران، فقد احتضنه الفلاحون في قرية الأهوار وضمدوا جروحه، وساعدوه في التوجه إلى العاصمة طهران في طريقه إلى روسيا، لكنه فشل في عبور الحدود الإيرانية -الروسية فأُلقي القبض عليه في قرية قريبة من الحدود اسمها استارات وأُعيد إلى طهران حيث أُخضع للتعذيب الجسدي والنفسي على أيدي جهاز الأمن الإيراني، وفي العام نفسه سلمته السلطات الإيرانية إلى العراق، وهناك قُدِّم النواب إلى المحكمة العسكرية العراقية فطلب المدعي العام العسكري الحكم عليه بالإعدام إلا أن مساعي أهله وأقاربه نجحت في تخفيف الحكم إلى السجن المؤبد، ثم حكم عليه ثلاث سنوات إضافة إلى المؤبد بسبب قصيدته الشعبية الشهيرة البراءة، ثم نقل إلى نقرة السلمان وهو سجن يقع في عمق الصحراء الجنوبية الغربية من العراق، قرب الحدود السعودية، ثم نُـقل إلى سجن الحلة وهو السجن المركزي لمحافظة الحلة الواقعة جنوب بغداد، في هذا السجن بدأ النواب بالتخطيط للهروب في عام 1967 م وتمت عملية الهروب بنجاح.
ثم ما لبث أن حدثت موجة من الاعتقالات في صفوف الشيوعيين بعد قيامهم بعمليات اغتيال شملت عدداً من الشيوعيين الذين تعاونوا مع السلطة الحكومية، فتم اعتقاله في تلك الحملة إلا أنّ مساعي بعض السياسيين أثمرت في إطلاق سراحه والسماح له بالسفر إلى بيروت للإشراف على طبع ديوانه، فسافر إلى بيروت، وبقي فيها ستة أشهر. وذات يوم ذهب لزيارة إلى دمشق، وعند عودته إلى الأراضي اللبنانية منع من دخولها، فرجع إلى دمشق وأقام في أحد فنادق المرجة، وفي أثناء إقامته في دمشق وجهت له دعوة لاستضافته من قبل رئاسة الجمهورية، إلا أنه اعتذر عن قبول الدعوة الرسمية، وبقي في دمشق فترة غير قصيرة، ثم سافر إلى القاهرة ومنها إلى أرتيريا وبقي هناك بضعة أشهر في معايشة واقعية مع ثوار أرتيريا، ثم توجه إلى القاهرة وبقي فيها سنة ونصف، ومنها إلى بيروت وسوريا والعراق واليونان وفرنسا واستطاع خلال إقامته في فرنسا أن يطبع ديوانه (المساورة أمام الباب الثاني) وديوانه (وتريات ليلية) وانتهى به المشوار للاستقرار في ليبيا، وهناك كانت ُتوجه له الدعوات لزيارة البلدان العربية كالجزائر والسودان، وأقام فيها الأمسيات الشعرية التي كان لها صدى واسع في أوساط الجمهور الذي كان يحرص على الالتقاء به والاستماع إليه بإصغاء وانشداد وحب.
هكذا إذاً كانت حياة النواب مليئة بالمخاطر والتنقل والسفر والعذاب ممَّا ولَّد لديه إحساساً عميقاً بالحزن والغضب والمعادة للأنظمة العربية كافة.
وربما لو نظرنا بإمعان في محطات حياته لوجدنا السبب وراء لغة النواب الهجومية والمباشرة، ولكن هذا بحث يطول ويحتاج فترة طويلة ومعلومات أكثر عن حياته.
شعــــــــــــره:
كان النواب من أكبر المحرضين على غربلة اللغة الشعرية وتنقيتها من الشوائب والحشو وجعلها أقرب إلى الجماهير ببساطتها وعدم ابتذالها؛ كيلا تصبحَ القصيدة نخبوية، لكن هذا لا يعني أن مظفر واضح أو بسيط بل إنه واضح وغامض، بسيط وعميق في الوقت نفسه. وليس فهمه بالأمر السهل، إن أشعاره تحتاج إلى قارئ مثقف ثقافة واسعة؛ ثقافة أدبية وثانية سياسية وثالثة جغرافية ورابعة نقدية.
ويرد النواب على من أخذ عليه استخدام الألفاظ البذيئة والشتم: “لا يعقل أن ألجأ إلى معجمية الأخلاق وأنا أعيش سم المواخير حتى التخمة، كذبٌ لجوئي إلى المفردة المداعبة الهامسة وأنا أعيش جحيم المجزرة! قبيحٌ بي وأنا أعيش هذا الذل العربي الحاكم، ألا “ترقى” مفرداتي إلى هذا الدرك اللغوي، وخيانة لجوئي للصمت في وجه العهر والقمع، رغم أنَّ “العثة في بلد العسكر تفقس بين الإنسان وثوب النوم وزوجته تقرر صنف المولود” فعلى قدر الوجع تكون الصرخة، وعلى قدر التردي يكون التردي، ونحن نعيش البذاءة ممارسة بآلاف الأشكال، نعيش القهر، وبالألوان على شاشات الفضائيات نعيش العهر الصامت أو الصمت العاهر على أحدث طراز، فأي لغة تريدون؟ أعلي ّ أمام شاشات الدم ومشهديَّة السقوط، أتلهى بالبحث عن لطف العبارة لئلا أخدشَ مَن يحزنني من الوريد إلى الوريد؟”.
يكثر النواب في شعره من تجريح الحكام العرب على أفعالهم، وكثيرا ما يعتمد في تجريحه على استخدام الألفاظ الجنسية التي تأنف منها الثقافة العربية، يقول:
ليس لإصبعي الوسطى في الليل أمان
وأدير على هذي الإصبع حكام الردة قاطبةً
ويقول في موضع آخر:
شارك في الحل السلمي قليلا
أولاد القحبة كيف قليل
نصف لواط يعني
امتعضت روحك
كنت كم يجبر أن يأكل فأراً
ونجده أيضا مرة أخرى يهجو حكام العرب وهم في جلسات الجامعة العربية ساخراً منهم ومن اجتماعاتهم:
قمم قمم قمم
معزى على غنم
مضرطة لها نغم
تنعقد القمة
لا تنعقد القمة
لا تنعقد القمة
أيْ تفو على أول من فيها
إلى آخر من فيها
من الملوك والشيوخ والخدم
ويطول بنا المقام لو أردنا التوقف على ألفاظه البذيئة وهجوه للحكام العرب، فهو الشاعر الذي ما ترك غضبَه وما تركه.
وعلى الجانب الآخر من شعره نجده يحتفي بلفظة “القرآن” احتفاءً كبيراً بوصفها علامة مركزية في لغة النص، فيربطها بالفقراء تارة، يقول في قصيدته:
لقفلت الأبواب وصلى الناس صلاة العهر الحجاج
فكبر للعهر الناس
حرف في قلب المسجد قرآن الفقراء
وتارة أخرى يذكرها حين يخاطب أبطاله ويريد بث روح الحماس فيهم، يقول:
إيمانك والقرآن والوحدة
والإعداد للثورة ملقاة بهذا السجن غنيهم
وللاحتفاء بالقرآن عند النواب مظهر آخر يتمثل باستدعاء أسماء السور بوصفها علامات تطعِّم النصَّ بزخرف روحي وتزيد من تماسه مع ذات المتلقي
خرجت إلى الضحى متلفتاً حذراً
فألفيت العمائم
آية الكرسي تعلوها بتنقيط من الذهب
ولم يكتفِ النواب بهذا الاحتفاء فاستدعى القصص القرآنية ووظفها بقصائده برمزيةٍ تلامسُ وقائعَ متجددةً يعيشها شاعرنا، يقول:
وصراخ رضيع يكوم ليلا
صغيرا على أمه المستباحة
جاء جند سليمان
أيها النمل فادخلوا لمساكنكم
من هنا مر وجه المذابح فاشتعلت هدنة
ويكتظ النواب بالحزن، فاكتظ شعره بالحزن، فتكاد لا تمر قصيدة للنواب لا نجد فيها مظهر من مظاهر الحزن والمعاناة، فالسجن والغربة القسرية أورثتا في روح الشاعر أشد جلدات الألم والوجع.
إنه شاعرُ الغربة، شاعرٌ فقدَ استقرارَه وراح يتنقلُ من بلدٍ إلى بلدٍ حاملاً في قلبه حنينه إلى وطنه الأم، العراق، وأضنى قلبَه الجريح طولُ السفر، يقول:
أبكيك بلادي
أبكيك بحجر الغرباء
وكل الحزن لدى الغرباء، مذلة
ولم تتوقف معاناته عند الغربة، بل تعدت ذلك إلى جسده فقد امتلأ جسد الشاعر بالأمراض وكان آخرها الــ “باركنسون” فأصبحت الكلمات تتموج أمام ناظريه فلا يحسن اصطيادها فكانت هذه الأمراض دافعاً للحزن واليأس عند النواب فراح يرى نهايته قريبة، متذكراً أيامَ تشرده، ونساءَه، يقول في وترياته:
تعب الطين
سيرحل هذا الطين قريبا،
تعب الطين
عاشر أصناف الشارع في الليل
فهم في الليل سلاطين
نام بكل امرأة
خبأ فيها من حر النخل بساتين
الذكريات والمرض والغربة تجتمع في جسد الشاعر، وفي روحه فأحسَّ وكأنه يحتضر في ساعاته الأخيرة، يحتضر بعيداً عن بلاده التي لطالما تمنى أن يراها ويعود إليها، فراح يوصي وصيتَه الأخيرة، وصيةَ مَن لا يملك شيئا وصيةَ فقيرٍ، وصيةً تحمل ألفَ دمعةٍ وغصةٍ، وصيةَ المحروم والمشتاق والعاجز، يقول:
يا حامل وحي الغسق الغامض في الشرق
على ظلمة أيامي
احمل لبلادي
حين ينام الناس سلامي
وأخيراً، مظفر النواب شاعر سياسي وطني وثوري رافض، غير متصالح مع الواقع، يعاني المرارة والألم، ويحمل الهموم العربية الكبرى، وهو بركان هادر متفجر على الوضع الشائن وغاضب على الأحوال العربية الرديئة والواقع العفن المخذول. إنه صاحب الشعر الصادق الذي تصل كلماته إلى شغاف القلوب، فيعود صداها رجعاً في فؤاد وعقل القارئ، فلا يشبع ولا يكتفي بقراءتها. وقصائده مترعة بالوجع والحنين والغربة والحزن المؤرق والغضب الثوري اللاهب والمتمرد على الواقع العربي الذي يتسم بالضعف والانحطاط والهرولة الاختيارية.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث